إيوجينو باربا وأسرار فن الممثل… معجم لأنثروبولوجية المسرح

حجم الخط
2

بغداد ـ «القدس العربي» من مروان ياسين الدليمي: يعد كتاب المخرج المسرحي الايطالي إيوجينو باربا، ومعه في هذه المغامرة نيكولا سافاريزي، «أسرار فن الممثل … معجم انثروبولوجية المسرح»، مصدرا مهما من وجهة نظر العاملين في المشغل المسرحي لأنه ينساق بافكاره وتأملاته وتجاربه في إطار التجريب والبحث عن مناطق غير مكتشفة في مسار إعداد الممثل. أهمية هذا الكتاب تأتي من كونه يتناول مفردات عالم مسرحي خاص بأسرار الممثل وكيفية إعداد جسده وذاته وذاكرته قبل أن يدخل في أية تجربة مسرحية، فميدان البحث هنا في تجربة اوجينو باربا لا يتعلق بتهيئة الممثل لشخصية معينة بقدر ما ينطلق إلى ماهو مطلق في عمل الممثل، إلى حيث تكون الفرصة قد أتيحت عبر تجارب وتمارين عديدة حتى يتهيأ إلى أن يكون ممثلا من طراز خاص جسدا وروحا وذاكرة وذاتا وتربية. ونظرا إلى ما يحمله من أفكار عميقة وما يطرحه من تساؤلات جديدة بهذا الخصوص تفتقر إليها مؤسساتنا الأكاديمية في العالم العربي وفرقنا وورشنا المسرحية فهو يستحق أن يكون لهذا الكتاب مكانة خاصة لدى معظم العاملين في المشغل المسرحي، خاصة أولئك الباحثين عن المغامرة والتجديد في إطار هيكيلة التربية والإعداد للممثل. وتبقى القضية الأهم في هذا المطبوع أن المخرج المسرحي العراقي الدكتور قاسم البياتلي هو الذي تولى ترجمته. والبياتلي يقيم في ايطاليا منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، حيث درس المسرح هناك إلى جانب تأسيسه لفرقة مسرح الأركان عام 1984. وحاليا يدرّس المسرح في كلية الفنون الجملية بمدينة الموصل. وسبق له أن درّس في قسم المسرح بكلية الآداب بجامعة دهوك، هذا إضافة إلى أن سجله مرصع بعروض مسرحية قدمها بين ايطاليا ودهوك واربيل.
يشير «البياتلي» في المقدمة التي وضعها إلى إن هذا الكتاب هو «حصيلة بحوث تمت ما بين 1979- 2004 أي المدرسة الدولية لأنثروبولوجية المسرح، التي يديرها إيوجينيو باربا. والكتاب يتناول مواضيع تتعلق بمفردات وآليات أسرار فن الممثل المسرحي من الألف إلى الياء، وبصيغة معجم مسرحي غني بالتفاصيل والدقائق التي لا يمكن أن يستغني عنها الباحث المسرحي، أو المحترِف في التمثيل والإخراج والتأليف المسرحي». جدير بالاشارة أن الرؤى المطروحة في هذا الإصدار قد شملت جوانب متعددة ومتشابكة في المسرح، والخيوط التي نسجت منها ارتبطت بالدرجة الأولى بشغل الممثل كحضور وكعنصر مركزي في المسرح، استناداً إلى نظريات وتطبيقات مسرحية، قامت بتغيير الكثير من المعاير والمقايس المألوفة في الدراسات التقليدية التي تبنتها التوجهات المسرحية المؤساساتية في أوروبا وأمريكا». اشتمل الكتاب على مئات الصور مأخوذة من عروض مسرحية في مختلف أنحاء العالم الغربي والشرقي، إضافة إلى لقطات توثيقية لطريقة شغل الممثل في الفضاء المسرحي، أو أثناء تدريباته العملية في المدارس المسرحية حيث تأتي في إطار توضيح دقائق وتفاصيل مرئية وملموسة، تواكب الطرح النظري وضمن رؤية أنثروبولوجية المسرح، باعتبارها إحدى المنطلقات الأساسية المعاصرة في طريقة التفكير وممارسة المسرح الجديد. يضيف المترجم والمخرج قاسم البياتلي أن «من أهداف هذا الإصدار وضع القارئ أمام العديد من آليات وتطبيقات المسرح، وتقنيات وإجراءت الممثل التي يستند عليها في عمله الفني من الداخل: مثل تقنيات سلوكه الجسدي والذهني الخارجة عن المعتاد، التي يستخدمها في المشهد والتي تختلف عن سلوكه اليومي، والتي غالباً ما تكون مخفية عند النظر إلى ذلك العمل من الخارج. وهكذا فهو يتيح للعاملين والمتخصصين في نظريات المسرح، من نقاد وباحثين، وكذلك للمتفرجين المتابعين للمسرح، في الإطلاع على خبايا أسرار فن الممثل في التطبيقات المسرحية، ليس في المسرح المعاصر فقط، بل وكذلك في المسرح الذي تتحدث عنه الكتب التاريخية (في الغرب والشرق)، والتي غالباً ما تم تجاهلها، أو الانتقاص من أهميتها، من قبل الدراسات النقديه التقليدية للمسرح الدرامي». وبما أن مفردات هذا الكتاب اتسمت بلغتها الاصطلاحية التي هي أقرب إلى لغة المُحتَرَف المسرحي الاكاديمي كان من المنطقي أن يطرح هنا سؤال جوهري: من هي الشريحة التي يتوجه إليها؟ يجيب قاسم البياتلي على ذلك قائلا: «هو كتاب شامل وثاقب النظر، يتعمق في طرح مبادئ أنثروبولجية المسرح ومفردات وأدوات فن الممثل «. ويتناول الكتاب النظريات والأفكار التي جاء بها معلمو المسرح في القرن العشرين، مثل ستانسلافسكي ومايرهولد وديكرو وبرخت، وكوبو وغوردن كريغ. وفي ما يتعلق بمصطلح البيداغوجية في المسرح الذي يبدو مصطلحا غير متداول في المشهد المسرحي العربي أوضح البياتلي أن «البيداغوجيه هي العلاقة بين المعلم والتلميذ: وفي جعل هذه العلاقة شخصية يكمن سر إيصال الفن. وقد تلاشت العلاقة بين المعلم والتلميذ في المدارس الغربية، ماعدا بعض أولئك الذين لديهم تجربة طويلة، ولهذا هم معلمون. أما في ثقافات أُخرى، نجد أن هناك بثاً مباشراً وحياً، ويشكل ذلك أحد العناصر الجوهرية، التي يمكن أن نفهم من خلالها كيف تم انتقال بعض (الأُصول) التراثية، والفنية والروحانية، من جيل إلى جيل، من دون أن تتغير، أو تفقد قوتها أو تخمد نارها على مدى انتقالها للأجيال التالية» … السؤال الجوهري الذي يطرحه باربا في مجمل تجاربه: في أية وجهة يمكن للممثل أو الراقص الغربي أن يتوجه لكي يستطيع بناء الأسس المادية لفنه؟، فيجيب البياتلي عن ذلك انطلاقا من صلته الشخصية باوجين باربا وقربه من تجاربه قائلا: «هذا هو السؤال الذي تحاول أنثربولوجية المسرح الإجابة عليه. فهي، عموماً، لن تجيب لا على ما تحتاجه التحليلات العلمية حول ماهية لغة الممثل ولا على السؤال الأساسي الذي يطرحه من يعمل في المسرح والرقص على نفسه، كيف يمكن أن يصبح ممثلا جيداً أو راقصا جيداً؟ إن أنثربولوجية المسرح لا تبحث عن مبادئ لحقائق كونية، بل تبحث عن إرشادات مفيدة. فهي لا تمتلك تواضع العلم، بل طموح تشخيص المعارف المفيدة لفعل الممثل – الراقص. ولا تريد كذلك أن تقوم باكتشاف القوانين بل تقوم بدراسة قواعد السلوك. وكان مصطلح الأنثربولوجية، في الأصل، يشير إلى دراسة سلوك الإنسان، ليس على المستوى الاجتماعي – الثقافي فحسب، بل وكذلك دراسته على المستوى الفيزيولوجي (الفسلجي) ومن هنا تقوم أنثربولوجية المسرح بدراسة السلوك الإنساني على المستوى الفيزيولوجي والاجتماعي – الثقافي وفي حالة العرض (التمثيلي). وعن المبادىء التي عادة ما يستعين بها الممثل في عمله يشير البياتلي إلى ان «باربا يبحث في تجاربه عن المبادىء التي استخدمها العديد من الممثلين والراقصين، في أماكن وحقب زمنية مختلفة، وفي كل بلد على انفراد، الكثير من المبادئ التي توجد في تراثهم، واستخدموا كذلك بعض المبادئ التي تتشابهه فيما بينها.
وبخصوص الممثل الغربي وما يفترق به عن الممثل في أماكن أخرى من العالم خاصة في الشرق يشير البياتلي إلى أن باربا «يجد الممثل الغربي المعاصر لا يمتلك مخزونا عضوياً من النصائح التي يمكن أن يستند عليها أو يتوجه بموجبها. فهو، في العادة، يمتلك النص وتوجيهات المخرج كنقطة للإنطلاق، ولكن تنقصه قواعد الفعل، التي، بالرغم من عدم قيامها بالحد من حريته الفنية، تقوم بمساعدته في إنجاز مهمته. أما الممثل، في التراث الشرقي، فهو بالعكس من ذلك، يستند على جسد عضوي خاضع لتجربة محكمة، وعلى نصائح مطلقة، أي بمعنى أنه يستند على قواعد فنيه تشبه قواعد نظام شفروي: يقوم بتشفير أفعال أُسلوب منغلق على نفسه، وينبغي على كل ممثل يعمل ضمن ذلك الجنس الفني، أن يتكيف له. من الطبيعي، أن الممثل الذي يعمل ضمن شبكة من القواعد المشفرة يتمتع بحرية أنثربولوجية المسرح أكبر من ذلك الذي يكون حبيس الاعتباطيه ونقصان القواعد، كما هو الحال مع الممثل الغربي. ولكن الممثل الشرقي يدفع ثمناً كبيراً لحريته، وذلك من خلال تخصصه الذي يمنحه القليل من الإمكانيات للخروج من نطاق الأرضية التي يعرفها. ويبدو أن وجود مجموعة من القواعد الدقيقة والمفيدة في تطبيقات الممثل هي مشروطة بأن تكون قواعد مطلقه، ومنغلقه أمام تأثيرات التجارب والتقاليد الخارجيه. وأغلبية المعلمين في المسرح الشرقي، تقريباً، يمنعون تلامذتهم من الاهتمام بأشكال العروض الأخرى المختلفة عن شكل العروض التي يمارسونها. ويطالبونهم، أحياناً، حتى بعدم الذهاب لمشاهدة العروض لأشكال أًخرى من المسرح والرقص. ويؤكدون، على أنه بهذه الطريقة يمكن المحافظة على نقاء أُسلوب الممثل – الراقص، والبرهنة على تفانيه من أجل فنه. يحدث كل ذلك وكأن قواعد السلوك المسرحي تشعر بنفسها مهددة من قبل نسبيتها الواضحة، وكأنها تعاني من كونها ليست بقواعد حقيقية».

إيوجينو باربا وأسرار فن الممثل… معجم لأنثروبولوجية المسرح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية