على إثر الأحداث الأخيرة التي تفجرت داخل الجهاز التنفيذي لاتحاد كتاب المغرب، بعدما أبت الكاتبة والمناضلة ليلى الشافعي، إلا أن تفضح كل الممارسات اللا أخلاقية، حسب قولها، وذلك قبيل انطلاق أشغال المؤتمر التاسع عشر للاتحاد والمزمع تنظيمه في شهر تشرين الثاني/نوفمبر ضد ليلى الشافعي، ولا مع ولا ضد المتهمين، وإنما مع الاتحاد الذي ناضل من أجله الشرفاء، وضد طريقة تدبير الاختلاف بين الطرفين، بعد الأحداث التي كانت بمثابة القشة التي قــصــمت ظــهـــر البــعـــير، وجـعــلت الكتاب ينشطرون بين مناصر لهذا ومعارض لذاك.
سنحاول من خلال هذه الورقة، معالجة موضوع لطالما أرّق الكتاب والمثقفين المغاربة في السنوات الأخيرة، بفعل المشاكل المتكاثرة التي تخبطّت فيها منظمة عتيدة، ساهمت في بلورة وعي وطني بعد الاستقلال، من خلال وضع مشروع ثقافي وطني رفيع سرعان ما سيُدنِّسه التكالب السياسوي لبعض النخب السياسية على هذه المنظمة، في إطار الصراع بين القوى الديمقراطية والمخزن. يتعلق الأمر بمصير اتحاد كتاب المغرب، الذي تعطلت آلياته وبهت بريقه في السنوات الأخيرة، لدرجة أن البعض أصبح يلوح بفكرة مفادها أن الاتحاد قد استنفد ذاته، وغدا ضربا من الماضي.
فليس من شك في أن أزمة اتحاد كتاب المغرب، معقدة ومتشابكة، ليلها يلج نهارها؛ إنها أزمة بنيوية بكل المقاييس، وهي أيضا وعطفا، أزمة مشروع ثقافي وطني، لا يمكن فصله في أي حال من الأحوال، عن أزمة المجتمع المغربي، الذي يفور ويمور بأديم شرط تاريخي معطوب.
والحق إن هذه الجمعية، ذات النفع العام، التي تحولت إلى نفع خاص، راكمت ما يكفي من المطبات، ما جعلها تلج النفق المسدود بعينين مغمضتين. لقد عاش الاتحاد، فيما مضى، حراكا فكريا وثقافيا ملبدا بصراع سياسي – أيديولوجي استُخدم لفائدة نسق فكري بعينه، الشيء الذي أعدم فاعلية هذه الجمعية، وأسقطها في مأزق التشويه في الممارسة، تلك التي لا تحتكم إلى قواعد الديمقراطية.
إن أمرا كهذا لم يكن بمقدوره أن ينتج سوى خطاب مزدوج اللسان، سرعان ما ستنفك أواصره وتتفجر تناقضاته لاحقا. هو خطاب يرعى كل نزوع حداثوي مزدان بالنفاق والإزدواجية الخفية كحالة سيكوباثية. والحاصل إن أزمة الاتحاد الآن، ما هي إلا نتاج لمجموعة من التراكمات التاريخية، منها ما هو ذاتي مرتبط بالكتاب أنفسهم، ومنها ما هو موضوعي، له صلة بالشرط التاريخي الذي ترعرعت فيه هذه المنظمة. فلا مراء في أن عدم فصل الكتاب، في مرحلة البناء والتأسيس، بين الثقافي والسياسي، إذ بينهما خيط رفيع، جعلهم، في أغلب الأحيان ينظرون إلى الثقافة نظرة ذيلية، بمعنى أنها ليست سوى تابع يرعى الصراع السياسي، ويخدم، من ثمة، أجندة سياسية ليس إلا. لقد بات المثقف – السياسي، والوضع هذا، يدافع عن مشروعه الثقافي- السياسي بهدف السيادة وبلوغ السلطة التي ستكون سببا رئيسيا في تعطيل فاعلية الاتحاد، أيضا وعطفا، على ما سلف، فإن القوى الديمقراطية، وبعد صعودها إلى الحكم في تسعينيات القرن المنصرم، ستتنصل من مسؤولياتها تجاه الاتحاد خاصة، وتجاه الشأن الثقافي بشكل عام، ومن ثمة ستزج بالمشروع الديمقراطي المغربي في المهب، حيث سيدخل العديد من الكتاب في سباق محموم، وتكالب على المناصب والامتيازات.
إن هذا الارتباط التاريخي الوثيق والواثق بين الاتحاد وأحزاب المعارضة، خاصة اليسارية منها، بالإضافة إلى عوامل أخرى لها علاقة بالمخزن ونظرته العدائية للثقافة باعتبارها مؤثرا حيويا في حركية المجتمع، وفاعلا إيجابيا في الصراع الطبقي، جعل الاتحاد يلوك الأعطاب والمطبّات، ويعيش حروبا مجانية أدخلته غرفة العناية المركزة مباشرة، قبل أن تودي به إلى الموت السريري. ولنا أن نتصور حجم الفداحة التي ستصيب عمارة الاتحاد المتبرمة من بعض الجمل الاعتراضية التي ما فتئت تناضل من أجل مشروعها الثقافي المتشاكس، برؤية رائقة إلى المستقبل، بعيدا عن مكيفات الصالونات وبرودة القاعات والمجاملات والإخوانيات والسفريات والامتيازات وهلم نفعا.
لقد جرت الكثير من المياه تحت جسر الاتحاد، وسيُعقد مؤتمره في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بعد شد حبل بين داع لدمقرطة الشأن الثقافي عبر بوابة الاتحاد، ويائس يرى في المؤتمر نهاية أزمة إطار عتيد. لكن سنكون واهمين إن اعتقدنا في لحظة من اللحظات، أن محطة تنظيمية، ينظر إليها في ذاتها، كفيلة بإخراج منظمة كهذه من عنق الزجاجة. لأجل هذا نسوق في هذه الورقة بعض المقترحات، نعتبرها أولية نحو نقاش معمق وحقيقي لإسعاف هذا العطب، فحاجتنا اليوم للاتحاد، هي أكبر من أي وقت مضى. ففيما يخص المقترحات العامة نسجل ما يلي:
أولا- ضرورة عقد مناظرة وطنية لتدارس الوضع الراهن للثقافة الوطنية وكذا آفاقها ومستقبلها، بإشراك كل الفاعلين والمتدخلين في الشأن الثقافي بدون إقصاء لأي جهة ما.
ثانيا- صياغة مشروع ثقافي وطني يرتكز أساسا على مبدأ الديمقراطية الحقة والحكامة في تدبير الاختلاف، ويشجع على الإبداع والخلق من خلال تهيئة المناخ المناسب والكفيل بتيسير ظروف ملائمة للمنافسة الشريفة القائمة على التسامح والتعددية والوئام، بعيدا عن الأحقاد، وعلى الدولة أن تتبنى هذا المشروع وأن تعمل على إنجازه وتحقيقه.
ثالثا- التزام كل المشاركين والفاعلين والمتدخلين في الشأن الثقافي في البلاد، بمضمون الميثاق| المشروع.
رابعا- اعتبار التعليم القاطرة الأساسية لإنجاح هذا المشروع، وكذا المدخل الطبيعي لتكريس ثقافة القراءة، والحق فيها، وحرية الإبداع. لكل هذا على الدولة والمتدخلين في الشأن التربوي أن يضعوا سياسة تربوية في قطاع التعليم، تتماشى ومضمون الميثاق.
خامسا- اعتبار الشأن الثقافي محركا حيويا للاقتصاد الوطني، ومن ثمة وجب الاستثمار فيه عبر إقحام الرأسمال الوطني في هذا المجال، وتشجيعه على الاستثمار في الثقافة.
سادسا- ضرورة اهتمام الدولة بالثقافة ورعايتها، من خلال الرفع من ميزانيتها الهزيلة.
سابعا- زيادة دعم الدولة لمنظمة اتحاد كتاب المغرب ولباقي الجمعيات الوطنية الجادة، مع إجبار الجماعات المحلية والمجالس الإقليمية والجهوية على التعاطي الإيجابي مع هذه الجمعيات.
أما في ما يخص الاتحاد ذاته، فنقترح ما يلي:
أولا- تفعيل فروع الاتحاد في المدن القريبة والبعيدة، بدعمها ماديا ومعنويا، بدل تركها معطلة أو موسمية في أحسن الأحوال.
ثانيا- منح الفرصة للكتاب ذوي الكفاءات العالية في التسيير، بدون إقصاء لأولئك الذين يقطنون، بعيدا عن محور الرباط – البيضاء، بدعوى بعدهم عن المركز.
ثالثا- إعادة هيكلة الاتحاد وفق منظور جديد يضمن مبدأ الاستقلالية والديمقراطية الحقة، تلك التي ترعى الخصوصية والجودة والحكامة، وتضمن حق الأقلية كما الأغلبية.
رابعا- خلق مناخ مناسب للتنافس الشريف بين فروع الاتحاد، وتخصيص جوائز تحفيزية بقصد التشجيع على الاجتهاد.
خامسا- استثمار الاتحاد لكل الوسائل المتاحة، خصوصا الإعلامية منها، للخروج بأنشطته، من داخل المقرات والقاعات والصالونات الباذخة، إلى الشارع وكذا اقتحام البيوت عبر النت.
سادسا- محاربة ونبذ كل أشكال الريع الثقافي التي من شأنها أن تفتح الباب للانتهازية والانتهازيين المتربصين بهذا الإطار.
سابعا- تطوير عقليات وسلوك الكتاب الساهرين على تسيير أجهزة هذا المرفق، بما يخدم مصلحة الاتحاد والكتاب، وبما يخدم المشروع الثقافي الوطني القائم على التعدد والتنوع والحرية.
ثامنا- الانفتاح الإيجابي على الكتاب الشباب وإشراكهم في تحمل المسؤولية.
تاسعا- عدم النظر إلى الكاتبات من منظور استهلاكي أو حتى انتخابوي.
أما بعد، تلكم بعض المقترحات التي نظنها إلى جانب أخرى، قادرة على تصحيح وضع منظمة عتيدة ظلت لمدة ليست بالقصيرة قاطرة الشأن الثقافي، ليس في المغرب وحده، بل في الوطن العربي برمته، ومن له ذرة شك في ذلك، فإن التاريخ شاهد.