الدوحة – «القدس العربي»: لعبت الدوحة ممثلة بالمركز الدولي للأمن الرياضي، الذي أسسته قبل فترة وتحتضن مقره برفقة الأمم المتحدة من خلال مكتبها المعني بالمخدرات والجريمة، جهودا معتبرة للتوصل لاتفاقية شراكة نوعية من شأنها مساعدة دول العالم في تسهيل التحقيقات ومراحل التقاضي في ما يتعلق بجرائم التلاعب في نتائج المباريات في البطولات والمنافسات الرياضية العالمية المختلفة.
وتشكل جرائم التلاعب بنتائج المباريات وبعض المنافسات الرياضية الدولية الهامة قضايا وأزمات عصية تبحث الاتحادات الدولية للرياضات واللجان الأولمبية حلولا عملية للقضاء عليها وإيجاد آليات قانونية لدعم التحقيقات العابرة للحدود في إطار المعاهدات الدولية القائمة. وعقد في قطر اجتماعا رفيع المستوى نظمه المركز الدولي للأمن الرياضي والأندوك تحت عنوان النزاهة الرياضية: تبادل المعلومات عالميا من أجل تسهيل التحقيقات والتقاضي في قضايا التلاعب بنتائج المباريات. ولأول مرة يعترف العالم بالجريمة المنظمة في الرياضة ويسعى الفاعلون في المجال لبدء أولى الخطوات العملية لاعتبار التلاعب في نتائج المباريات جريمة مكتملة الأركان تماما مثل الجرائم الأخرى، وهو الأمر الذي يسعى إليه المركز الدولي للأمن الرياضي عبر مواصلة بناء تحالف دولي لمكافحة التلاعب في نتائج المباريات والمراهنات غير الشرعية والجرائم المنظمة الأخرى في الرياضة. وتعد الاتفاقية التي تم التوقيع عليها في الدوحة بحضور رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية القطري الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني، الأولى التي تجمع معا العديد من المنظمات الدولية المعنية وأبرزها الأندوك واليونسكو والمجلس الأوروبي ومؤسسات أكاديمية مرموقة مثل جامعة باريس الأولى السوربون، إلى جانب المركز الدولي للأمن الرياضي للاعتراف بتعاظم المخاطر التي تهدد مستقبل الرياضة. وبموجب هذه الاتفاقية سيعمل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمركز الدولي لوضع عدد من الآليات لدعم جهود محاربة التلاعب في نتائج المباريات والمراهنات غير الشرعية وحماية الرياضة من الفساد والجريمة المنظمة وذلك بمشاركة المؤسسات الدولية المذكورة.
خطر المافيا
يوري فيدوتوف المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة يؤكد: «إن خطر مافيا الجرائم المنظمة وكيف تستخدم الآن التلاعب في نتائج المباريات والفساد والمراهنات غير الشرعية تشكل في واقع الأمر قضايا رياضية لا يتعين على الحكومات ولا جهات إنفاذ القانون غض النظر عنها بعد الآن فهي مشاكل عابرة للقارات والدول وتؤثر في المجتمع بكامل طبقاته». واعتبر فيدوتوف «أن العمل مع الدول الأعضاء في الأندوك وفق معاهدة الأمم المتحدة ضد الفساد (يونكاك)، تبرز أهمية هذه الشراكة الجديدة مع المركز الدولي للأمن الرياضي كواحد من أبرز بيوت الخبرة العالمية المتخصصة في النزاهة الرياضية وعلى نحو يزود المحققين وسلطات الادعاء العام بالأدوات والمصادر اللازمة لمكافحة خطر التلاعب في نتائج المباريات في ظل تزايد تداخل الجريمة في الرياضة». وتابع المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (الأندوك): توقيع هذه الشراكة خطوة مهمة ومتقدمة في الطريق لحماية الرياضة وأنا أشجع الحكومات وجهات إنفاذ القانون والمنظمات والاتحادات الرياضية الدولية وكذلك المؤسسات العامة والقطاع الخاص بتنفيذ الإجراءات التي ستأتي في الدليل الموحد ضمن الشراكة مع المركز الدولي للأمن الرياضي».
حلول جذرية
وأوضح محمد حنزاب رئيس المركز الدولي للأمن الرياضي في تصريح بالمناسبة «أن جهود المركز على مدار الأعوام الماضية أسفرت عن تغير نظرة المنظمات الأممية العالمية تجاه الجريمة المنظمة في الرياضة، وتجسد ذلك في التوصل لاتفاقية الشراكة مع أحد أهم منظمات الأمم المتحدة وهي الأندوك، المنظمة الأممية المعنية مباشرة بالجريمة وتعريفها في شتى أنحاء العالم وهي الاتفاقية التي من شأنها تأطير جرائم تهدد مستقبل الرياضة».
وأكد حنزاب أن «مؤتمر الأمم المتحدة بالدوحة وضع أول لبنة للاعتراف الدولي بالجريمة المنظمة في الرياضة بعدما بدا واضحا للعالم أن تأثير مخاطر التلاعب في نتائج المباريات لا يطال الرياضة فقط بل يتعدى آثاره إلى المجتمع والناس في مختلف دول العالم، ولهذا كله فإن قضية التلاعب في نتائج المباريات أصبحت قضية لا يمكن للمؤسسات الرياضية ولا الحكومات تجاهلها بل حان الوقت لإيجاد حلول جذرية لهذه القضايا».
وقال رئيس المركز الدولي للأمن الرياضي إن الأندوك تأخذ موقعها في طليعة المنظمات العالمية في مكافحة الجريمة، ولذلك فشراكة المركز الدولي للأمن الرياضي مع هذه المنظمة الأممية المحورية تعد تطورا نوعيا في مكافحة التلاعب في نتائج المباريات والجريمة المنظمة في الرياضة. وأشار محمد حنزاب إلى أن اتفاقية الشراكة، التي تنص على تعاون وثيق مع اليونسكو والمجلس الأوروبي، ستمكن المحققين وهيئة الادعاء العام عبر تزويدهم بالأدوات المناسبة والسلطات التشريعية المطلوبة بشكل يسمح للاتحادات والمؤسسات الرياضية والحكومات بمواجهة خطر التلاعب في نتائج المباريات، وكذلك علاج ما يطرأ من تكتيكات جديدة تستخدمها مافيا الجرائم المنظمة.
وأكد حنزاب أن المركز الدولي للأمن الرياضي يسعى جاهدا وبكل الوسائل ومن خلال سائر المنظمات الدولية لحماية الرياضة وتمكينها من مواجهة المخاطر المحدقة بها حاليا، ونحن نتطلع الى أن تكون هذه الاتفاقية مع الأندوك بداية فجر جديد للرياضة وأن تسفر عن وضع إطار عمل جديد يعترف بشكل نهائي بالتلاعب في نتائج المباريات كجريمة دولية وهذا في حد ذاته انتصار لمسيرة الرياضة العالمية وأحد إنجازات مؤتمر الأمم المتحدة الثالث عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية الذي وضع أول لبنة للاعتراف الدولي بالجريمة المنظمة في الرياضة.
التلاعب بالنتائج أزمة تؤرق الفيفا
يعد الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) أحد أبرز ضحايا الشبكات الاجرامية الممارسة لعميات تدليس وتلاعب بالنتائج. ويعمل الفيفا بشكل وثيق مع الاتحادات الأعضاء والإنتربول لمكافحة قضية التلاعب بالمباريات. وتشمل المبادرات رصد أسواق المراهنات عبر نظام الإنذار المبكر (EWS) وإنشاء أداة التعلم الالكتروني للأخلاقيات وخط الاستقامة الساخن والبريد الالكتروني ونظام التبليغ السري.
ويسجل الاتحاد العديد من الحالات موثقة للتلاعب، وقام بفرض عقوبات عدة على غرار الغرامات التي فرضها على 27 لاعباً لهم علاقة بإجراءات التلاعب بالمباريات والتي نظمتها الاتحادات الاستونية واللاتفية والسويدية والتشيكية لكرة القدم.
وعاقبت اللجنة التأديبية في الاتحاد الإستوني لكرة القدم، التي اجتمعت في 5 ديسمبر/ كانون الأول 2014، 21 لاعباً بحرمانهم من أي نشاط متعلق بكرة القدم. وتضمنت العقوبات: تسع حالات إيقاف مدى الحياة، وحالتي إيقاف لستة أعوام (حتى 5 ديسمبر/ كانون الأول 2020)، وست حالات إيقاف لأربعة أعوام (حتى 5 ديسمبر/ كانون الأول 2018)، وحالتي إيقاف لعامين (حتى 5 ديسمبر/ كانون الأول 2016) ومثلهما لمدة عام واحد (حتى 5 ديسمبر/ كانون الأول 2015). بعض من اللاعبين الذين عاقبتهم اللجنة التأديبية في الإتحاد الإستوني لكرة القدم في ديسمبر/ كانون الأول 2014 عوقبوا سابقاً على أساس مؤقت.
ومن اللاعبين المعاقبين هناك 16 يحملون الجنسية الإستونية وخمسة يحملون «جنسية غير محددة» (إنه، وفقاً للإتحاد الإستوني لكرة القدم، مصطلح يستخدم للدلالة على شكل من انعدام الجنسية لأشخاص من الإتحاد السوفييتي السابق). وتتعلق العقوبات بتلاعب في مباريات من دوري الدرجة الأولى الإستوني وكأس إستونيا ومباريات المنتخب الإستوني تحت 21 سنة. وأربعة من اللاعبين استأنفوا ضد القرارات التي اتخذتها اللجنة التأديبية في الاتحاد الإستوني لكرة القدم، وفي 12 يناير/ كانون الثاني 2015 رفضت لجنة الاستئناف في الاتحاد الإستوني لكرة القدم هذه الطعون.
وفي لاتفيا، قررت اللجنة التأديبية في الاتحاد اللاتفي لكرة القدم في 24 اكتوبر/ تشرين الأول 2014 معاقبة اللاعبين اللاتفيين يفغينيس كوسماشوفس وألكسندر فلاسوفس إضافة إلى المسؤولين يفغينيس كلوبوفس (لاتفي) وإيفان تابانوف (مولدافيا) بالإيقاف المؤقت عن أي نشاط متعلق بكرة القدم، وذلك في نطاق التحقيق المتعلق بالتلاعب بمباراة. على الرغم من أن اللاعبين وأحد المسؤولين طعنوا بالقرار، فالعقوبات ذات الصلة بقيت بعد أن رفض الطعن في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 من قبل لجنة الاستئناف في الإتحاد اللاتفي لكرة القدم.
وفي السويد، عاقبت اللجنة التأديبية في الاتحاد السويدي لكرة القدم اللاعب الصربي عدنان إيروفيتش في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014 بحرمانه من أي نشاط كروي للفترة الممتدة بين 12 سبتمبر/ ايلول 2014 – 11 سبتمبر/ أيلول 2016، وذلك على خلفية محاولة التلاعب بمباراة في الدوري الدرجة الثانية السويدي. واستأنف اللاعب ضد القرار، وفي 3 فبراير/ شباط 2015، رفضت المحكمة السويدية العليا الرياضية استئنافه.
وفي جمهورية التشيك، قرر المجلس التأديبي في الاتحاد التشيكي لكرة القدم في 6 مارس/ آذار 2014 معاقبة اللاعب التشيكي دافيد بلاساك بحرمانه من اي أنشطة متعلقة بكرة القدم لمدة خمسة أعوام (حتى 6 فبراير/ شباط 2019)، على خلفية التلاعب بمباراتين أقيمتا عام 2013 في الدوري التشيكي لكرة القدم.
أزمة خانقة للرياضة
يسعى المتلاعبون بنتائج المباراة إلى ضمان نتائجها وفق حساباتهم، وأحيانًا لا تكون أهمية المباراة العنصر الأهم، إذ يتم التعامل مع مباريات هامشية أو متوسطة الأهمية، فالقضية الأبرز هي ضمان أن تتوافق نتيجة المباراة مع النتيجة التي يتم عليها الرهان، ومن أجل تحقيق ذلك تسعى هذه المنظمات والعصابات إلى أن تكون قريبة من عالم كرة القدم، وتعزز علاقاتها بوكلاء اللاعبين ومتعهدي إقامة المباريات ومنظمي الدوريات والبطولات ومقدمي الخدمات اللوجستية وأي أعضاء فاعلين أو عناصر مؤثرة في اللعبة سواء كانوا لاعبين أو مدربين أو إداريين، بما يسهم في ضمان تحقيق النتائج المطلوبة في المباريات الخاضعة للمراهنة وتحقيق الأرباح الحالية. وتقوم هذه المنظمات والعصابات دائما بعمليات اختراق للساحة الرياضية بكل الأدوات الممكنة، سواء باستغلال الحاجات الفردية للعاملين في الساحة الرياضية والمؤثرين في نتائجها، أو قد تتجه في حال فشلها إلى إتباع السلوك الإجرامي من خلال الابتزاز والتهديد والتصفية الجسدية، كما حصل مع أحد اللاعبين الكوريين الذي أقدم على الانتحار بعد ضغوط عالية مورست عليه من إحدى العصابات الكورية للتلاعب بنتيجة مباراة. ويستغرق التحقيق في قضايا التلاعب في المباريات وقتاً طويلاً، يمتد أحياناً أعواماً، خصوصاً في ظل ارتباطه بعمليات الجريمة المنظمة التي تعمل في نطاق جغرافي واسع وفي دول عدة، ما يتطلب متابعة جهات أمنية عدة، ما يستدعي في الغالب الاستعانة بمنظمات أمنية توفر غطاء متابعة أمني دولي، مثلما حدث في العقد الموقع بين الاتحاد الدولي لكرة القدم والإنتربول.
ومن شأن الاتفاقية الجديدة التي تم التوقيع عليها في الدوحة مساعدة المؤسسات والجهات والاتحادات الدولية لتضييق الخناق على المنظمات الاجرامية العابرة للحدود وكشف ممارساتها وفضح ألاعيبها مع منح القائمين على مهمة التقصي الحصانة وتزويدهم بالمعلومات الدقيقة.
سليمان حاج إبراهيم