بعد أن نجحت الثورة الإسلامية في إيران في إزاحة حكم الشاه واستلام الآيات الحكم أظهرت إيران نفسها بزعيمة ورائدة معادي الامبريالية والرأسمالية الأمريكية وأطلقت على أمريكا لقب ووصف الشيطان الأكبر وكانت في كل مناسبة تظهر الوعيد وتطلق التهديد لأمريكا وتظهر ان حربها مع أمريكا كائنة لا محالة . وبهذه السياسة الإعلامية والخطابية نجحت في احتواء العديد من حركات التحرر في العالم العربي والاسلامي وأسرت قلوب وعقول المكبوتين والعطشى المتطلعين للخلاص من هيمنة الرأسمالية الغربية ، كما تزعمت بسياستها هذه ما اطلق عليه محور الممانعة والصمود في وجه السياسة الأمريكية والإسرائيلية ، ومن باب زيادة اظهار اهتمامها بالحرص على المنطقة واهلها ومعاداة المشاريع الغربية استحدثت يوما للقدس وشكلت جيشا بإسم هذه المدينة الأسيرة .
هذا ما كان في اقوال وتصريحات إيران اتجاه أمريكا حتى خُيل للبعض أن إيران عدوة حقيقية لأمريكا وانها تنتظر على احر من الجمر اقتراب أمريكا من المنطقة للاصطدام معها واغراقها في وحل المنطقة ، حتى من وحى الخيال عند أصحاب هذا الخيال والظن إن المسألة مسألة وقت لا أكثر . في المقابل صنفت أمريكا إيران من ضمن دول محور الشر واتهمتها بدعم وتأييد الإرهاب وأطلقت اتجاهها التهديد والوعيد .
هكذا كان موقف كل دولة من الأخرى في الأقوال والتصريحات والسياسة الإعلامية ، أي تنافر وصراع وقرع طبول الحرب . وعلى الجانب الآخر في العلاقة أي جانب الأفعال والمواقف نجد أن الأمر مختلف بل متناقض بالكلي . فنجد الالتقاء في المواقف والتعاون بشكل مباشر أو غير مباشر وبالعلن أو بالسر . فأمريكا حضرت إلى المنطقة بجيوشها وخبرائها ، فاحتلت افغانستان والعراق الملتصقتين بحدود إيران ولم نجد من إيران تنفيذا لتلك التهديدات وذاك الوعيد إذ تبخرت سياستها الإعلامية وذابت مع هبوب عواصف الحرب على تلك الدولتين المنكوبتين وكأنه لا توجد بين إيران صلة القربى والعقيدة مع اهل العراق واهل افغانستان، وكأن إيران لم تتوعد ( الشيطان الأكبر ) بالحرب والهزيمة. في الحقيقة كانت الأفعال والمواقف مختلفة عن التصريحات بين الجانبين من( محور شر) و(وشيطان أكبر) بل وجدنا ما يناقض تلك التصريحات ويتجاوز السكوت إلى التعاون والتنسيق بين الطرفين وكأنهما صديقان تجمعهما صلة لا انفكاك منها ، وهذا ما ذكره ساسة ومسؤولون إيرانيون بشكل واضح وجلي لا يحتمل التأويل ، إذ قال محمد علي ابطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية إن بلاده قدمت الكثير من العون للأمريكيين في حربهم في افغانستان والعراق .
واشار في محاضرة ألقاها في ابو ظبي الى أنه لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة .
وبالنسبة للأحداث الجارية حاليا في المنطقة نجد أن أمريكا أطلقت يد إيران في كل من العراق واليمن وسوريا بشكل ملفت للنظر ففي سوريا نجد حزب الله وفيالق وقادة إيرانيين يقاتلون الى جانب قوات النظام السوري الذي تصنفه أمريكا ضمن محور الشر! اضف لذ لك كافة اشكال الدعم ! ولا يمكن للمرء إن يتصور إن هذا يحصل بدون رضا أمريكا!. لكن الحيقية إن ما يصدر من الطرفين من تصريحات وتهديدات عنترية هي على غير الحقيقة وإن ما يجري بين الطرفين فوق الطاولة هو خلاف ما يجري تحتها بل يناقضه كل المناقضة .
وفي الملف والبرنامج النووي الإيراني فإن أمريكا هي من يشكل الحماية لهذا البرنامج وما مسارعتها لتوقيع الاتفاق الأخير مع إيران إلا لقطع الطريق على المتربصين بهذا البرنامج وخاصة اسرائيل وبعض الدول الاروبية ، فقد ذكرت بعض التقارير الصحفية إن أمريكا هددت اسرائيل بإسقاط طائراتها إن هاجمت أهدافا خاصة بالبرنامج النووي الإيراني ، وما يؤكد هذا تراجع اسرائيل عن ذلك بعد إن كانت امور الضربات جاهزة حسبما ذكرت العديد من التقارير الصحفية في حينها .
بهذا الاستعراض يظهر إن اقوال الطرفين مجافية ومناقضة للمواقف العملية والتي تمارس على ارض الواقع ، والحكم على سياسة الدول يرجع للمواقف والأفعال لا للتصريحات الإعلامية والخطابية وبذلك تظهر إن السياسة الإيرانية تسير مع السياسة الأمريكية . إن هذا الخط المرسوم للسياسة الإيرانية يهدف الى احتواء حركات المقاومة والتحرر في المنطقة لتبقى ضمن السياسة العالمية ولا تخرج عن ذاك الإطار الدولي .
عطية الجبارين – كاتب فلسطيني