القاهرة ـ «القدس العربي»: تجربة جديدة ابتكرها المخرج الشاب عمر المعتز بالله مدير فرقة تياترو المسرحية المستقلة، وهي إقامة عرض مسرحي غنائي داخل إحدى «البلكونات» لتكون هذه الشرفة بديلاً عن خشبة المسرح، حازت هذه التجربة إعجاب العديد من الجمهور الذي اصطف أسفلها للاستمتاع بالعرض. المخرج عمر المعتز بالله تحدث لـ»القدس العربي» عن تجربة «أوبرا البلكونة» في حوار خاص.
■ «أوبرا البلكونة» هل هي تجربة مبتكرة أم لها سابقة؟
□ لا اعترف بفكرة أول مرة، أكيد هناك من فعل هذا من قبل لكني لا أعرف تحديداً، في البداية استغرق التحضير للعرض أكثر من عام، أردت أن أصنع عرضا مسرحيا ميوزيكال وأن أطرح هذا النوع على جمهور المسرح المستقل، وبالفعل قدمت عرضا بعنوان backstage يتحدث عن كواليس خشبة المسرح في فترة العشرينيات، غامرنا بهذه التجربة، لكنها حصدت نجاحا كبير وحضورا جماهيريا ضخما، ولفتت أنظار المسؤولين في دار الأوبرا، وظهر جيل جديد من جمهور هذا النوع الفني الذي يخلط بين الأداء المسرحي والغناء الأوبرالي، وبعد نجاح هذه التجربة حاولنا التقرب أكثر من الجمهور خارج قاعة المسرح، ذهبنا لجمهور الشارع، ولكن العروض الخارجية تتطلب الحصول على تصريحات كثيرة ومعقدة من الجهات الأمنية، لذلك فكرنا بإقامة العرض في إحدى «البلكونات» على أن يتجمع الجمهور أسفلها في الشارع، وحاولت أن أقرب الفكرة أكثر للجمهور، لذلك ارتدى الممثلون ملابس المنزل، وهم يؤدون العرض، العرض المسرحي «أوبرا البلكونة» عرضناه مرة واحدة في القاهرة، ثم خرجنا إلى المحافظات الأخرى التي لا يوجد فيها مسرح والتي لم يصل اليها إنتاجنا، ذهبنا إلى مدن الدلتا (بور سعيد والمنصورة ودمياط)، وكان رد فعل الجمهور الإيجابي هو ما شجعنا على مواصلة العروض في محافظات أخرى، وأسعى قريباً لعرضها في مدن الصعيد.
عرض أوبرا البلكونة هو قصة غنائية بسيطة، تدور حول رجل وزوجته يغني كل منهما للناس عبر شرفتهما، ونرى مدى تفاعل جمهور الشارع معهما.
■ كيف كونت فرقة تياترو المسرحية المستقلة؟
□ عام 2003 بعد تخرجي من كلية الفنون الجميلة مع خمسة من أصدقائي، كنّا في فرقة مسرح الجامعة بعد تخرجنا نكتب النصوص المسرحية وننفذها في مسرح الجامعة، وبعد تخرجنا اجتمعنا على حلم واحد هو الاستمرار في تقديم هذه العروض، لنعبر عن أنفسنا وأفكارنا بالوسيلة التي نحبها وهي المسرح.
■ لماذا لم تقدم على دراسة المسرح وما الفرق بين فرق الهواة والمستقلين؟
□ قدمنا في مسرح الجامعة عروضا كثيرة، وتعلمنا قواعد العمل المسرحي من خلال ورش مسرح الهناجر، بجانب الممارسة داخل الجامعة والقراءة أيضاً، بدون الانتماء إلى أي أكاديمية، بعد ذلك قدمت أول عرض مع أصدقائي وحصد إعجاب الجمهور والمتخصصين، لذلك دخلنا سريعاً تحت مظلة الفرق المستقلة، ما يميز فرق الهواة عن المستقلين هو الاستمرار، منذ اثني عشر عاما وفرقتنا مستمرة بدون أن يدعمها أحد أو تمولها أي جهات حكومية، الفرقة تعتمد على تمويل أعضائها فقط وعلى صندوق خاص للفرقة، نحن أحرار الفكر لا يفرض علينا شيء، اي جهات تمويل تفرض شروطا، ولذلك نحافظ على استقلاليتنا الفكرية من خلال استقلالنا المادي، لا نخضع لسلطة أي جهة حكومية أو خاصة، والحمد لله قادرون حتى الآن على الاستمرار.
■ ما هي أهم الصعوبات التي واجهتكم طوال السنوات الماضية؟
□ في البداية لم تكن لدينا صعوبة أن نجد لأنفسنا مكانا على الساحة، أو أن نثبت نفسنا، هدفنا كان التعبير عما نريد بحرية، بعد ذلك شعرنا بالمسؤولية، قدمنا أول عرض عام 2003 واستمر عرضه سنتين ونصف السنة، بدأنا بعدها التجول في أماكن بسيطة إلى أن وصلنا للعرض في مسرح الهناجر، بدعوة من هدى وصفي مديرة المسرح بعد أن أعجبت بالعرض، الذي كان بعنوان «أن تكون آدم الحكيم»، وطلبت منا المشاركة في مهرجان المسرح التجريبي، ثم طاف العرض بعد ذلك عددا من المهرجانات العربية والدولية، ومثلنا اسم مصر، من هنا كانت انطلاقتنا الأولى والأهم.
■ هل ضعف التمويل يجعلك تفكر في نصوص معينة حسبما هو متاح لك من إمكانيات؟
□ على العكس، نفكر برؤية كبيرة، لا نبحث عن نص لتقديمه، ولكن عندما تكون هناك قضية ما تشغل أحدا منا نحاول تقديمها في عرض مسرحي.
■ ما وجه الاختلاف في المحتوى الذي يقدم في العروض المستقلة وعروض البيت الفني؟
□ هناك وجه اختلاف ووجه شبه، وجه الشبه أن هناك إعادة تدوير للنصوص القديمة التي لا نخرج عنها في عروض البيت الفني والمستقلين، وهناك مجموعة من المستقلين والهواه تدفعهم أحيانا رغبتهم للمشاركة في مهرجانات المسرح إلى تقديم النصوص العالمية التي أصبحت مستهلكة، رغم أن الفرق الحرة تتمتع بمساحة حرية أكبر في اختيار النصوص، وطرح أفكار جريئة، معتمدة على رغبتها في إثبات وجودها وموهبتها وتحدي عروض قد تفوقها من حيث التمويل، ولكن بعض المستقلين لا يستخدمون هذا الفكر ويذهبون أيضاً إلى تجسيد النصوص المستهلكة، والقليل لديهم جرأة في الطرح، بعضهم يبحث عن نصوص جديدة غير متداولة، لا نستطيع أن نعمم أن المسرح المستقل مختلف عن عروض البيت الفني، هناك بعض الفرق لازالت تعيش داخل الصندوق، وأخرى تحاول أن تقدم فكرا وأسلوبا مختلفا.
■ كيف ترى تفاعل الجمهور مع المسرح المستقل؟
□ جمهور المسرح المستقل كبير جداً مقارنة بعروض مسرح الدولة، المسرح المستقل بدأ منذ الثمانينيات، وعبر رحلة كفاحة على مدار 25 عاما استطاع أن يصنع لنفسه قاعدة جماهيرية كبيرة، وكانت أبرز سماته هي الاختلاف في القضايا التي يعرضها، وأسلوب العرض وشكله، المسرح المستقل ابتكر أشكالا كثيرة للعروض المسرحية وخرج من حيّز خشبة المسرح، إلى العرض في الأماكن المفتوحة، بعض الفرق عرضت داخل جراج أو في الشارع أو داخل الحدائق، العرض في أماكن مبتكرة نابع من هوية والعرض المسرحي وشكله، بالإضافة إلى أن هذه الفرق تسعى لنشر المسرح بين جمهور الشارع، لذلك خرجنا بالمسرح إلى الجمهور، لنعرفهم على أنفسنا، وأصبحت لدينا قاعدة جماهيرية كبيرة، تعرف هوية المسرح المستقل، الذي استطاع أن يجد لنفسه قاعدة جماهيرية، واستطاع أيضاً باختلافه النابع من التمويل المحدود أو ظروف العرض أو نوعية التمثيل، أن يصل إلى جمهوره الحقيقي، كما أنه أصبح مصدر ضخ كبيرا للممثلين في الأنواع الفنية الأخرى، فهو مصنع النجوم الذين نراهم الآن على شاشة السينما والتلفزيون، هناك بعض الشباب يأخذون المسرح خطوة للانطلاق إلى السينما والتلفزيون لا أكثر.
رانيا يوسف