إيران وتحالفات ما بعد الانتخابات

حجم الخط
2

كانت الانتخابات الإيرانية الأخيرة درسا بليغا للتيار المتشدد في إيران الذي يعتقد أنه قادر لوحده على إدارة البلاد في ظل تطورات إقليمية ودولية معقدة، وثورات ربيع عربي بعضها أو معظمها فشل، ويعاد تدويرها من جديد، ولن تكون الجمهورية الإسلامية بمنأى عن نيرانها، بعدما أصبح ما يعرف تنظيم الدولة الإسلامية الفزاعة التي ترعب الجميع، وهي قريبة جداً من حدود أمن إيران القومي.
صحيح أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بدا مرتاحاً للنتائج وأيدها وباركها أيضا بشكل لافت الحرس الثوري، كما صادق على صحتها مجلس صيانة الدستور. لكن الصحيح أيضاً هو أن نتائج الانتخابات كانت صدمة للعديدين، وفاجأت الاصلاحيين أنفسهم، وأقر بذلك زعيم لائحة الاصلاحيين في الانتخابات البرلمانية محمد رضا عارف الذي أعلن لأول مرة أن مهندس هذه الانتخابات والانتخابات الرئاسية التي فاز فيها الرئيس حسن روحاني، إن هو إلا هاشمي رفسنجاني.
وفور الإعلان عن النتائج أقر بعض قادة المحافظين المتشددين بالهزيمة وكان أبرزهم المحسوب بقوة على المرشد، غلام علي حداد عادل، وسارع إلى تهنئة الفائزين بروح رياضية أثارت إعجاب الاصلاحيين خصوصا محمد علي أبطحي وهو نائب سابق للرئيس الاصلاحي محمد خاتمي، الذي كتب مقالاً شكر فيه حداد عادل، ودعا إلى أن تكون النتائج درسا بليغا للجميع، وكأنه كان يشير إلى تناسي ملف الانتخابات المثيرة للجدل في العام 2009، حيث سجن بسببها أبطحي والكثير من رموز وقادة الاصلاح.

تكتلات جديدة

لكن ما يبدو واضحاً للعيان أن الكتل الانتخابية التي فازت في الانتخابات الإيرانية لن تبقى على حالها داخل البرلمان، وأن إطارات جديدة قد تتشكّل بناء على رؤى سابقة جرى تمهيد الأرضية الشعبية والسياسية لظهورها. فلم يكن عبثاً نزول رئيس البرلمان المنتهية ولايته علي لاريجاني مستقلاً في معقل الأصوليين الأهم، مدينة قم، ولا كان حضور كاظم جلالي على لائحة الاصلاحيين ارتجالياً، ولاحتى انضمام علي مطهري إلى قائمة «الامل» في طهران كان دون تخطيط مسبق، حيث ترشحه أوساط عارفة لتولي المادة تسعين(أصل 90) المعنية بالكثير من الملفات الخطيرة، منها بالطبع إنهاء الاحتجاز القسري وغير القانوني للزعيمين الاصلاحيين مهدي كروبي ومير حسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد، إضافة إلى ملف الفساد في الحكومة السابقة.
 
خريطة القوى

في قراءة متأنية وهادئة للنتائج وكما قال زعيم قائمة الاصلاحيين محمد رضا عارف الذي جاء ترتيبه الأول في طهران، فقد حصد الاصلاحيون ومعهم حلفاؤهم 83 مقعدا بينما حصل الاصوليون على 78 مقعدا والمستقلون فازوا بـ60 مقعدا وخمسة مقاعد كانت مخصصة أصلا للأقليات الدينية وهم اليهود والمسيحيون والزارادشتيين، من مجموع 290 وهي مقاعد البرلمان.
والنتائج النهائية تشير أيضا إلى أن 14 في المئة من المقاعد البرلمانية لم يتم حسم نتائجها حتى الآن بسبب النسب القريبة من الأصوات التي حصل عليها المرشحون في تنافسهم الإنتخابي. وحسب التقارير الوارده يشكل ما يقارب من 21 في المئة من المرشحين المتبقين قائمة «الأمل» التي تضم تحالفا من الاصلاحيين والمحافظين المعتدلين والاصوليين 29 في المئة وما يقارب 50 في المئة من المرشحين مستقلين سيتنافسون على ما تبقى من مقاعد البرلمان.
وفي الانتخابات التكميلية يتصدر الاصلاحيون المشهد بنحو نصف العدد المتبقي وهو 64 مقعدا بما يعني أن فرصهم في تكوين كتلة قوية جدا في البرلمان، خصوصا وأن معظم المستقلين يميلون أو هم من الاصلاحيين أصلا.
وتعود البرلمان في كل دوراته السابقة أن المستقلين يتحالفون مع الأقوى لضمان نجاحهم في الانتخابات التالية وتجديد ولايتهم، وأن فرص تشكيل تحالف قوي من الاصلاحيين والاصوليين المعتدلين والمستقلين ستكون الأرجح لدعم برامج الحكومة، خصوصا وان الرئيس روحاني الذي اضطر إلى تكشيل حكومته الحالية بناء على ميزان القوى في البرلمان الحالي، ينوي إجراء تعديل حكومي يطيح ببعض الوزراء المحسوبين على تيار المحافظين المتشددين ممن على أدائهم ملاحظات جدية.
ويتوقع المراقبون أن البرلمان المقبل سيتشكل من ثلاثة أقطاب متنافسة وهم من الأصوليين المحافظين، وإئتلاف «الأمل» الذي تشكل من إئتلاف الاصلاحيين مع الأصوليين المعتدلين، بالإضافة إلى النواب المستقلين. وحسب التوقعات فإن نسبة كبيرة من المرشحين المستقلين هم من المؤيدين للإتفاق النووي مما يتيح للمعتدلين تشكيل إئتلاف مفتوح معهم يكسبهم الغالبية في البرلمان، وبذلك نشهد غالبية برلمانية مقربة من حكومة روحاني.
 
تغير غير متوقع

هذا التغير سيفضي لتغيير الدفة لصالح تيار المعتدلين الذي يضم الاصلاحيين والمحافظين المعتدلين، الأمر الذي سيدفعهم لجذب أكبر عدد ممكن من النواب المستقلين من أجل تشكيل رؤى مشتركة ترتكز على المصالح المشتركة.
وسيفقد التيار الأصولي المحافظ أغلبيته المطلقة في البرلمان، الأمر الذي سيفقد المحافظين المتشددين القدرة السابقة وسياسة الإبتزاز التي كان يتبعها في الدورة السابقة في البرلمان، وسيتحول المحافظون في أحسن الأحوال، إلى معارضة ضعيفة لن تمتلك الآليات السابقة التي كانت تتيح له تمرير الكثير من المشاريع لصالح الحرس الثوري والمتشددين، ومن أبرز شخصيات هذه الكتلة حداد عادل حيث فقد موقعه.

إستحقاقات إصلاحية

بعض الاصلاحيين رآى أن هذه النتائج  فرصة ذهبية لأن تركيبة البرلمان المقبل أفرغت لحد كبير من المحافظين أكثر بكثير مما كان متوقعاً، والإتفاق النووي في مرحلة التطبيق العملي، وأعطى الشارع الإيراني فرصة تاريخية لمسؤوليهم لكي يعوضوا ما خسروه خلال العقد الماضي، ودعوا لإغتنام هذه الفرصة والتفكير في تطوير البلاد ورفع المستوى المعيشي للمواطنين.
 ومن الطبيعي أن ترتفع المطالب بتطبيق الوعود وهو ما أشار له بوضوح الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وكان له الدور الأبرز بعد رفسنجاني، في تغيير الموازين، وهو يطالب مع أنصاره بإعادة الحقوق التي سلبت من المواطنين خلال السنوات العشر الماضية بعيدا عن النقاشات الطاحنة التي لا طائل منها. ولابد للمتشددين الاعتراف بالهزيمة، لأنهم لا يفكرون في شيء سوى إثارة الحروب النفسية. وبالتالي لم يكن للنواب المنتخبين من قبل الشعب سوى ان يدخلوا في نزاعات عقيمة لم تكن تفيد المواطنين في شيء.

ثقاة النظام

 وضمن الأطر الجديدة التي ستبرز في البرلمان المقبل، إطار جديد يحظى برعاية نخبة توصف بثقاة النظام. فإلى جانب علي لاريجاني يقف علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية وعلي شمخاني أمين عام المجلس الأمن القومي، أما علي أكبر هاشمي رفسنجاني فهو عراب هذا الخط من موقعه برغم كل ما أثير حوله، والاتهامات والجرح الذي طاله وأسرته، ومعه رئيس الجمهورية حسن روحاني الذي يمكن القول إنه أنهى بنجاح حالة عزلة الاصلاحيين عن نظام الجمهورية الإسلامية عمرها سبع سنوات، منذ أزمة 2009 وأعاد بذلك مصالحة تيار عريض من الجمهور الإيراني مع النظام.
ويكفي الإشارة هنا إلى أن المرشح الرئاسي المعترض على نتائج تلك الانتخابات مير حسين موسوي وزوجته، اقترعا في هذه الدورة الانتخابية، وأراد المرشح المعترض الآخر مهدي كروبي الاقتراع لكنه لم يتمكن بسبب بعض الأخطاء الفنية، بكلما يعنيه ذلك للحركة الإصلاحية والنظام.
ويمكن القول في الانتخابات الأخيرة إن النظام نجح مجدداً في إثبات انه مظلة كل من يريد أن يعمل في السياسة في البلاد، حتى وإن من موقع المختلف، فإذا أراد الإصلاحيون الدخول إلى البرلمان أو إصلاح ما يرونه غير صالح، فعليهم سلوك الطرق الرسمية التي وضعتها الجمهورية الإسلامية، ترشحاً وانتخاباً وما إليه – رغم التعسف المستخدم من قبل مجلس صيانة الدستور في تحديد من يخوض الانتخابات –  وفي ذلك إقرار واضح، حتى لدى من رفعوا شعارات إسقاط النظام الإسلامي سابقاً، بأنه النظام النهائي والحتمي للبلاد وأن مشروعيته ليست محل سؤال.
هذا يعني أيضاً أن الجمهورية الإسلامية تقبل بهامش واسع من الاختلاف لكن قطعاً تحت مظلتها وهي بذلك تعطي مجدداً شريحة وازنة من الإيرانيين حق الشعور بأن لصوتهم قيمة وتأثيراً وأن هذا الصوت يمكن له أن يساهم في التجديد والإصلاح والتغيير طالما أن الهدف هو مصلحة إيران الأمة والثورة والدولة.
خلف المشهد يقف المرشد السيّد علي خامنئي وهو يرى نظريته في الموازنة بين الدولة والثورة وهي تستعيد زخمها من جديد، النظرية التي تشبه سيف ذو الفقار، الذي كان يحمله الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب، تقوم على وحدة المقبض والمتن، وحديّن منفصلين كلاهما يقوم بدوره لصالح الأمة، لكنهما في المنوط إليهما من أعمال لا يتداخلان أو ربما لا يتزاحمان. بالنسبة إلى خامنئي الأهم اليوم هو تعزيز مأسسة الجمهورية، من مؤسسة المرشد إلى مؤسسة الدولة إلى مؤسسة الثورة، والمهم أيضاً بدء عملية التسليم والتسلّم بين جيل الثورة الأول وأجيال الثورة اللاحقة، وهذا أمر يتطلب عملية تجديد في الرؤى والأهداف من دون تبديل الأسس التي قامت عليها الثورة في العام 1979. في هذا بثُ روحٍ جديدة في الثورة وإطالة عمرها وتكريسها ثابتاً وحيداً وإطاراً نهائيا لحكم البلاد.

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية