بالنسبة لإيران يظل موقفها الذي كررته على لسان أكثر من مسؤول أنها لن تتخلى أبداً عن سوريا سواء نجح اجتماع أستانة أم لا، هو الذي يرسم ملامح علاقاتها الإقليمية والدولية في المرحلة المقبلة.
ولا أحد في إيران يمكنه التأكيد أن هذا الاجتماع سينتج في النهاية سلاماً نهائيا ويعيد الاستقرار إلى سوريا، لكن المهم بالنسبة لطهران الشعبية والرسمية، طهران المعتدلة أو المحافظة، طهران الرئيس حسن روحاني أو المرشد آية الله علي خامنئي، هو «أن يبقى التحالف بيننا وبين دمشق وبالتالي مع موسكو كما كان قبل استعادة حلب، وأن لا يتعرض تفاهم العواصم الثلاث إلى أي تشكيك قد يؤثر على أداء الأطراف الثلاثة خصوصاً الجانب السوري في أستانة، وما بعدها في جنيف وعموم مفاوضات الحل السياسي».
زيارات
بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار والتحضير لاجتماع أستانة، كان لافتاً أن طهران أوفدت إلى دمشق ثلاثة مبعوثين حملوا تأكيدات على ثبات موقفها من الأزمة السورية خصوصاً فيما يتعلق بمصير الرئيس بشار الأسد ودوره في العملية السياسية التي تعقب وقف إطلاق النار.
رسمياً أول من ذهب إلى دمشق، هو ممثل الحكومة الإيرانية نائب وزير الخارجية حسين جابر أنصاري الذي عقد لقاءات عمل مكثفة مع المسؤولين السوريين توجها بلقاء الأسد حيث نقل له رسالة واضحة من الرئيس روحاني مفادها أن حماية طهران له ولنظامه باقية وتتمدد، قبل أن ينتقل إلى بيروت للقاء أمين عام حزب الله حسن نصر الله، لتنسيق الشقين السياسي والعسكري لما بعد حلب، وقبل اجتماع أستانة.
البرلمان الإيراني من جهته كان حريصاً على ابلاغ رسالة مشابهة ليس فقط للأسد وإنما إلى كل من يعنيه الأمر في المنطقة والعالم، أن طهران مستعدة للقتال شعبوياً إلى جانب سوريا إلى ما لا نهاية، على غرار حربها الطويلة مع العراق في الثمانينيّات، وقد أشار إلى ذلك بوضوح رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان علاء الدين بروجردي بقوله للرئيس بشار عن حلب: «طهران اختبرت مثل هذه الظروف في أیام تحریر مدینة خرمشهر»(المحمرة).
وبينما كان بروجردي يلتقي الأسد يرافقه وفد برلماني ضم معتدلين وإصلاحيين ومحافظين، للدلالة عن وحدة الموقف الإيراني من أي تطور غير محسوب قد تشهده الأزمة السورية لاحقاً، كان المستشار الخاص بالشؤون الدولية علي أكبر ولايتي يطلق من طهران تصريحات لها أكثر من مغزى عن ثبات الدعم الإيراني «لسوريا وللمقاومة» حيث التقى ولايتي نائب الرئيس العراقي نوري المالكي، وهي إشارة أيضاً توضع في سياق «إيراني عراقي» واحد مع ما بحثه مستشار الأمن القومي العراقي رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض مع الأسد في دمشق التي زارها(بعد زيارة غير مسبوقة إلى موسكو) حاملاً رسالة شفهية له من رئيس الوزراء حيدر العبادي حول ما يمكن القيام به معاً في الحرب ضد الإرهاب.
وكان واضحاً في وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية اهتمامها بنقل تصريحات ولايتي ليس فقط كونه مستشاراً (المستشار في إيران منصب شرفي) بل لأنه رئيس مركز الأبحاث الاستراتيجية في مجمع تشخيص مصلحة النظام الذي يرأسه هاشمي رفسنجاني، لمنحها أهمية أكبر باعتبارها تمثل النظام أو هكذا ستكون في مجمع تشخيص مصلحة النظام، خصوصاً وأن تصريحات ولايتي شملت التأكيد على بقاء قوات حزب الله والقوات العراقية المساندة للجيش السوري في سوريا حتى بعد توقف الحرب.
في طهران أيضاً التي زارها في هذه الفترة نفسها، وزير الخارجية السوري وليد المعلم، ورئيس مكتب الأمن الوطني السوري اللواء علي مملوك حيث تعدت المحادثات، التنسيق السياسي لاجتماع أستانة، لتركز أيضاً على كيفية دعم إيران للأمن الوطني السوري فيما لو حصل ما لم يكن في الحسبان، على صعيد تطور التحالفات الإقليمية الجديدة التي أفرزها واقع ما بعد حلب.
ثبّت العرش
بما أن اجتماع أستانة يهدف أساساً إلى تثبيت وقف إطلاق النار، كان لزاماً على طهران ودمشق تحديد الأولويات ميدانياً في إعادة انتشار القوات السورية والأخرى المساندة لها، والاسراع في تحقيق تقدم في «وادي بردى» حيث خزان المياه الرئيسي الذي تتزود منه دمشق، من قراءة «قانونية» لوقف إطلاق النار أن هذا التقدم الميداني، وأي عمل عسكري مشابه، لا يعد خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي قبلته الفصائل السورية.
وفِي شأن اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، فإن القراءة الإيرانية السورية له تنطلق من واقع أن القيادة السورية (هكذا ورد ذكرها في نصوص الاتفاق) أصدرت إعلانا تُعلن فيه وقف إطلاق النار من طرف واحد، وتُعلن فيه أنها ستقوم بتشكيل وفد إلى مفاوضات أستانة، وأن المعارضة أيدت هذا الإعلان بموجب اتفاقها مع تركيا وروسيا والتزمت بموجب هذه الاتفاقية بتشكيل وفد للمشاركة في المفاوضات، وهذا يعني بلغة القانون أن مصدر التزام القيادة السورية وبالتالي إيران وحزب الله وباقي القوات (العراقية) المساندة لها هو إرادتها المنفردة وليس التزام الطرف الآخر، لأنه لا يوجد وضع تعاقدي تتقابل فيه إرادة الطرفين، بل عمليتين قانونيتين واحدة تتعلق بالتزام القيادة السورية والذي تستطيع الرجوع عنه متى شاءت لأنها تمت بإرادتها المنفردة، والعملية الثانية هي اتفاق المعارضة مع روسيا وتركيا وهذه ملزمة لها بموجب تعاقدها مع تركيا وروسيا وليس مع القيادة السورية.
من هذا الفهم استمرت محاولات قوات الجيش السوري والقوات المساندة لها التقدم في «وادي بردى» بمساندة غطاء انقاذ خمسة ملايين مدني هم سكان العاصمة، يعانون من انقطاع مياه الشرب.
مخاوف في إيران
أما طهران غير الرسمية التي تمثلها وسائل الإعلام، فهي لا تجمع مثل ما تحاول القيادات الرسمية (الحكومة والبرلمان) إظهاره «أن التقارب بين موسكو وطهران وأنقرة مصيري في سوريا». فقد أبرز عدد من المحللين الإيرانيين في شأن خيارات طهران في مرحلة ما بعد حلب، تخوفهم من انفراد روسيا بمفاتيح الحل للأزمة السورية ضمن تحالفات جديدة تجري في المنطقة بعد التقارب بين موسكو وأنقرة، حيث أشار تقرير موقع «إيران ديبلوماسي» المستقل تماماً عن الخارجية الإيرانية بعكس ما يشاع عنه، إلى أن «روسيا يمكنها التخلي عن تحالفها مع إيران بسهولة، إذا ضمنت مصالحها في صفقة تسوية للأزمة السورية».
وذكر التقرير الذي يعكس في الغالب وجهة نظر إصلاحيين معترضين من مؤيدي الزعيم الاصلاحي قيد الإقامة الجبرية مير حسين موسوي، أن «الاعتماد والثقة بروسيا أحد الخيارات المحدودة بالنسبة لطهران، لكن التشكيك بالنوايا الروسية ما زال قائمًا بالنسبة للمسؤولين الإيرانيين».
وجاء في التقرير أنه «بعد تحرير حلب السورية في ظل تعاون عسكري بين روسيا وإيران، أصبحت موسكو تنفرد بالقرارات بعيداً عن توجّهات طهران».
كذلك اعتبر الباحث والمحلل السياسي الإيراني في شؤون الشرق الأوسط صادق ملكي، أن «انضمام موسكو إلى لاعب قوي ومؤثر في أزمات الشرق الأوسط (تركيا) عمل على تعقيد الأمور، وهي على خلاف التوجهات والحسابات التي تضعها طهران».
وقال ملكي في حديث للموقع نفسه إن «موســكو عازمة على دعوة السعودية لحضور أي اجتماع أو قمة تتعلق بتسوية الأزمة السورية، وهذا خلاف التوجهات الإيرانية». ولفت إلى أنه «ليس أمام إيران إلا الصبر في استمرار علاقاتها مع موسكو، من خلال النظر إلى الأداء الإجمالي للروس والنتائج النهائية للأزمة السورية».
وأنهى ملكي حديثه بقوله «إن هناك أسئلة تدور في ذهن المسؤولين الإيرانيين منها، هل روسيا حليف يمكن الاعتماد عليه في وقت الأزمات، وماذا تريد موسكو من الشرق الأوسط، في ظل وجود ظروف دولية تدفع روسيا للتخلي عن حلفائها الإقليميين؟».
مراهنات طهران
في المقابل تراهن طهران على ما تم في الاجتماع الثلاثي لوزراء خارجية إيران وروسيا وتركيا الذي عقد في العشرين من الشهر الماضي في موسكو وتم فيه وضع خريطة طريق إجمالية لوقف القتال، وإطلاق عملية سياسية يشارك فيها الرئيس السوري بشار الأسد.
كما تراهن على علاقاتها القوية مع أنقرة وأنها لعبت دور الوسيط في إعادة العلاقات مجدداً وتحسينها بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، في إطار اقتراح تركي يقوم على لعب أنقرة لدور مماثل لإعادة العلاقات وتحسينها بين طهران والرياض.
ويلفت عارفون إلى زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لأنقرة الجمعة 12 آب/أغسطس الماضي والتي تم خلالها إعلان التنسيق الكامل والتعاون بين تركيا وإيران بشأن الوضع في سوريا، وقبله اجتماع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سان بطرسبرغ بعد أشهر من التوتر، وما نجم عنه من حزمة قرارات تعاون تخص سوريا إلى حد كبير تمهيداً لإطلاق تحالف تركي – روسي – إيراني إلى الواجهة، ليقولوا إن طهران كانت الداينمو في كل ذلك.
وكانت أوساط روسية قد روجت لاحتمال قيام مثل هذا التحالف عقب اتصال الرئيس الإيراني حسن روحاني بنظيره التركي في 18 تموز/يوليو الماضي، أعرب خلاله الرئيس أردوغان عن التطلع إلى التعاون والتنسيق مع إيران بشأن الوضع في سوريا.
وفِي 28 أيلول/سبتمبر المنصرم أيضاً كانت وزارة الخارجية الإيرانية أعلنت عن اتفاق إيراني تركي على «التعاون» من أجل إنهاء الأزمة في سوريا وإرسال المساعدات الإنسانية إليها وذلك إثر زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الثانية إلى أنقرة. ووصفت الخارجية الإيرانية الاتفاق بين طهران وتركيا بأنه «يعد إنجازاً هاماً» لزيارة ظريف القصيرة لأنقرة.
لكنْ… تلك كانت حسابات الحقل، فماذا ستكون عليه حسابات البيدر لإيران؟
ينقل مقربون عن وزير الخارجية ظريف قوله في اجتماع خاص: «ثبت العش … ثم انقش» وكأنه يقول إن كل ما حققه وسيحققه بوتين من إنجاز سياسي وقبله عسكري في سوريا، لم يكن ليتم لولا الذراع الإيرانية والحلفاء «حزب الله وعصائب أهل الحق وحزب الله النجباء وباقي الفصائل العراقية، والأفغانية المساندة». وفِي هذا السياق ربما تأتي تصريحات نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس حول التعاون مع روسيا، موضحاً أن أحد أهداف زيارة رئيس الهيئة (فالح الفياض) إلى روسيا هي للتفاهم حول تسليح الحشد، والتعاون مع روسيا، وذلك بعد أيام من إعلان وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري رغبة العراق الانضمام إلى التحالف التركي الإيراني الروسي، وسلسلة تطورات إقليمية منها زيارة رئيس الوزراء التركي علي بن يلدريم إلى بغداد، وانضمام حليف تركيا في معركة الموصل أثيل النجيفي رسمياً إلى الحشد الشعبي.
نجاح محمد علي