الآن وقد وقعت الولايات المتحدة ومعها الدول الخمس اتفاقا مع إيران حول برامجها النووية، تجد الدول العربية خاصة السعودية أمام واقع جديد ستخرج فيه إيران التي تحمل مسؤولية العديد من المشاكل التي تشهدها الدول العربية خاصة فيما صار يعرف بكأس التأثير الإيراني الممتد من بغداد عبر دمشق وبيروت إلى صنعاء. وتفترض الدول العربية حتى التي هنأت الرئيس الإيراني حسن روحاني أن إيران ما بعد رفع العقوبات عليها ستكون أقوى اقتصاديا وستواصل دورها التخريبي في الدول العربية ودعم نظام الأسد وحزب الله والجماعات الوكيلة عنها. فهناك 150 مليار دولار سيتم الإفراج عنها بموجب الإتفاقية حال التزمت طهران بشروطها وخفضت من قدراتها النووية من ناحية وقف أجهزة الطرد المركزي والتخصيب وفتحت منشآتها لنظام التفتيش الذي ستقوم به الفرق التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية بإذن مسبق أو بشكل مفاجئ. لكن مواقف بعض الدول العربية التي تلاقت من الناحية الاستراتيجية مع إسرائيل وصقور الكونغرس الأمريكي تفترض أنه في المسألة الإيرانية لا يمكن التعويل على حسن النوايا.
المشكلة في الإذعان
ومن هنا كان ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي والذي حذر من تداعيات الإتفاق واضحا في رفضه مقولة المدافعين عن الإتفاق النووي بأنه قد يؤدي إلى تغير في السلوك الإيراني، وتحول طهران من قوة لتصدير الشر إلى المنطقة إلى قوة فاعلة وتستخدم ما حصلت عليه من تخفيف للعقوبات وعودة لما يعرف بالمجتمع الدولي، أي حظيت بقبول أمريكي وغربي. وقال هاس في المقابلة التي نشرت على موقع المجلس (14/7/2015) «أقول ببساطة أنه من الخطأ، بأي حال الدفاع عن الإتفاق على أساس أنه سيؤدي لتغير في شخصية إيران أو تصرفاتها». ويقول من الضروري التركيز على التحديات طويلة الأمد الناجمة عن التزام إيران بالإتفاقية تماما كالتركيز على التحديات قصيرة الأمد، مشيرا أن ما يضمنه الإتفاق أن إيران لن تحصل على السلاح النووي قبل 15 عاما. وهذا هو أساس دفاع الرئيس باراك أوباما أثناء لقائه مع توماس فريدمان والذي تم بعد دقائق من خطاب الرئيس مرحبا بالإتفاقية التاريخية التي حققها المفاوضون في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 14 تموز/يوليو الحالي وأكد فيه على نقطة هامة وهي أن الولايات المتحدة استطاعت وضع كل القيود الكفيلة بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي. فالحكم على الإتفاقية بالنسبة لأوباما لا يتم من خلال قدرة الإتفاقية على تغييرها الدينامية الداخلية للسياسة في إيران، بين متشددين وإصلاحيين، ولا في قدرتها على تغيير سلوك إيران العدواني تجاه جيرانها ولا كيفية تعاملها مع وكلائها في المنطقة، فالمقياس بالنسبة للرئيس الأمريكي هو أن بلاده استطاعت تحقيق بالدبلوماسية الهدف الذي كان يسعى إليه الأمريكيون والإسرائيليون والعرب وهو منع إيران من أن تمتلك السلاح النووي، على الأقل لعقد ونصف من الزمان. أما ما سيحدث فيما بعد فهو رهن بالطريقة التي ستتصرف فيها الإدارات الأمريكية المقبلة والطريقة التي ستتعامل فيها طهران مع الطموح النووي. فنقطة «تسويق» الإتفاق يراها قوية ويرى أن الجدل لم يكن أبدا حول ما إذا كانت واشنطن ستمنع إيران من ممارسة سياستها الخارجية بل هو منعها من تطوير السلاح النووي.
ساذج
ويرد المشككون على الرئيس بأنه «ساذج» وغير واقعي. ففي ظل التراجع الأمريكي من المنطقة والفراغ الذي نشأ حاليا وملأته إيران والجماعات الجهادية فلا مجال لحسن النوايا. ولكن الرئيس يفترض أن إيران ستتخذ القرار الصائب بالتركيز على إعادة بناء اقتصادها المنهار. وهنا يذكرنا أوباما أن المؤسسة الدينية الممثلة بآية الله علي خامنئي لم تكن لتجلس حول طاولة المفاوضات لولا العقوبات الأمريكية والدولية التي فرضت على الجمهورية الإسلامية. ويمضي أوباما في افتراضه أن إيران دولة قوية في المنطقة ويجب أن تكون دولة إقليمية لأنها حضارة عظيمة وذات كثافة سكانية ومتقدمة علميا. ولم ينس أوباما تذكير حلفائه التقليديين في دول الخليج أنه مستعد للإستماع لمظاهر قلقهم ولكنه لن يقع في مصيدتهم بتحميل إيران مسؤولية ما يجري في المنطقة. ومضى في القول إن هناك مبالغة في الحديث عن دور إيران في اليمن وأن دول الخليج أسهمت في تمويل الجماعات الجهادية المتطرفة.
سباق تسلح
ولم يبد أوباما التزاما بحماية دول الخليج كذلك الذي أبداه من ناحية إسرائيل، حيث أكد على سجل إدارته التي فعلت أكثر من أي إدارة سابقة لدعم وحماية إسرائيل. وبالنسبة للدول العربية الخليجية فألمح لإمكانية تزويدها بأسلحة متقدمة وتعزيز التعاون الأمني في مجال الرقابة وأمن السايبر وهو الكلام الذي ردده عندما التقى قادة دول مجلس التعاون الخليجي في أيار/مايو الماضي. فقد رفض أوباما ضمن سياسته القائمة على الإبتعاد عن مشاكل الشرق الأوسط، مطالب دول الخليج بعقد معاهدة دفاع مشترك على غرار المعاهدة مع اليابان أو كوريا الجنوبية. ولا ريب أن وصفة أوباما لدعم الدول الخليجية لن تؤدي إلا لزيادة سباق التسلح. وفي ضوء الإبقاء على نظام حظر استيراد الأسلحة على إيران فستواصل دول الخليج رصد ميزانيات هائلة للإنفاق على التسليح. وهي ميزانيات فاقت وبشكل كبير ما تخصصه إيران للدفاع والذي لا تتجاوز نسبة 3٪ من الميزانية العامة. ومقارنة مع دول الخليج فقد طورت إيران صناعتها العسكرية وأنظمتها الباليستية.
ذوبان الجليد
وبعيدا عن التسليح فاتفاق فيينا سيعمل على ذوبان الجليد بين أمريكا وإيران والتقارب والتعاون في مجالات تهم الجانبين. وهو ما يحدث اليوم في العراق، حيث تتعاون واشنطن مع طهران من أجل مواجهة تهديد تنظيم الدولة الإسلامية. صحيح أن المسؤولين الأمريكيين يرون أن من الباكر الحديث عن تبادل للسفراء أو تغيير في النبرة المعادية «الموت لأمريكا» و «الموت لإسرائيل» التي كانت تترد في شوارع طهران أثناء المفاوضات وإن بحماس أقل من المعتاد مقارنة مع حماسة الشباب الإيراني التي ترى في حل الأزمة النووية طريقا للخروج من البــلاد. وفي مقابل التقارب ستتعقد العلاقات الأمريكية ـ العربية التي ترى في إيران خطرا أكبر من خطر تنظيم الدولة حسب هاس.
تصعيد في سوريا
وفي ضوء هذا لن يزيد الإتفاق التنافس حدة وسيبرز في مناطق المواجهة خاصة سوريا التي استثمرت فيها السعودية في المعارضة السورية المسلحة فيما استثمرت إيران عسكريا واقتصاديا في نظام الإسد لدرجة أصبح فيها الأخير يعتمد على طهران في بقائه وأصبحت المناطق الواقعة تحت تأثيره شبه محتلة من الحرس الثوري وحزب الله وميليشيا الدفاع الوطني التي درب أفرادها الإيرانيون. وكما أشار تحليل لحسن حسن، الباحث السوري نشرته مجلة «فورين بوليسي» (15/7/2015) أشار للكيفية التي عدلت فيها السعودية من سياساتها في سوريا ومتنت علاقاتها مع تركيا وقطر ومدت يدها لجماعات الإسلام السياسي (إخوان سوريا) من أجل تحقيق الإطاحة بنظام الأسد.
ويتفق التحليل مع مجمل ما جاء في تعليقات المعلقين في الصحف الغربية من أن الأزمة السورية مرشحة للتصعيد خاصة أن إيران لن تتوقف عن دعم حلفائها في المنطقة ماليا وعسكريا. ولا يخفى أن السياسة الخارجية السعودية ومنذ وصول الملك سلمان بن عبد العزيز للسلطة قامت بتكييف مواقفها من حيث تركيز كل الجهود لمواجهة الخطر الإيراني ودعت لتجاوز الهوس في التعامل مع الإسلام السياسي الذي كان علامة لحكم الملك عبدالله الذي توفي بداية هذا العام والتقارب مع الموقف الإماراتي الذي يرى في الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي «تهديدا وجوديا». وفي ظل التقارب الأمريكي ـ الإيراني يجد القادة السعوديون أنفسهم أمام تحديات جديدة، هل سينفذون تهديداتهم ويحصلون على السلاح النووي، من الباكستان مثلما اقترحت بعض التقارير؟ والسؤال ليس كيف ستحصل السعودية على السلاح، ولكن هل ستوافق الباكستان؟ فحقيقة التعاون العسكري بين البلدين الممتد على عقود وما قدمته الرياض من مال لدعم المشروع النووي الباكستاني لم تكن كافية لإقناع إسلام أباد للمشاركة في الحملة التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن.
طموحات
ولا بد من الملاحظة هنا أن العداء السعودي- الإيراني مرتبط بالطموحات الإقليمية ونشر وتصدير الايديولوجيا إلا ان جموحها العدواني على دول الخليج يظل «مدجنا» مقارنة مع تصرفاتها في العراق وسوريا. ولهذا يقترح البعض أن دمج إيران في منظومة الأمن الخليجي قد يخفف من حدة النزاع. ونقل فردريك ويهري وريتشارد سوكلوكسي عن دبلوماسي سعودي عام 2007 «تعاون في الخليج، أحتواء في العراق وتراجع في الشام». ولا شك أن رفع العقوبات عن إيران سيؤدي لفتح خطوط التعاون التجاري القديمة بين الفرس والعرب وهي علاقات ظلت قائمة بمستويات مختلفة حتى أثناء الحصار الدولي لإيران. وفي الظرف الحالي فالتعاون الأمني ليس قائما، فمنظومة الخليج كما ناقش الكاتبان في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» (14/7/2007) لأن مجلس التعاون الخليجي ما هو إلا تحالف دفاعي موجه ضد إيران. ويعتقد الكاتبان أن المجلس بنظامه الحالي الذي يخدم مصالح دول الخليج الجمعية من ناحية الأمن والتعاون المشترك في مجالات أخرى، يجب ان تتغير نظرته في ظل الإتفاق الأمريكي مع إيران. ويجب العمل على تنظيم منبر إقليمي للخليج شاملا بالضرورة لإيران. وسيمنح هذا النظام فرصة لطهران كي تغير تصرفاتها ويقدم الإستقرار لمنطقة الخليج في الوقت نفسه. وبتشجيع من أمريكا يجب على دول الخليج العربية وإيران التحاور في البداية حول المسائل الأقل إثارة للجدل لبناء الثقة- مثل مواجهه تهريب المخدرات ومراقبة الزلازل والتعاون في مجال الإغاثة الإنسانية وفي مجال الصحة والتعليم وسلامة مياه الخليج. وحال تم بناء جسور الثقة فسيتم التقدم نحو قضايا معقدة من مثل إمكانية تخفيض سباق التسلح بين الدول هذه. وكضمان لنجاح الحوار يجب أن تكون الولايات المتحدة جزءا منه مع التأكيد على ملكية دول الخليج للعملية بأسرها. ويرى الكاتبان أن الاجتماع المقبل لمنبر التعاون الاستراتيجي الأمريكي- الخليجي الذي سيعقد على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في إيلول/سبتمبر المقبل ستكون فرصة لطرح الفكرة. ويعترف الكاتبان بصعوبة تحقيق هذا نظرا لمشاعر عدم الثقة. وكل هذا يعتمد على مستوى القوة في إيران بين المتشددين والإصلاحيين وعلى تخفيف السعودية ما يراه الكاتبان الهجوم الإعلامي الطائفي النبرة. ويعتقد الكاتبان أن التركيز فقط في مرحلة ما بعد الإتفاق على وقف المشروع الإيراني لن يؤدي إلا إلى المواجهة وليس نهايتها.
ومنظور التعاون سيصبح أفضل لو عزز الإتفاق المعسكر الإصلاحي الذي يمثله روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، وكما ناقش صادق ميلاني في «فورين أفيرز» (16/7/2015) فالسياسة الإيرانية تقوم على عمادين، الأول هو حماية الثورة الإيرانية والثاني العداء لأمريكا. وهما بعدان استخدمهما التيار المتشدد لتأكيد سلطته. وفي السياق الحالي إن تعزز الموقف الإصلاحي ففرصة نجاح الإتفاق وتحقيق أمن المنطقة قائمة. لكننا لا نزال في الأيام الأولى للإتفاق. فالمفاوضات انتهت في فيينا ولكنها بدأت في واشنطن وطهران.
إبراهيم درويش