إيقاعات الوجدان في لوحات المغربي عبد الفتاح الجابري

يجسد الفنان عبد الفتاح الجابري تجربة رائدة في الفن التشكيلي المغربي، ذلك أنه كرس الكثير من مجهوداته عبر عشرات الأعوام بحثا عن التميز والإضافة النوعية المؤسسة على حس إبداعي لا يُفقد العمل الفني صلته بالواقع وبالتراث والثقافة المغربية بالخصوص. والمتتبع لأعماله القديمة والجديدة يقف على مدى اجتهاده بغية صقل وتطوير ملكاته الفنية عبر وعي عميق بالتشكيل في أبعاده الثقافية والحضارية.
لوحاته حركيَّة المفردات، فالتضاريس أيقونات تمثل بعضا من وضعيات الناس هنا وهناك، ففي بعض أعماله تجد مكونات تحيل إلى أخرى، كأنْ يرسم ما يشبه الجبال، وهي في الوقت ذاته تلمِّح إلى أناس في حركة دائبة، ومن هنا تكتسب اللوحة تعدد أوجه تمثيلها عبر تباينات متبادلة داخل نسيج اللوحة.
في كل أعماله نجد المبدع عبد الفتاح يتحرى الفواصل الدقيقة بين الألوان الباردة والساخنة، مما يريح العين وهي تتجول بين مفردات تركيباتها القريبة من المخيال، رغم عدم المحاكاة المباشرة التي تطبعها. لوحاته تجمع في مكوناتها وملمحها بين أكثر من اتجاه، إذ بلمساته الرقيقة تجمع اللوحة بين الانطباع والومض الذي يحمل تجريدا لا يغلق النافذة أمام ما يجسد الملمح الحضاري والهوياتي المغربي، ما يجعل معظم أعماله ذات مرجعية تراثية في تباينات وتمايزات شكلا وموضوعا .
وتبدو حساسية لمساته الجمالية العاكسة لما يشعر به حين يحمله الإيقاع للقبض على ما يشعر به في دواخله الموَّاجة بمختلف المشاعر قبل أن يطبع ومضها حيّا على أديم اللوحة، وبذلك ينجز لوحاته بعفوية المتماهي مع الموسيقى بإيقاعاتها الساحرة ليترجم بذلك صدق ما يحس به عبر فنية بصرية تعكس مشاعره بالقدر الذي تعكس الفضاء الثقافي والحضاري الذي يحتضن المبدع.
لوحاته جميلة يوحد بينها أسلوب المبدع الذي يبدو في كل أعماله… إنه يستقي من الواقع ما ينطبع في مخيلته الفنية ليتحول إلى أعمال تشكيلية تنبني جماليتها على التداخلات اللونية المختارة بعناية المحتك بالمجال التشكيلي لسنوات وسنوات، وهو في جل أعماله إن لم نقل كلها مرتبط بالثقافة المغربية العريقة… يلتقط بفنية وبفرادة آسرة مشاهد تمثل مخزون الذاكرة من الثقافة الشعبية والتقاليد العريقة، ليقدم أعماله بفنية تبعدها عن التجريد المبهم الذي من شأنه إسقاط الكثير من الأعمال الفنية في ما يشبه العبثية… وانطلاقا من ذلك فأعماله مفيدة في الرقي بالذائقة الجماهيرية الواسعة بعيدا عن النخبوية المُضيِّقة لدائرة تلقي الخطاب التشكيلي.
وبناء على ما سبق، فالفنان عبد الفتاح فنان أصيل وصل إلى ما وصله من تميز بصدقه وعطاءاته وعشقه للريشة والفرشاة واللون، باعتبارها أدوات لتركيب لغة تتجاوز الظاهر إلى البواطن لرسم بعض ما يختلج فيها من أحاسيس إنسانية دفينة.

كاتب مغربي

لحسن ملواني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية