عبدالله أمين الحلاق: لا يمكن اعتبار الانتخابات التشريعية الإيطالية الأخيرة بأي حال من الأحوال، شاناً إيطالياً صرفاً، في بلد حاضر بقوة ضمن الاتحاد الأوروبي وسياساته. وجاءت النتائج لتجعل من تلك الانتخابات مسألة أوروبية بامتياز. تصدّرَ تحالف «اليمين ويمين الوسط» بقيادة برلسكوني نتائج المعركة الانتخابية بنسبة 37 في المئة، بينما حصلت حركة «خمس نجوم» على 32 في المئة بمفردها. كل ذلك، جعل الأنظار الأوروبية تتجه إلى إيطاليا ومستقبلها ومستقبل وجودها في الاتحاد الأوروبي، في ظل نجاح قوى اليمين والتيارات الشعبوية في هذه الانتخابات، وهزيمة «الحزب الديمقراطي» الحاكم «يسار الوسط» في هذه الدورة التشريعية. ورغم ما يقال عن البحث والعمل على سياسات إصلاحية داخل الاتحاد الأوروبي وخصوصاً عبر الدعوات الإصلاحية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، فقد تنفّس الشعبويون وأنصار اليمين المتشدد في أوروبا الصعداء بعد انتخابات جلبت إلى صدارتها تيارات تحاكي خطابات الرفض للاتحاد الأوروبي، والتطرف والتشدد حيال المهاجرين واللاجئين الذين تشكل إيطاليا بوابة دخولهم ووصولهم إلى أوروبا عبر البحر في معظم الأحيان. ويرى مراقبون أن «هؤلاء الأوروبيين المتشددين اعتبروا أن نتائج الانتخابات الإيطالية تشكل تعزيزاً ومشروعية لخطاب سياسي يستند، عبر الانتخابات، إلى خيارات شريحة واسعة من الناخبين الإيطاليين الذين سئموا سياسات الأحزاب الكلاسيكية السابقة».
ماتيو سالفيني، هو اسم لمع بقوة مؤخراً على مستوى إيطاليا، وهو زعيم حزب «الرابطة» اليميني المتشدد والمندرج في تحالف «اليمين ويمين الوسط» وقد تجاوز حليفه سيلفيو برلسكوني في نسبة الأصوات «17.58 في المئة لسالفيني وحزب الرابطة، في مقابل 14.8 في المئة لرئيس الوزراء الأسبق». ويحمّل سالفيني الاتحاد الأوروبي مسؤولية تراجع الاقتصاد الإيطالي، ويدعو إلى وقف استقبال المهاجرين «غير الشرعيين» ويهدد بطردهم، إلى جانب نزعته المعادية للإسلام والمسلمين وهي واضحة في خطاباته وحملته الانتخابية.
الإشارات الأوروبية والفرنسية التي تدعم اليمين المتشدد في إيطاليا وسياساته وبرنامجه الانتخابي كانت كثيرة، لعل أبرزها ما جاء على لسان ماري لوبان، زعيمة «الجبهة الوطنية» اليمينية المتطرفة في فرنسا إذ قالت: «الانتخابات العامة في إيطاليا في الرابع من آذار/مارس، والتي من المتوقع أن تبلي فيها الأحزاب المتشككة تجاه الاتحاد الأوروبي بلاء حسناً، قد تؤدي إلى تقويض الاتحاد الأوروبي تماماً». ولم يخيب ناخبو اليمين المتشدد الإيطالي أمل لوبان وغيرها من سياسيين أوروبيين يدعمون نجاح «الرابطة» في الانتخابات. وكانت لوبان من أوائل المهنئين لماتيو سالفيني نجاحه في الانتخابات، وإن يكن نجاحاً لا يكفيه ولا يكفي أي من الأحزاب والقوى السياسية الأخرى لقيادة عملية تشكيل حكومة، وفقاً للدستور الإيطالي.
ولدت حركة «خمس نجوم» الشعبوية حديثاً في إيطاليا، وفاجأت الجميع بالنتائج التي حققتها في هذه الدورة، وكانت دائماً تعلن تبرّمها من الوحدة الأوروبية ومن العملة الموحدة، وسبق لها أن دعت إلى استفتاء شعبي على بقاء إيطاليا ضمن الاتحاد الأوروبي. إلا أن التصريحات الأخيرة لزعيم الحركة الحالي لويجي دي مايو بعد إعلان نتائج الانتخابات جاءت ملطَّفة أكثر، وأعلنَ انه تراجع عن خطوة الاستفتاء تلك.
وجاءت إحدى الرسائل المعبرة عن المخاوف الأوروبية الواضحة بعد نتائج الانتخابات الإيطالية، وعلى لسان نائب رئيس المفوضية الأوروبية فالديس دومبروفسكيس، الذي شدد على أهمية أن «تحافظ إيطاليا على مسار السياسات المسؤولة بشأن الموازنة، خاصة وأنها الدولة الثانية بعد اليونان من حيث حجم الدين العام بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو»، مشيراً إلى أن «انتخابات الأحد الماضي البرلمانية أبرزت تقدم حركة خمس نجوم ورابطة الشمال، وكلاهما ينتقدان سياسة التقشف الأوروبية وأبديا النية في عدم الالتزام بسقف 3 في المئة من الناتج المحلي كحد أقصى للعجز في الموازنة». ورفض دومبروفسكيس التعليق على تصريحات سالفيني قائلاً: «لا نعلق على سياسة أحزاب في الدول الأعضاء، والآن هناك عملية لتشكيل حكومة في إيطاليا، وفقا للــقــواعد التي وضعها الدستور الإيطالي».
ولا يمنح الدستور الإيطالي أياً من الأحزاب التي تصدرت الانتخابات أفضليةً لتقوم بتشكيل الحكومة، وهو ينص في تعديلاته الأخيرة على حصول إحدى الكتل على نسبة 50 في المئة من الأصوات – كانت النسبة 40 في المئة في انتخابات عام 2013- وهو ما سيجعل انفراد تيار أو حزب سياسي من الأحزاب المذكورة أعلاه في عملية تشكيل حكومة وفقاً لنتائج الانتخابات، بحكم المستحيل. وثمة خيارات عديدة أمام الإيطاليين في مقبل الأيام، من بينها اللجوء إلى رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة، أو الدخول في تحالفات جديدة وحالة من «الستاتيكو» قد تفضي إلى إعادة الانتخابات في شهر حزيران/يونيو المقبل.
أمام كل هذه الاحتمالات، يرى الكثيرون أن قادة الاتحاد الأوروبي يفضلون شخصاً مثل برلسكوني ليكون في الحكومة المقبلة، رغم فضائحه والحكم الصادر بحقه في قضايا تهرب ضريبي، خصوصاً وأنه يقدم نفسه «مدافعاً عن الوحدة الأوروبية، ومعادياً للقوى الرافضة لها». إلا أن برلسكوني ذهب بعيداً عن هذه الخيارات، وأعلن دعمه لحليفه ماتيو سالفيني في تشكيل الحكومة، وقال في مقابلة له مع صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية يوم الأربعاء الماضي: «أنا مقتنع بأن إيطاليا تحتاج إلى حكومة في أقرب وقت ممكن، وهذه الحكومة لا يمكنها إلا أن تكون انعكاسا للتحالف الذي ساد في الانتخابات».
وتابع «مع الاحترام الكامل لاتفاقاتنا، سندعم بإخلاص محاولة زعيم الرابطة ماتّيو سالفيني لإنشاء حكومة. أنا على قناعة بأنه سوف ينجح، ومن جهتي كزعيم لحزب (فورتسا إيطاليا) سأدعمه ميدانيا لضمان تكامل التحالف، والالتزام بتعهداتنا مع الناخبين».
بالرغم من هذا المشهد المعقد والمتداخل، والذي ينذر بجمود سياسي وفراغ حكومي داخل إيطاليا، وبترنّح في العلاقة التي كانت سائدة مع «الاتحاد الأوروبي» في ظل الحكومات السابقة، يبدو من الصعب تبعاً لوضع إيطاليا وموقعها في الاتحاد الأوروبي وتبعاً لنتائج غير كافية أفرزتها الانتخابات، أن يكون هناك حسم في هذه المسألة بين روما و«منطقة اليورو». وبانتظار ما ستسفر عنه الأيام وربما الشهور المقبلة، يبدو أن توقعات صحيفة «لوموند» الفرنسية ستكون هي الأقرب إلى واقع الحال، فقد جاء في افتتاحيتها 6 آذار/مارس: «إيطاليا 4 مارس لن تطلب الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنها ستفعل كل شيء لمنعه من التقدم».