هناك مثل عربي قديم، يقول في نسخته الأردنية مثلا، إن «العيل الهامل بجيب المسبة لأهله»… والعيل هنا تشمل الذكر والأنثى.
تذكرت هذا المثل، وأنا أتابع مذيعة مصرية مغمورة، لكنها ابنة نجم مشهور، وهي تهرف بما لا تعرف، وتدلق كل جهلها على الشاشة، بلا احترام ولا تقدير لعقل المشاهد وحضوره!
في حرب استنزاف شتائم استطاعت أن تشنها على عشرات آلاف المشاهدين، فدفعتي ومعي الكثيرون لشتمها، إلى أن عرفت أن المذيعة المغمورة هي ابنة النجم السينمائي المعتق صاحب الصوت الشاعري المميز محمود ياسين.
لست من معجبي محمود ياسين في عالم التمثيل، وما عدا فيلم «أفواه وأرانب» مع الراحلة الكبيرة فاتن حمامة، فلا أجدني متابعا لأعماله، لكن صوته يحملني لأيام المراهقة وأشرطة التسجيل في حقبة ما قبل الانترنت والسي دي، حين كانت التسجيلات الشعرية يحملها صوته الأجش والشاعري، وتستخدم المقاطع بصوته فواصل بين مقاطع غناء أم كلثوم وعبدالحليم.
للرجل حصة في ذاكرتي، وعليه شعرت بالحرج من كمية الشتائم التي طالته وأنا أتابع ابنته، متذكرا أيضا مثلا آخر يقول إن النار تخلف رمادا، فكانت رانيا ابنته الرماد المتمثل مذيعة تلفزيونية تتحدث بلا توقف بثقة الجاهل عن مؤامرة كونية لا تبقي ولا تذر.
المحللة العالمية رانيا محمود ياسين قالت في برنامجها، الذي تقدمه على فضائية «أل تي سي» إن الأجهزة الأمنية المصرية رصدت اجتماعًا بين المخابرات التركية والبريطانية والحرس الثوري الإيراني، في مدينة خان يونس في قطاع غزة، بهدف محاولة إسقاط مصر وتخريبها، من خلال تدريب المخابرات التركية والإيرانية والحرس الثوري لعناصر «داعش» وجيش الإسلام، ومعهم حزب الله أيضًا، من أجل تكرار سيناريو أحداث «يناير»، لتهريب مرسي وخيرت الشاطر من محبسيهما!
وأضافت، بلا تردد ولا وجل من غباء المعلومة، التي تطرحها أن أمريكا حين عقدت الاتفاق النووي مع إيران، اشترطت عليها أن تقوم بتهريب مرسي، وذلك وارد في أحد بنود الاتفاق.
فعلا مخجل ومعيب هذا في الفضاء الإعلامي المصري، وإن صحت الأنباء أن الفنان محمود ياسين يعاني من الزهايمر، فهذا مؤسف لكنه على الأقل يجنبه صدمة إدراك مشاهدة ابنته في هذا الهبل!
رزق الهبل على المجانين!
لكن الإعلام المصري أيضا بمحطاته خارج التصنيف الإعلامي، والتي تبث السحر والشعوذة ولها جمهورها الواسع في العالم العربي، يمكن لهذا الإعلام بهذا المستوى أيضا أن يسدد ضربات تصفية حسابات سياسية لا يمكن أن تكون عفوية أو غبية.
ففي الأنباء من المغرب، أن وزير الخارجية المغربي السابق، سعد الدين العثماني، طالب من نظيره الحالي، صلاح الدين المزوار، التدخل لمراسلة السلطات المصرية حول قيام قناة مصرية خاصة باستخدام صورة نائب برلماني من حزب «العدالة والتنمية» المغربي، في إعلان للشعوذة، وحسب تصريحات سعد الدين العثماني، فإن الخارجية المغربية مطالبة بالتحرك لأجل التوجه لدى السلطات المصرية وتنبيه قناة «المولد» المصرية بعد قيامها ببث وصلة إعلانية يتم تكرارها يوميا لا تقوم في الأصل إلا بالتشهير بقصد أو بدونه إلى أبي زيد المقرئ الإدريسي، النائب البرلماني في حزب العدالة والتنمية، لافتًا إلى أن القناة ألصقت صورته بـ»إشهار كاذب مروّج للدجل والشعوذة».
في مقال سابق على هذا المنبر، أشرت إلى منظومة أخلاقية لا بد أن تتبعها وتنتهجها حواضن الفضائيات، من مؤسسات تملك الأقمار الصناعية، إذا لم تستطع الفضائيات ذاتها الالتزام بأخلاقياتها، وأتساءل هنا: لمصلحة من الاستمرار ببث قنوات الشعوذة والدجل تلك بالأساس؟ إلا إذا كانت الأرباح الخيالية في تحالف شركات الاتصال مع المشعوين والجشعين من رجال الأعمال قد آمنوا بيقين أن رزق الهبل على المجانين التي تشاهد تلك القنوات!
سلاح الكامير القاتل!
ورغم انتشار الطالح أكثر من الصالح في عالم الفضائيات، إلا أنني صرت أخشى من يوم نترحم فيه على عصر الفضائيات إذا استطاعت ثورة التكنولوجيا أن تستمر بتغولها وندخل تماما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لا قيود فيها بالمطلق على ما يتم نشره، فصار لتلك الوسائل نجوم من قاع المجتمع، سلاحهم كاميرا فيديو بطريقة السيلفي، وحديث مباشر في شؤون العامة، بلغة كوميدية مصطنعة تقطر زناخة غالبا.
أحدهم في الأردن، يستخدم شعار الجوكر في فيديوهاته، لا يتقن في تلك المقاطع إلا إصدار أصوات غريبة تذكرك بالحدث الأصغر كأحد نواقض الوضوء، وهو الآن نجم من نجوم عالم الرويبضات الافتراضي، على خطى من سبقه مثل شاب سبقه والذي بات نجما توقع معه شركات الاتصالات عقودا لإثراء قيمة المحتوى الإعلامي، كما أعلنت، وآخر محتوى إعلامي أضافه الشاب الواقع والجاهل بالواقع كما قرأته له ما نصه «.. مين حابب يربح سيارة مرسيدس 2017 مجمركة ومؤمنة»؟!
طبعا لا ننسى نجومية فقاعة الصابون، التي اكتسبتها شقيقة مغنية أردنية شبه معروفة وانتهت بها بالحبس، ونجوم آخرين من هذا المستوى، ومستويات أخرى قذفت ببعض ثرثرات «التويتر» و»الفيسبوك» إلى تقديم برامج على التلفزيون الأردني مثلا، بقوة دفع ذاتي مربوطة بالباب العالي وشبابيكه الهمايونية.
هذه كلها براهين على اختلاط غير شرعي بين الإعلام الفضائي مع وسائل التواصل الاجتماعي، نتيجة خلوة غير شرعية وفرتها عوالم الفضاء الافتراضي فامتزج الواقع بالوهم.
إعلامي أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة