إيران والحرب على «الإرهاب»

حجم الخط
2

لندن – «القدس العربي»: سعت طهران منذ مجيء الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى مغازلة الغرب سياسياً، وخاصة الولايات المتحدة لفك عزلتها السياسية والاقتصادية التي فرضت عليها على خلفية برنامجها النووي الذي يشتبه الغرب في أنه معد لأغراض عسكرية. ومن ضمن وسائل طهران التي تقدمها للغرب كجزرة مغرية استعدادها للحرب على «الإرهاب».
وفي رسالة بعث بها الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى البابا فرانسيس الأول، قبل شهور، أكد روحاني على أن إيران والفاتيكان شريكان في الــحـرب على «الإرهاب» الذي يمثل عدواً مشتركاً. وكررت القيادة الإيرانية رسالتها في أكثر من مناسبة وعلى أكثر من مستوى، وكان آخرها تصريحات لروحاني نهاية الأسبوع الماضي. وقد أخذ موقف طهران يتأرجح بين الرغبة الشديدة للمشاركة في الحلف الذي تقوده واشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والتمنع الذي تبديه طهران والناتج عن عدم توجيه واشنطن دعوة رسمية لإيران للمشاركة في هذا الحلف.
وعرضت طهران ربط تعاونها في العراق مع واشنطن بحصول تقدم في مفاوضات الملف النووي الإيراني قبل أسابيع، لكن العواصم الـــغــربية أصرت على رفـــض ربط هذين الملفين، مما اضطر طهران إلى البحث عن وسيلة أخرى للدخول في التحالف الدولي ضد «الإرهاب».
وقال حسن روحاني عن الأمريكيين لشبكة «أن بي سي» في لهجة تحريضية ضد «تنظيم يريد إبادة الإنسانية» حسب تعبيره: «هل يخشى الأمريكيون تقديم الضحايا في العراق؟ هل يخشون من أن يقتل جنودهم في الحرب ضد الإرهاب؟ هل يمكن على الإطلاق القتال ضد الإرهاب دون تقديم ضحايا؟». وقطع روحاني التردد بخصوص تقديم الدعم لواشنطن بقوله: «اذا بدأت الولايات المتحدة باتخاذ خطوات عملية ضد «داعش»، فسيكون ممكنا التفكير بالتعاون معها». غير أن الرسائل الإيرانية فيما يبدو لم تقابل بالحفاوة الأمريكية، وهو الأمر الذي أغضب طهران فمررت خلال الأسبوع الماضي رسائل تدين التحالف المشكل، وتقول إن هدفه السيطرة على العراق وسوريا. وفي هذا السياق جاء قول خامنئي إن «داعش» هي «مؤامرة غربية».
وشهد الأسبوع الماضي حالة من السجال بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين حول مشاركة طهران في الحرب على «تنظيم الدولة». ويبدو أن طهران وصلت إلى قناعة بأن واشنطن لن تدرجها – ولو بصورة علنية على الأقل – ضمن التحالف الدولي ضد الجهاديين، وهو الأمر الذي جعل مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي يقول الأسبوع الماضي إن بلاده لن تنسق مع واشنطن في الحرب على الإرهاب، وهو الأمر الذي رد عليه جون كيري وزير الخارجية الأمريكي بالقول إن واشنطن لم تطلب من طهران الاشتراك في هذه الحرب، ليستمر الجدل خلال أيام، قبل أن يعود كيري ليقول إن الأمريكيين لن يدخلوا في جدل مع الإيرانيين في هذا الخصوص. وفي وقت لاحق اعلن كيري نية واشنطن اشراك طهران في هذا التحالف.
وبعيداً عن الملاسنة الأمريكية الإيرانية تحاول كل من واشنطن وطهران تقدير المكاسب والخسائر التي يمكن أن تكون من التحالف ضد الإرهاب. فمن وجهة النظر الأمريكية، يشكل دخول طهران على خط محاربة «الإرهاب»، ضرراً في العلاقة مع المملكة العربية السعودية التي تعد حليفاً قوياً في هذا الملف، والتي يبدو أن تدريب القوة البرية التي ستخوض المعارك على الأرض سيكون على أراضيها، والتي ستشارك بالتمويل بلاشك. كما أن مشاركة إيران ستثير حفيظة العرب السنة في العراق الذين تعول واشنطن على إحياء فكرة الصحوات في أوساطهم مجدداً بعد ان نجحت هذه الصحوات في الماضي في دحر القاعدة عن مناطق العرب السنة في غرب ووسط العراق.
كما تخشى واشنطن من أن يؤدي اشتراك طهران في الجهد الذي تتزعمه للحرب على الجهاديين إلى تعاظم دورها المتعاظم أصلاً في العراق، وبالتالي إرباك المشهد السياسي العراقي الذي تمخض عن غزو واشنطن لبغداد في 2003، والذي آل إلى صراع سياسي طائفي انزلق مع الزمن إلى مواجهات ميدانية، بعد اقصاء العرب السنة وتهميشهم، وهو الأمر الذي تقول واشنطن إنه أدى إلى حالة من الإحتقان في مناطق العرب السنة، مما هيأ تلك المناطق لتكون حاضنة لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية حسب التقديرات الأمريكية.
وقد صبت تصريحات أمريكية رسمية كثيرة في هـــذا الجانب، عدا عن تقارير وتحليلات كثيرة وردت في وسائل الإعلام في الولايات المتحدة.
ومن هنا جاءت تصريحات أوباما بأن الحرب على الإرهاب لن تكون حرباً إلى جانب المليشيات الشيعية، في رسالة تطمين للعرب السنة، على الرغم من أنها فهمت من قبل الكثير منهم على أساس أنها مجرد ذر للرماد في العيون.
ومن وجهة النظر الإيرانية، فإن دخول طهران في التحالف الدولي للحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، سيعطيها الفرصة، ولأول مرة منذ قيام ثورة الخميني لإستعادة دورها التاريخي والطبيعي، والذي تمثل في كون الشاه «شرطي أمريكا»، في المنطقة، كما أن إيران كانت ستعرض قائمة من المطالب من الغرب لقاء خدماتها في هذا الشأن، تبدأ من العراق ولا تنتهي بسوريا والخليج واليمن والملف النووي الذي تحاول طهران ربطه بغيره من الملفات.
ثم إن دخول الحرب على «الإرهابيين»، من وجهة النظر الإيرانية سيمكن طهران من التمكين لحلفائها الشيعة في الحكومة العراقية، كما إنه سوف يعود بالفائدة على الحليف السوري كذلك، الذي يهيئ نفسه منذ فترة طويلة ليكون رأس حربة في مشروع مكافحة «الإرهاب»، وتكون إيران بدخولها مضمار هذه المعركة قد رمت عدة عصافير بحجر واحد، وهو ما يبدو أنها لم تتمكن منه حد الآن.
ومع ذلك، فإن تقارير غربية وأمريكية على وجه الخصوص، تشير إلى وجود تنسيق مسبق بين الطرفين الأمريكي والإيراني في العراق على الأقل. وذلك بعد ان ثبت أن الطائرات الأمريكية كانت تضرب مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في الوقت الذي كانت فيه قوات من حرس الثورة الإيراني يعبرون الحدود لدحر الجهاديين في بعض المناطق العراقية بالقرب من الحدود مع إيران.
وخلاصة الأمر، يبدو أنه على الرغم من نفي البلدين وجود تنسيق مشترك بينهما فيما يخص الحرب على الجهاديين، وعلى الرغم من رفضهما الدخول في تنسيق من هذا النوع، إلا أن المعطيات على الأرض والتحليل المنطقي يقتضي وجود تنسيق كهذا ميدانياً على الأقل، على اعتبار أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل عدواً مشتركاً للجانبين في ظاهر الأمر.

محمد جميح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية