إيران: طريق القدس يمر عبر الموصل!

حجم الخط
4

ما ميز الموقف الإيراني من حرب تحرير الموصل هو «الصمت» الذي أثار حفيظة وسائل إعلام مرموقة نقلت هذا الموقف كـ «خبر عاجل» خصوصاً في ظل تصاعد الأزمة بين بغداد وأنقرة حول تواجد القوات التركية داخل الأراضي العراقية، وما إذا كانت ستشارك في هذه العمليات أم لا.
«صمت» طهران قبل وبُعيد اندلاع معارك تحرير الموصل، فسرته أوساط عارفة بأنه هو الموقف الذي تم الاتفاق عليه مع «الحكومة العراقية» وباقي الأطراف المعنية مباشرة بمعركة الموصل، خصوصاً فصائل الحشد الشعبي، بعد أن شهدت التحضيرات لها، سجالاً وصل إلى حد مطالبة أطراف «سنية» مشاركة في الحكومة والبرلمان، إيران بأن لا تشارك بأي شكل من الأشكال فيها.
 وبالفعل أصدر تحالف القوى العراقية «السني» بياناً قبل شروع المعارك طالب إيران بعدم التدخل فيها، وكما هو واضح فقد استجابت إيران على الرغم من تصريحات سابقة أطلقها قادة نافذون في الحشد الشعبي، أشارت إلى دور بارز سيلعبه قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني في تحرير الموصل.
وليس هذا وحسب، فقد كان الحشد الذي يحظى برعاية خاصة من سليماني، يؤكد على مشاركته الفعالة في تحرير الموصل، لكنه وافق على الاكتفاء بدور في محور تلعفر، وتعهد بعدم دخول مدينة الموصل، كما هو الحال مع قوات الأكراد، البيشمركه، بعد سلسلة اتصالات أجراها رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي مع الأطراف الدولية المعنية وتحديداً الولايات المتحدة،لارسال رسالة تطمين إلى السعودية وتركيا اللتين تعارضان دخول هذه القوات إلى الموصل بتبريرات شتى أبرزها، الخوف على أهل السنة من حمامات دم على حد تعبير وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.
وبعد البدء بالعمليات، ظل «الصمت» الإيراني هو سيد الموقف، عدا تصريحات هنا وهناك لا تعبر عن موقفها الرسمي، لكنها تعكس بالطبع مزاج نظام الجمهورية الإسلامية من هذه التطورات، التي تراها الصحف الإيرانية القريبة من صانعي القرار مرتبطة أساساً بالتطورات السياسية والميدانية في سوريا واليمن، وما يجري من صراع نفوذ واستنزاف بين إيران والسعودية، وبينهما وتركيا في مناطق الصراع الأخرى.

كسر الصمت

وبعد نحو أربعة أيام من «الصمت» الإيراني الرسمي، أبرزت وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات القائد السابق لفرقة محمد رسول الله في الحرس الثوري الإيراني وعضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية السابق في البرلمان الإيراني اسماعيل كوثري، الذي نفى فيها الخميس، وجود مستشارين عسكريين إيرانيين لدعم القوات العراقية في العمليات العسكرية الجارية لتحرير الموصل.
وقال كوثري في تصريح لصحيفة «جام جم» الإيرانية المحافظة، «إيران ليس لها مستشارون عسكريون في معركة الموصل، فضلاً عن إرسال مقاتلين»، عازياً ذلك إلى «ارتفاع مستوى الوعي والقدرة على القتال في صفوف القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي بعد فترة طويلة من قتال تنظيم الدولة الإسلامية».
وأوضح كوثري وهو يلمح أيضاً إلى دور إيراني في لملمة أطراف العملية السياسية المتعثرة في العراق إن «مشاركة مختلف القوات المقاتلة من مختلف العراقيين عززت الوحدة بين أبناء الشعب العراقي في معركة الموصل»، منوهاً إلى أن «الشعب العراقي بذل جهودا كبيرة وأشياء عظيمة في استعادة العديد من المدن من قبضة داعش».
وأضاف وهو يربط بين معارك الموصل والتطورات في سوريا إذ تستعد إيران وروسيا والجيش السوري لإطلاق معركة حلب الكبرى إن «إيران كانت تعتقد منذ البداية أن الأزمات في المنطقة خصوصاً في العراق وسوريا يمكن حلها بالاعتماد على مواطنيهم والمقاتلين المحليين لتحرير البلدين من قبضة داعش الإرهابي».
ومؤكداً أن «إرسال المستشارين العسكريين الإيرانيين يتطلب دعوة من الحكومة العراقية».
وسبق تلميح كوثري، عن العملية السياسية، تصريح أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الأميرال علي شمخاني أن إيران كانت عملت على حل الخلافات بين كتلة تحالف القوى العراقية والقوى السنية الأخرى عندما اندلع الخلاف بين رئيس البرلمان سليم الجبوري ووزير الدفاع المقال خالد العبيدي، ما يفسر طبيعة «الصمت» وسعي طهران لتبديد مخاوف القوى السنية التي كانت سابقاً أيدت تدخلاً تركياً مباشراً في تحرير الموصل!.
وشارك مئات المستشارين العسكريين الإيرانيين خصوصاً قائد فيلق القدس قاسم سليماني في معارك عديدة في العراق وسوريا، لكن إيران نأت بنفسها عن التورط المباشر في معركة الموصل، بينما هي تتحرك خلف الكواليس في إطار مشروعها الاستراتيجي لإيجاد اتصال مباشر من خلال العراق، بسوريا ولبنان عبر السيطرة على ممر بري، يبدأ أساساً من أفغانستان، لتأمين نقل قوات ومعدات إلى سوريا.. وأيضاً لبنان.
وليس خافياً المشروع الإيراني لمواجهة إسرائيل والذي رصدته الدولة العبرية عندما نفذت عمليات استباقية أبرزها في كانون الثاني/يناير العام الماضي بالاغارة على سيارتين قرب مدينة القنيطرة على الحدود مع الجولان المحتل، واغتالت حينها قائدين عسكريين من حزب الله واربعة ضباط إيرانيين، وكان من بينهم جهاد مغنية ابن عماد مغنية. يومها أعلن حزب الله أنه يملك صواريخ إيرانية من طراز «فاتح 110» التي يمكن ان تطال أي هدف في فلسطين المحتلة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب حيث يبلغ مداها أكثر من 200 كيلومتر، وأكد ان المقاومة الاسلامية في «جهوزية تامة» على جبهة الجنوب، وهي مستعدة لمواجهة أي احتمال لافتا إلى «ان جزءا أساسيا من المقاومة متفرغ بشكل تام لهذه الجبهة لان الأولوية هي مواجهة المشروع الصهيوني».

طريق القدس عبر كربلاء
 
في أيام الحرب العراقية الإيرانية رفعت إيران شعار «طريق القدس يمر عبر كربلاء»، وتغنى منشد الحرب الحماسي آنذاك صادق آهنكران في فصول تلك الحرب المثيرة بأناشيد حماسية لتعبئة المقاتلين الإيرانيين نحو اسقاط نظام صدام، والسيطرة على العراق لفتح ممر يربط إيران بسوريا الحليف الاستراتيجي، ومنها إلى تحرير القدس.
وجاءت الأحداث المثيرة في سوريا لتجعل إيران تستعجل مشروعها نحو القدس وجبهة الجولان في ضوء ما يجري من صراع ميداني تعتقد طهران أن إسرائيل جزء رئيسي منه في سوريا. ولذلك فهي تستثمر التراجع السياسي وحتى العسكري، لأمريكا وباقي الأطراف الإقليمية والمحلية المناوئة لحليفها السوري، لتحقيق انتصار كبير في الموصل، دون أن تثير حفيظتهم!.
وتأتي في هذا السياق أيضاً معلومات عن زيارة قام أو سيقوم بها إلى بغداد، القائد الأفغاني في زمن الجهاد الافغاني ضد الاحتلال السوفييتي لافغانستان، ومرجع الشيعة الأفغان آية الله آصف محسني، لبحث نقل مقاتلين من أفغانستان إلى العراق ومنها إلى سوريا، فيما لو لم يواجه مشروع إيران أي مشكلة.

معركة سهلة

في ضوء هذه السياقات ومنها بالطبع سعي واشنطن وحلفائها لموازنة الانتصار الروسي الإيراني في سوريا، تبدو معركة تحرير الموصل سهلة بالقياس لباقي المعارك التي خاضتها القوات العراقية سابقاً مع «الدولة» لأنها تأتي في ظل ظروف إقليمية ودولية تصب كلها لصالح العراق. 
فالأطراف الإقليمية والدولية الضالعة في الأزمة السورية كالولايات المتحدة والسعودية وتركيا والجماعات التي تدعمها، في وضع سياسي وميداني لا تحسد عليه وهي تتراجع لصالح الحلف الروسي الإيراني السوري وحزب الله والجماعات العراقية المسلحة الذي يتقدم ميدانيا ويفرض شروطه سياسياً بانتظار معركة الحسم في حلب.
وحتى قبل أن تبدأ المعركة فتحت الولايات المتحدة وتركيا ممراً لكبار قادة تنظيم «الدولة» في الموصل لنقلهم إلى سوريا، ووصل بالفعل إلى الرقة السورية رتل مؤلف من اثني عشر شاحنة نقلت عوائل قادة التنظيم من الموصل.
وأكد مسؤولون في الحشد الشعبي أيضا نقل أرتال من مقاتلي «الدولة» إلى سوريا تحت مرآى من التحالف الدولي برغم الحصار المفروض على الموصل إلا من جهة الغرب المحاذية لسوريا، وهو ما أكده بشكل ما، الرئيس الفرنسي.
من هنا فان معركة الموصل يريدها الجميع، للسيطرة على الطريق الذي يربط سوريا بالعراق. 
وبينما تعهد الحشد الشعبي بعدم الدخول إلى الموصل لكنه بعد التحرير ترك الباب موارباً لدخولها، لأن الموصل يراد لها أن تتحول إلى مشكلة جديدة إذا نجحت اطراف خارجية في إقامة إقليم (سني) يفصل العراق عن سوريا لمنع إيران من الاتصال بسوريا وبالتالي لبنان.
وفي هذا الواقع لا يمكن تجاهل خطوة القضاء العراقي بإصدار مذكرة إعتقال بحق محافظ الموصل السابق أثيل النجيفي بتهمة التخابر مع دولة أجنبية، برغم أن بعض «الحشد الوطني» الذي أسسه ودرّبته القوات التركية المتواجدة في بعشيقة، تشارك تحت إمرة الفرقة 16 للجيش العراقي في العمليات.
وربما تفسر هذه الخطوة التي قد لا تنفذ كما حصل في مذكرة اعتقال نائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي، بأنها خطوة نحو إجهاض مشروع الإقليم (السني) الذي يقابله مشروع إيران الاستراتيجي بتأمين ممر بري يخترق العراق في نقطة الحدود بين البلدين ثم شمال شرق سوريا إلى حلب وحمص وينتهي بميناء اللاذقية على البحر المتوسط.
وبالفعل فان قوات كبيرة من المقاتلين الموالين لإيران في «حلف الممانعة» تضع اللمسات الأخيرة على خطط للتقدم بتنفيذ مشروع الممر الذي ظل في طور التبلور خلال العقود الثلاثة الماضية، وأن من هذه القوات، فصائل من الحشد الشعبي العراقي أصرت على أن تُمنح دورا في المعركة لاستعادة مدينة الموصل، وأخرى كانت تخطط لتقطع الطريق غرب الموصل على أي قوات لتنظيم «الدولة» تحاول الهروب من المدينة إلى الرقة في سوريا.
وتفسر هذه الرؤية الإيرانية غضب السعودية من مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل والصمت الإيراني «المريب» على التدخل التركي في هذه المعركة من واقع أن الشريط البري غرب الموصل الذي تعمل فيه فصائل من الحشد الشعبي، يُعتبر أساسيا في تحقيق أهداف حلف «الممانعة» للوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.
وفي خضم الأزمة المحتدمة منذ العام الماضي وتصاعدت مؤخراً بين بغداد وأنقرة، بسبب معركة الموصل، تبدو طهران راغبة أو مستعدة لنقل المقاتلين والإمدادات بين إيران والبحر المتوسط في أي وقت تشاء عبر طرق آمنة يحرسها موالون لهم أو آخرون، وهي تسعى أيضاً لتفكيك اقليم الأكراد وفصله عن التعاون مع تركيا، إذ يقاتل لأول مرة منذ تأسيس الجيش ـ العراقي عام 1921 البيشمركة والجيش العراقي  معاً لتحرير الموصل. 

إيران: طريق القدس يمر عبر الموصل!

نجاح محمد علي 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية