إِنَّمـا المَـرءُ حَـديـثٌ بَـعـدَهُ

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: بجرأةِ الموقف ووجاهةِ الفكرة تمكّن صادق جلال العظم، من أنْ يَسِمَ حضورَه في عصرِه بمَيْسَم المثقّف الملتحم بقضايا مجموعته الاجتماعية، والمتحمّل مسؤولية إنارة طريقها إلى الحق والعدل والحرية.
فقد لاذ بجرأة السؤال سبيلا إلى تفكيك بنية التصوّرات الحاكمة لمعيش المواطن العربيّ، وامتلك من المغامرة البحثية ما أنجز به قطيعة معرفية مع مدوّنة التراث الفكريّ بكلّ حمولاته التقديسية، حيث أخضع نصوصَه الكبرى لقراءة جديدة كان سعيُه فيها مُنصبًّا على تخليص فهمنا لتلك النصوص من شوائب النقل والشعوذة والاتجار بمعانيها، وعلى جعلها منفتحة بوعي حادٍّ على حضارة الراهن بكل خطاباته العلمية والثقافية والسياسية والاجتماعية، انفتاحَ التفاعل والمشاركة لا انفتاح الخضوع والتسليم، وهو ما نُلفي له صورةً جليّة في كلّ نتاجه الفكريّ كُتُبًا ومحاضراتٍ وأحاديثَ صحافيةً.
وما لا شكّ فيه أنّ مفكِّرًا بهذه المواصفاتِ سيؤثّر كثيرا في سردية عصره، وستمثّل أفكارُه فيها قوّةَ دفعٍ لحركة الواقع، بل ولحركة المتخيَّلِ، قوّةَ دفعٍ مُسَاعِدةً على تحقيق نهوضٍ للناسِ ماديٍّ وجماليٍّ. ولعلّ في الشذرات الصحافية الموالية التي كتبها عنه مثقفون قرأوا له أو استمعوا إليه ما يؤكّد وجاهة أفكاره وقدرتها خلق السجال والدفع بموضوعاته إلى أقصى حدودها: إلى اليقين. فقد ذهب ياسين الحاج صالح إلى القول، إنّ انشغال العظم بالشؤون العامة رافقه منذ البدايات المبكرة التالية لهزيمة حزيران/يونيو، وإن تبدل شكله: انشغال يساري وفلسطيني وقومي عربي في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته، ثم انشغال ثقافي عقلاني وعلماني في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته، ثم انشغال ديمقراطي وليبرالي في السنوات المنقضية من هذا القرن. صادق سياسي أكثر في مرحلتيه الأولى والثالثة، وإن يكن عربياً أساساً في المرحلة الأولى التي كانت زمن صعود وأزمة الحركة القومية العربية، وسورياً أكثر في المرحلة الثالثة، التي شهدت مشاركة عملية من طرفه في «ربيع دمشق» ومنتدياته، وفي عمل «لجان أحياء المجتمع المدني»، وفي توقيع بيانات المثقفين السوريين وعرائضهم الداعية إلى إصلاحات ديمقراطية. في المرحلة الثانية، العقدين الأخيرين من القرن العشرين، كان تدخل صادق ثقافيا أكثر. وقتها، كان العالم العربي يوغل في ظلمة الطغيان من جهة، وكانت الماركسية، وهي الركن الأساسي في هوية صادق الفكرية، في حال مضعضعة بفعل تداعي الشيوعية. الثقافة صارت الملاذ المختار للمثقفين. وتحدّث خالد الحروب عن فَرَحِ صادق جلال العظم بالربيع العربي واحتفائه به فكريا ووجدانيا وسياسياً، لكونه رأى فيه عودة السياسة إلى الناس، وعودة الناس إلى السياسة بعد عقود طويلة من الجمود والاستبداد. ويضيف الحروب قوله إن العظم رفض الاستقرار الظاهري الذي يتفاخر بإحلاله الاستبداد وسماه «استقرار القبور». رأى في لحظة «ميدان التحرير» عودة التاريخ إلى المنطقة، وظل متفائلا حتى اللحظة، ورغم كل السوداوية التي هبطت على الثورة الأقسى في بلاده سوريا. وعن سوريا نفسها كتب ونطق بأجرأ ما قد ينطق به مثقف في موقعه.
وقال محمد راتب الحلاق إنّ هذا النمط من المفكرين إن لم ينجح في محاولاته كلها (ولا يضيره في شيء ألاّ ينجح) فيكفيه شرف المحاولة. ويعود إلى هؤلاء فضل استدعاء المكبوت واللامفكر فيه والمقموع من الأفكار والقيم والممارسات إلى ساحات الحوار والسجال والجدال، ما يدفع الأطراف جميعاً إلى الارتقاء بخطابهم وأفكارهم، إلى أن يدققوا معرفياً بما يصدر عنهم. ما يؤدي، في النتيجة، إلى التخلص من كل ما انتهت صلاحيته المعرفية والاجتماعية وبات عاجزاً عن تقديم الحلول المناسبة للمشكلات المستجدة. وهنا يكمن مجد هؤلاء (المفكرين المشاكسين) ، فلولاهم لبقي القديم على قدمه، ولما حدث الحراك الفكري والاجتماعي والسياسي. ولا يضير هؤلاء اعتدادهم المبالغ فيه بالنفس وبما يملكونه من معرفة، كما لا يضيرهم شعورهم الحاد بالفردية (والفرادة)، وتقديمهم حريتهم الشخصية على الحرية العامة، وانغماسهم بالحاضر بعد أن قاموا بإجراء القطيعة الكلية مع الماضي. ويكتب خضر زكريا مُشيدًا بجرأة صادق جلال العظم خلال واقعة عاشها في سوريا وصورتُها أنه دُعي مرة إلى حفل عشاء في مطعم النبلاء في دمشق، يحضره بعضٌ من كبار المسؤولين في الدولة. وعندما حاول الدخول إلى ساحة المطعم بسيارته القديمة (من طراز ستروين دو شوفو مغلقة)، بين سيارات المرسيدس السوداء الفارهة، أوقفه الحارس متسائلًا: إلى أين؟ قال صادق: إلى المطعم. قال الحارس: ولكن هذا مطعم النبلاء، والمدعوون هم كبار المسؤولين. أجاب صادق: هل تعلم أنني النبيل الوحيد بين هؤلاء جميعًا؟

إِنَّمـا المَـرءُ حَـديـثٌ بَـعـدَهُ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية