الخرطوم – حسام هلالي: لا يصعب على المرء في الخرطوم أن يجد مكاناً لشرب القهوة المحلية (الجَبَنة) حيث تترامى المقاعد القصيرة تحت ظل شجرة وارفة في رصيف أي شارع رئيسي فيما يسمى بستات الشاي، أي اللاتي يبعن المشروبات الساخنة في الهواء الطلق بعد اندثار مفهوم المقاهي. الأخيرة عادت مجدداً في نسختها الأوروبية (الكافيه) وزاد انتشارها في العقدين الأخيرين في العاصمة الخرطوم. وقد استقطبت أبناء الطبقة البرجوازية الباحثين عن كل ماهو مغاير في تكوينه ومحتواه المحلي والمعتاد.
وأعيد افتتاح مقهى إيزيس في شارع أوماك في حي الرياض، المنطقة البرجوازية المزدحمة بمطاعم الوجبات السريعة والمقاهي المتنافسة في تقديم أفضل الخدمات. لكن الرؤية الخاصة لمديرة المكان، وئام شوقي، هي ما يجعله مختلفاً. بدءاً من اسمه.
وئام التي تحب وصف نفسها بأنها كاتبة وصانعة قهوة. تستقطع من وقت عملها كمذيعة ومعدة برامج في قناة «سودانية 24» لتمارس شغفها في تقديم القهوة في المساحة التي تضم قرابة عشر طاولات وبارين بطاقة استيعابية تتسع لثمانين مرتاداً بديكور خشبي هادئ الألوان وأجواء حميمية تعطي انطباعاً بأن كل العاملين والمرتادين هم أصدقاء يعرفون بعضهم البعض.
وئام، التي بدأت هوايتها في بوتيك والدتها بحي أبو آدم الشعبي بطاولة لبيع القهوة داخل المحل، قررت العام الماضي أن توسع هوايتها بافتتاح مقهى مستقل بمشاركة والدتها.
بدايةً، افتتحت وئام إيزيس في حي الصحافة الشعبي، وبدأت رويداً رويداً باستقطاب المرتادين من أصدقائها والمهتمين بالفنون والأدب، قبل أن يقوم صاحب المحل الذي تستأجره برفض استلام الإيجار ورفع قضية ضدها في المحكمة في شهر شباط/فبراير الماضي طامعاً في الاستيلاء على المقهى وإدارته بمفرده، وفقاً لوئام.
كانت شكواه للقاضي أنه لم يكن يعلم بأنها ستحقق هذا النجاح في محله الذي كان يؤجره كمطعم لبيع الفول، ورغم غرابة الإتهام كان الأغرب حكم المحكمة بإخلاء المحل استناداً على هذه الشكوى.
“السوق السوداني سوق غير شريف نهائياً. تحتاج أن تكون متسلحاً قانونياً 500 في المئة في دولة تحارب المراكز الثقافية ما اضطرني أن أفتتح نشاطاً تجارياً يدعي الربح بدلاً من مركز ثقافي”.
هذه المرة، قررت وئام إيجاد شريك في رأس المال لتحقيق حلمها ساعدها في استئجار سطح المبنى وبناء طابق كامل من تصميمهما: «هدف هذا المكان هو أن يكون صالوناً ثقافياً يتناقش فيه الناس. يقرأون، يغنون، بحيث يمثل بيئة للتغيير هي أشبه ما يكون بصالون مي زيادة والصالات الأدبية التي لطالما سمعت بها وأنا طفلة».
تبدو وئام شاردة ومشتتة طوال الوقت بين تلبية طلبات الزبائن، والترحيب بالأصدقاء، ثم الاختفاء وراء البوفيه لإعداد القهوة التي تحسن صنعها وتقديمها في أطقم نحاسية وتسميها بأسماء الآلهة الفرعونية التي تعتقد أن أجدادها عبدوها، محاولةً بعد أسبوع من إعادة افتتاح مشروعها الموسع في تقديم برامج ثقافية تتنوع بين حفلات توقيع الكتب، الندوات الأدبية، والجلسات الموسيقية، وهي لا تمانع في سبيل توسيع رقعة روادها أن تقوم بعقد جلسات تحليل رياضية، وعرض المكان للإيجار للمناسبات الخاصة وأعياد الميلاد.
رغم الانطباع المرتب الذي قد يوحيه ديكور المكان وترتيبه إلا أن وئام تعتمد على أسلوب غريب في الإدارة لا تتبع فيه نظاماً: «الدنيا فوضى لأن المكان غريب عليّ، والتكاليف عالية فارتفاع الإيجارات جعلني أرفع الأسعار في المنيو».
وئام، التي لا توظف سوى نادلين دائمين في المقهى لضآلة الأجور معتمدةً اعتماداً كبيراً على أصدقائها ومحبي مشروعها. تقول: «القصة ليست القهوة إنما هي المكان الذي يحسسك أنه حقك” في تفانٍ شديد يضطرها إلى أن تبيب يومياً في المقهى الذي ارتبطت به كمشروع شخصي خاص وليس وظيفة لاكتساب الرزق».