إيران وإسرائيل… مَن الصديق ومَن العدو؟

قبل ثلاثة عقود من الزمن، كان من قبيل العمل الانتحاري أن يتحدث المرء عن عدو غير الكيان الصهيوني في الفضاء العربي، أما اليوم إذا تحدثت عن إسرائيل كصديق لن ينتقدك أحد! بل ربما تجد من يلتف حولك، فهناك بعض أنظمة الخليج، وهناك بالطبع المملكة العربية السعودية، وهناك أيضا شعوب لم تعد تمتلك القدرة على التمييز، لكن لماذا تبدل الحال وأصبح العدو صديقا، رغم أن مبررات العداء لاتزال باقية، ولم يطرأ جديد يجعل مثل هذا الموقف مشروعا.
ستجد من يقول ان المشروع النووي الإيراني وطموحات إيران التوسعية ومحاولة هيمنتها على المنطقة سبب، وربما تجد أيضا من يقول ان مشروع التغيير الجديد في المنطقة العربية أو ما يسمى «الربيع العربي» سبب آخر، الأمر الذي يتطلب الانشغال في هذين السببين حتى الانتهاء منهما، وعندها فقط يمكن إعادة تفعيل الموقف تجاه الكيان الصهيوني، لكن قراءة سريعة للمشهد في الإقليم كافية لأن تطيح بهذين السببين، كما يمكنهما تكذيب ما تقوله بعض تلك الأنظمة، خاصة المملكة العربية السعودية، فالقضية أكبر بكثير من «تجميد».
دولتان عربيتان وقعتا معاهدتي سلام مع إسرائيل في مرحلة سابقة هما، مصر والأردن، لكن ذلك لم يخلق أجواء كتلك التي يخلقها الموقف الجديد لبعض دول الخليج من الكيان الصهيوني، لكون تلك الدول لها التأثير الأكبر في الشعوب العربية، من خلال الكم الكبير من المؤسسات الإعلامية التي تملكها، وهي الآن، أي تلك المؤسسات، وحدها القادرة على تشكيل الرأي العام العربي وتغيير نظرة المواطن العربي تجاه الأمور وقلب الحقائق، كما أن لديها القدرة على خنق كل الأصوات المعارضة للمشروع الغربي في المنطقة، التي كان يحلو للأمير بندر بن سلطان أن يطلق عليها وصف «غوغاء» الشارع العربي.
افتتحت مكاتب تمثيلية لاسرائيل في قطر وعمان ودبي بدون جلبة، إلا من بعض «الهمهمات» الخجولة والمتواضعة من بعض القوى في منطقة الخليج، وشرعت تلك المكاتب في وضع أولوياتها الاستثمارية، وكانت هناك مشاريع مشتركة ومنفردة بين اسرائيل وتلك الدول، وربما تطورت تلك المشاريع، لا أحد يعرف، فهناك تعتيم كامل على هذا الملف، رغم أن هناك قرارا من المملكة العربية السعودية بعدم التطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا في حال انسحابه إلى خطوط 1967، الأمر الذي لم يتحقق حتى هذه اللحظة، ومع ذلك هناك انفتاح غير مسبوق.
البعض وعلى خجل يحشر منظمة التجارة العالمية عندما يبرر ما يجري، على اعتبار ألا خيارات أمام دول الخليج، خاصة السعودية، من احترام الشروط التي تفرضها تلك المنظمة، رغم أن العدو السابق لا يحترم قرارات هيئة الأمم المتحدة، في ما يتعلق بحق الشعب الفلسطيني في استعادة ارضه، لكن مادام القرار سبق واتخذ فمن السهولة العثور على مبرر يدعم حجتك وقرارك، ومادام الجميع يبحث عن مبرر عملي فقد اتخذ قرار الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، فرصة وأعلنت البحرين وقطر رفع الحظر الاقتصادي، ويبدو أنهما مثلتا «ترمومتر» المنطقة بهدف جس نبض الشارع، وبالتالي تبني الخطوة التالية بناء على ردود الأفعال، وفعلا كانت مبادرة السعودية عام 2002 للسلام وقد مثلت تلك المبادرة نقطة تحول.
ليس الجميع في الخليج لديه الاندفاعة نفسها في هذا الملف، بل هناك من ينظر ويترقب من بعيد، لكن تسويق فكرة العدو الوهمي إيران والقبول بها في أوساط الشعوب الخليجية والعربية، استطاعت إلى حد ما تليين بعض المواقف تجاه العدو الحقيقي، وأعطت مساحة واسعة لبعض الأنظمة الخليجية، خاصة المملكة العربية السعودية بهدف المناورة لإعادة صياغة مثل تلك العلاقة بين الطرفين بشكل جذري، وأتوقع أن تعطي تلك المؤشرات دفعة للآخرين لسلوك المسار نفسه.
تؤشر المعلومات المتوفرة على أن هناك لقاءات نصف سنوية بين دول مثل، تركيا ومصر والأردن وجميع دول الخليج والكيان الصهيوني معهم لمراجعة تطورات المنطقة وهذه العبارة عادة ما يقصد بها إيران وسوريا، وليس فكرة طرح انضمام الأردن إلى مجلس التعاون الخليجي سوى خطوة تصب في الاتجاه نفسه على اعتبار ان تقوية ما يسمى قوى الاعتدال في المنطقة والحفاظ على تفوقها على الأطراف الأخرى هدف إستراتيجي. المشروع الصهيوني منذ بدايات القرن الماضي وهو يعمل على إضعاف العرب، ليس اعتمادا على قدراته الذاتية، بل بتحريض من القوى الغربية وبدعم مفتوح لضمان بقاء العرب مصدرا للمواد الأولية وسوقا لها بعد إعادة تصنيعها، بالإضافة إلى التحدي الذي يفرضه البعد الحضاري للإسلام على الحضارة الغربية، خاصة في ما يتعلق بالأسئلة الكونية الكبرى، والخليج باعتباره جزءا من المنطقة العربية تحول إلى مستهدف بتواطؤ من بعض الأنظمة والتخويف من إيران والعراق، أو ما يسمى الهلال الشيعي، الذي وصفه أول مرة العاهل الأردني الملك عبدالله بن الحسين.
وبحسب استطلاع للرأي العام نظمه معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى في أواخر عام 2009 شمل مواطنين سعوديين، كان هناك دعم شعبي قوي من أجل اتخاذ إجراءات صارمة ضد إيران، مما يعني أن مشروع التحريض الإعلامي نجح إلى حد كبير في زحزحة بوصلة المواطن الخليجي من اتجاه إلى آخر، وتشترك في هذا الاستطلاع عينة مشابهة في العدد من الشعب المصري، وقد تبنت الاتجاه نفسه الذي تبنته العينة السعودية، والمفارقة أن العينتين نفسيهما تحدثتا بشكل أقل عدائية تجاه العدو السابق، وهذا لا يمكن أن يحدث بدون توجيه إعلامي من المؤسسات الإعلامية التي تشرف عليها حكومات خليجية يمتلئ بها الفضاء العربي.
القبول بفكرة الصراع على المصالح في ما يتعلق بالعلاقات الدولية لا ينبغي أن يصنف الكيان الصهيوني على أنه صديق للعرب، لكون ذلك الكيان «صنيعة» الغرب انعكاسا لصراعه التاريخي مع المنطقة، وإيران يمكن أن ينظر لها وفقا لنظرية الصراع الدولي وطبيعته وليس ربطها في مقارنة مناقضة للحقيقة مع الكيان الصهيوني، وربما لولا الأساس الأخلاقي الذي قامت عليه الجمهورية الإيرانية، وهو الإسلام، لما أصبحت عامل «توتر» في المنطقة، على أساس أنها فعليا تشكك في شرعية نظام قائم على الأساس الإخلاقي نفسه، أو أنه يدعي ذلك هو النظام السعودي، كما أن تحدي إيران للغرب وإصرارها على استقلالية القرار الإيراني يجعلها تحمل مرة أخرى أجواء التوتر نفسه، التي يعبر عنها العامل الأول، وإلا لماذا تركيا يمكن أن تصنف بأنها دولة صديقة مع وجود كل احتمالات أن تكون غير ذلك بسبب مصالحها ومجالها الحيوي كدولة.
خطورة موقف الأنظمة الخليجية من القضية الفلسطينية الحالي أنه يسوق لمشروع الدولتين، وهو موقف في عمقه يتناقض مع أسس العدالة الإنسانية، لأن ذلك المشروع يكرس بقاء هذا الكيان على أرض ليست له، وليس طرح يهودية الدولة والإصرار عليها سوى فهم بحقيقة مستقبل هذا الكيان، فيما تعني مناهضته من خلال مشروع الدولة الواحدة والاستفادة من نموذج شبيه في جنوب أفريقيا حلا حقيقيا ينبغي العمل على تسويقه كبديل عن تسويق المشروع الأول والبحث عن أعداء وهميين من أجل ذلك، فالقضية ليست قضية سلطة أصلا، بل قضية أرض مسلوبة!

٭كاتب كويتي

ناصر العبدلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية