يرجع الفضل لحنا آرندت في تقديم ومن ثم ذيوع مصطلح «ابتذال الشر» في كتابها عن محاكمة المجرم النازي الشهير آيخمان في القدس، حين أضافته في عنوانٍ فرعي: «تقرير عن ابتذال الشر».
منذ ذلك الحين اكتسب هذا المصطلح شهرةً، مبررةً في رأيي، لم تنِ تتسع، خاصةً أن العالم الذي نعيش فيه بما يحفل به من نماذج الوحشية والقسوة، من حروب وقتلٍ وتدميرٍ وقمعٍ واستغلالٍ بأشكاله الأكثر تنوعاً من أن تحصى، وما يضاف إليها مؤخراً من صعود نماذج تعبر عن اليمين المتطرف ومخبولين، كنا نظن أو على الأقل نأمل، أن يكونوا قد استقروا في المتاحف مع الحفريات أو حدائق الحيوانات على أسوأ تقدير.
وقد فُسر ذلك المصطلح ليشمل كل أمثلة وشواهد العنف والقسوة المجانين، إلا أن ثمة فهماً آخر، ولعله الأقرب لما قصدته آرندت، يطرح الأمر في ضوء ما تكشف أثناء المحاكمة من أن آيخمان لم يكن بالمريض النفسي، ولم يوح بغير الاتزان، وإنما بدا هادئاً بصفةٍ عامة وغير نادمٍ إطلاقاً على أيٍ من جرائمه.
الأهم من ذلك فقد خلصت آرندت إلى كونه، على محدودية ذكائه وتعليمه، لم يكن شخصاً استثنائياً، وأن ما فعله ناتجٌ عن مزيجٍ من الجهل والمفاهيم المغلوطة، وأنه كان يطيع الأوامر، كما تصور، ولُقن أن واجبه الأعلى والأسمى يملي عليه – أن ما أقدم عليه واقترفه من جرائم من دون شكٍ أو تردد نتاج الحماقة، وبالتالي قابلٌ للتكرار على يد غيره ربما. كان «عبد المأمور» كما نقول في بلادنا…وكان عبداً جاهلاً وغبياً.
لا أظنني في حاجةٍ لبذل جهدٍ كبير في الإشارة إلى العلاقة الوثيقة بين مفهوم «ابتذال الشر» والواقع في الحقبة السيساوية وانطباقه، بمفهوميه المذكورين أعلاه، على مجمل الأحداث والتطورات.
في الأيام القليلة الماضية، تراكمت بضع جرائم وانتهاكات بشعة بسرعة تفقد الاتزان وتتخطى مقدرة المرء على الاستيعاب والتفكير: أولاً، هناك مقتل ذلك الشاب حديث التخرج، الذي كان بصحبة خطيبته بعد مشادة على حساب الجلوس في مقهى لمشاهدة نهائي كأس أفريقيا، حيث استنكر ما وصفه بـ»البلطجة» (وهي كذلك من دون شك) من سلوك صاحب المقهى ورجاله في إغلاق المقهى حابسين من فيه حتى السداد، وإذ هم بالخروج قال له صاحب المقهى إنه سيريه البلطجة الحقيقية، ولم يكن منهم إلا أن انهالوا عليه بكرسي وطعنوه بسكين فأردوه قتيلاً. جديرٌ بالذكر في هذا السياق أن هذا المقهى من الأماكن الغالية، ويقع في حيٍ مرموق تقطنه تقليدياً البورجوازية القاهرية، حي مصر الجديدة، وأن الفقيد كان ميسور الحال، وفقاً لشواهد عديدة.
ثاني الحوادث كان مصرع شاب في قرية مشلة في كفر الزيات، عقب القبض عليه بيوم من قبل الشرطة، حيث يتهم أهله الشرطة بتعذيبه مطالبين بتشريح جثته. أما ثالث الوقائع فما كان من القبض على خمسة شباب، ما بين شاعرٍ وناشطٍ وحقوقي، من على أحد مقاهي وسط البلد في القاهرة، ثم الإفراج عنهم في اليوم نفسه؛ لا أحد يعرف لم، وفيم قبض عليهم وفيم أُطلق سراحهم؟ وأخيراً، لكنه أولٌ، إغلاق مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، بينما أكتب هذا المقال، وبالطبع، ومداً للخط على استقامته، أستطيع أن أتنبأ بكل ثقة بأن مراكز حقوقية أخرى ستغلق وآخرين سيقبض عليهم بعد هذا المقال، وأن الكثيرين سيضربون وينتهكون، وعلى الأغلب سيسقط شهداء.
هذه وغيرها من أمثلةٍ مشابهة، سابقة ولاحقة، تجمعها قواسم مشتركة: عنفٌ مجاني وعبثية.. ابتذال الشر.. ابتذال العنف والدم الذي صار شديد الرخص. قد يعترض أحدهم بأنها نماذج متفرقة وربما متناثرة جغرافياً، وأن بعضها لم تقترفه السلطة.
هو ذاك فعلاً وتحديداً، فالعنف والتوحش لم يعودا محصورين في النظام أو حكراً عليه (وإن كان هو الرائد والقائد والمعلم والملهم) وإنما صارا منتشرين، وما فتئ ذلك في ازدياد، وما ذلك التفرق سوى أبلغ وأقوى دليلٍ على مدى شيوع الظاهرة واتساعها، عرضاً وعمقاً، ظاهرة التوحش والتحلل المجتمعي.
حقيقةٌ أساسية وأولى ينبغي ألا تغيب عن أنظارنا ونحن نتناول أي حدثٍ أو مستجدٍ في مصر، ودونه لا أرى جدوى أو صواباً في أي محاولةٍ للتفسير: إنها تعيش ثورةً مضادة، من النوع الأردأ، حيث تقودها وتشرف عليها طبقة ضعيفة وتابعة، رثة تماماً ليس في مقدورها ولا من ضمن نواياها إتمام أي مهمةٍ من تلك العالقة منذ الاستقلال عن بريطانيا، سواءً أكان ذلك في المجال السياسي كالانفتاح أو التحول الديمقراطي والتعددية الحقيقية أو في الاقتصاد. كل ما لديها هو العنف الذي يدفعه انحيازٌ واضحٌ، مستميتٌ ودموي لطبقةٍ بعينها مستفيدة، بل وزاد ثراؤها بعد الثورة المغدورة.
ولأن الثورة لم تتحقق حتى الآن، ولم تفرز ما يعبر عنها، لأنها محاصرة وجارية محاولة خنقها، ولأن البطش أعمى وجامح، وكثيرٌ من الجمهور مرهق، يضحى البديل هو التوحش، الانزلاق للبربرية.
كثيرون يتحدثون خائفين عن ثورة جياع، يتصورونها حرب شوارع ومتاريس، ولا يدركون أن ذلك شكلٌ أكثر تطوراً وتنظيماً، لكن الوارد وما يحدث بالفعل بدلالة الشواهد هو السرقة والسطو المسلح والعنف المجاني. التعفن والتحلل المجتمعي وانهيار كل قيم الكرامة والقيمة الإنسانية وعلى رأسها حرمة الدم.
ليس ثمة شك في مسؤولية النظام عن تلك الحارة السد وذلك الانحدار الذي تعيشه مصر، خاصةً وقد تضاعف مع التدهور الاقتصادي وتردي مستويات المعيشة، ولو أنك سألت الكثيرين عن منظومة الأمن والبطش، فربما ستسمع إجاباتٍ كتلك التي خرجت من آيخمان، ولن تعدم من يحدثك عن حد الحرابة. ليسوا استثناءً، وهم أيضاً ضحايا ونتاج الجهل والغباء والحماقة الشديدة.
يطول الكلام عن هذه الحالة البائسة ولن يفيه مقالٌ واحدٌ حقه، إلا أنني لن أستطيع أن أختتم كلامي من دون التعليق على ما كتبه صحافيٌ شهير في صحيفة من أكبر صحف مصر وأكثرها موضوعيةً وأوسعها انتشاراً، إذ أنه علق على قتيل المقهى بأن القصة هزت المجتمع المصري، يبدو أن «المجتمع المصري» المذكور لا يهتز سوى للجرائم التي تطال الطبقة الوسطى فما أعلى، أما الفقراء والبسطاء كأولئك الذين ذبحوا وضحي بهم للتغطية على مقتل ريجيني والمحبوسين على ذمة قضايا سياسية فـ»المجتمع» يحافظ على «ثباته الانفعالي» (كلمة أخرى أُغرم الناس بها مؤخراً) تماماً كما حدث مع خالد سعيد، حيث أن تلك الطبقة التي تظن أنها بمعزلٍ عن المجتمع وأن أداة البطش والعنف من جيشٍ وشرطة، إنما وجدت لتسخر لخدمتها فوجئت بانفلات هذه الآلة الجهنمية عن غرضها والخطوط الحمراء المرسومة لها.
بيد أن هناك اختلافاً مهماً، فالقاتل هنا صاحب مقهى يقتات على هذه الطبقة، ولعله منتمٍ لها وليس من الشرطة أو الجيش. هو التوحش والدم الرخيص، ابتذال الشر، وهو يتمدد ليلف الجميع.
وكعادة النظام، تصرف بعشوائية فأغلق عشرات المقاهي كونها بدون تصاريح، ما يشكل إدانةً للمحليات بالمناسبة، كما أغلق مركز النديم، هو نظامٌ في مأزقٍ يتخبط، أحياناً يحاول أن يبدو مسيطراً قادراً أمام الناس، خاصةً قاعدة دعمه الطبقية ومن ناحيةٍ أخرى لا يستطيع أن يكف عن الثأر والتنكيل بأعدائه.
في الخلاصة، ذلك المزيج السام من ابتذال العنف والقسوة والجهل وغياب الرؤية والقدرات هو أقصر طريق للمزيد من الخراب وتدمير المجتمع والإنسان.وحدها ثورةٌ حقيقية قادرة على إنقاذنا من هذا المصير.
كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل