اتفاق أمريكي ـ روسي على فدرالية في سوريا… وفي حمص وحلب حقائق الأرض تعرقله… وتردد أوباما يقلل من فرص الرئيس الأمريكي القادم في المشاركة في حل سلمي للأزمة

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: تركز الحديث منذ أيام على القرار الروسي سحب قواتها من سوريا بعد إعلان الرئيس فلاديمير بوتين عن «اكتمال المهمة».
وكتبت الكثير من التعليقات حول الثمار التي انتجتها الحملة الروسية في الأشهر الستة الماضية. وكما قال بوتين يوم الخميس فروسيا تملك اليوم المبادرة وتستطيع العودة إلى سوريا في ساعات. فهي لم تخرج بالكامل ولديها قاعدة بحرية في طرطوس وجوية في اللاذقية.
وتقول مجلة «إيكونوميست» إن الطريقة التي أعلن فيها الرئيس بوتين القرار ليست غريبة فهو رجل يحب المفاجآت ومع ذلك يمكن استنتاج أمور عدة من قراره.
أولها أن روسيا لا تقوم بسحب قواتها بالكامل من سوريا وستبقي على حوالي 1.000 مستشار عسكري للعمل مع جيش النظام السوري، كما أنشأ الروس نظاماً للدفاع الجوي إس-400 قرب الحدود التركية وسيتم الاحتفاظ به.
وفي الوقت الحالي قررت روسيا وقف الإلتزام اليومي الحربي الذي كان يكلف الخزينة الروسية 3 ملايين دولار أمريكي أو ما مجموعه 490 مليون دولار.

دعم النظام

أما الأمر الثاني الذي تجليه حقيقة «المهمة» التي لم تهدف في الـ 9.000 طلعة جوية لتدمير الإرهابيين وقوى الشر كما زعم بل كانت من أجل حرف ميزان الحرب لصالح الرئيس السوري بشار الأسد.
وتحدث وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو متفاخراً عن الدور الذي لعبه الطيران الروسي في استعادة النظام لـ400 بلدة وقرية.
وفي الوقت الذي كان فيه الحفاظ على النظام هدفاً إلا أن بوتين لم يفكر يوماً بمنح الأسد صكاً على بياض يسمح له باستعادة السيطرة على كامل البلاد.
فتصريحات الأسد وعدم رغبته بالتعاون وبشكل جدي في محادثات جنيف أغضبت الروس. ومع ذلك فلا أحد يعرف طبيعة القرار الروسي وإن كان يعبر عن استعداد للتخلي عن الأسد طالما كان لموسكو دور في تحديد من يخلفه، إلا أن سحب القوات الروسية كان تذكيراً للأسد بأن لا يكون «الذنب الذي يحرك الكلب».
أما النتيجة الثالثة فهي الفكرة التي ناقشها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي والمتعلقة بنوع من الحكم الفدرالي باعتباره الطريق الأفضل لتحقيق السلام في سوريا. والصورة لهذا الحكم مقبولة لروسيا.
وتتكون من منطقة علوية تمتد من اللاذقية في الشمال إلى دمشق في الجنوب ومنطقة حكم ذاتي كردية تمتد على طول شمال- شرق سوريا أو ما يطلق عليها الأكراد بروجوفا.
ويدير السنة بقية البلاد حيث سيتلقون الدعم من الطيران الروسي والقوى الغربية لطرد تنظيم «الدولة» من مدينة الرقة.
والمشكلة في هذا المقترح أن الحقائق على الأرض لا تدعمه. فمن بين أهم المعوقات لتطبيقه هي أن المدن الكبيرة خاصة في حمص وحلب اللتين لا تزالان لا محلاً للنزاع.
وفي الوقت الذي حاصرت فيه قوات النظام والميليشيات المؤيدة له حلب بطريقة أو بأخرى إلا أن المستشارين العسكريين الروس والإيرانيين لا يعولون كثيراً على الجيش التابع للنظام استعادتها بشكل كامل خاصة بعدما عانى من استنزاف بشري في السنوات الخمس الماضية وخسارة في معداته وقدراته.
وبدأ الإيرانيون وبشكل هادئ بسحب قواتهم من سوريا بعد تزايد أعداد القتلى بين الجنود والمستشارين منهم.
وماذا يعني كل هذا لمحادثات السلام التي يشرف عليها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا. لا شيء في الواقع. فالقوى الإقليمية خاصة السعودية وإيران لا تزال متصارعة والعلاقة بين تركيا والأكراد أصبحت أكثر مرارة وتعقيداً.
ورغم محاولة بوتين التأكيد للأسد والمعارضة على حد سواء أن أياً منهما لن يستطيع الحصول على ما يريد إلا أن أياً منهما لا يريد التنازل للآخر.

أسباب أوباما

وهل هذا هو السبب الذي جعل الرئيس الأمريكي يتردد في التدخل بسوريا وترك الساحة ليملأها الروس والإيرانيون وتنظيم «الدولة».
لا شك أن تردد أوباما نابع من رؤيته لتجربة أمريكا في المنطقة خلال العقود الماضية فهو في البداية لم يرد تكرار تجربة الحرب في العراق وأفغانستان.
وفي المقابلة التي أجراها جيفري غولدبيرغ معه الأسبوع الماضي ونشرتها مجلة «ذا أتلانتك»عبر عن مواقف واضحة من العالم العربي.
وهي مواقف أغضبت السعوديين الذين يعتقد أن العلاقة معهم «معقدة» وأن مقياس تقدم المجتمع هو من خلال معاملته للمرأة «أي بلد لا يمكنه التحرك في العالم الحديث عندما يضطهد نصف سكانه». ورغم اللهجة الدفاعية التي بدت من كلام أوباما إلا أن الرئيس كان واثقاً من موقفه من سوريا.
ويرى أن قراره عدم معاقبة النظام السوري كان من أهم القرارات التي اتخذها منذ وصوله للسلطة، خاصة أنه كان يخشى من الوقوع في المصيدة. ومن الصعب فهم شعور أوباما بالفخر بعد النتيجة التي وصلت إليها الحرب السورية وما حصل من تدمير وتشريد للشعب السوري. وكما لخص غولدبيرغ مقالته بالقول إن التاريخ سيحكم على أوباما من خلال الأشياء التي لم يفعلها. وستكون سوريا هي إرثه وليس بالضرورة الإتفاق النووي مع إيران أو تطبيع العلاقات مع كوبا.

لماذا لم يتدخل في سوريا؟

وفي هذا السياق كتب ستيف هيديمان مقالة نشرها معهد بروكينغز في واشنطن محاولاً تجلية الوضع حول عدم تدخل الولايات المتحدة في سوريا.
وفي البداية قال إن سوريا التي وجدت قبل الحرب ذهبت بدون عودة، خربت وشرد أهلها ودمر اقتصادها وأصبحت أرضها يباباً نتيجة لأفعال قادتها والراعين الدوليين لهم.
ويرى الكاتب وهو باحث غير مقيم في مركز سياسات الشرق الأوسط أن سوريا اليوم تحولت لحالة من «العنف المعولم» وموضوع للإفتراس يتقاتل عليها خليط من المرتزقة المتعددي الجنسيات.
وأصبحت سيادتها مخترقة لأن نجاة النظام كان مقدماً على وجود البلد. أما المعارضة المسلحة فلا تزال مشتتة ولا يخدمها زعماؤها السياسيون بشكل جيد وفي حالة ضعف لم تشهدها منذ خمسة أعوام. ويرى أن الذكرى القاتمة للثورة حلت ومضت بعدما أكد النظام سيطرته بدعم روسي وإيراني.
ويعتقد الكاتب أن أسباب تآكل الدولة كثيرة، فوحشية النظام كان واحداً من الأسباب. كما أن نظام الرئيس الأسد ساعد تنظيم «الدولة» أو ما يعرف بالخلافة.
ولا ينسى الكاتب دور المعارضة المنقسمة التي ظلت أسيرة لطموحات قادتها ولعبت دوراً في تحطيم الدولة.
ولا يمكن تناسي دور ما أطلق عليهم «أصدقاء سوريا» وهي المجموعة التي أنشئت عام 2011 لتنسيق الدعم الدولي للمعارضة وتحت قيادة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. ورغم إعلان الرئيس أوباما في آب/أغسطس 2011 ضرورة تنحي الأسد عن السلطة إلا أن حسابات الإدارة من ناحية المصالح والقيود والثمن قادها للتعامل مع سوريا والسوريين بشكل يمكن التخلي عنهم.
ويتساءل الكاتب هنا قائلاً: لو كان انهيار سوريا محتوماً بعدما تحرك الأسد لسحق الإنتفاضة مما فتح الباب أمام دوامة من العنف؟
ولو كان هناك شيء يمكن للولايات المتحدة عمله للتخفيف من العنف وتغيير مسار الإنتفاضة والتوصل لعملية انتقال سياسي بناء على بيان جنيف عام 2012؟
ولو كانت هذه الخيارات موجودة كما تحدث مسؤول سابق في إدارة أوباما فلماذا لم تعمل الولايات المتحدة على تحقيقها؟ والجواب كما يقول هو سيادة التحيز المعرفي العميق ضد المخاطر.
فقد كان الرئيس والمسؤولون حوله يخشون من نتائج سلبية حالة قامت الولايات المتحدة بالتدخل، رغم أن الثمن الذي دفعه السوريون بسبب عدم تحرك الولايات المتحدة كان أكبر وفي تزايد مستمر.
وظلت حسابات الخطر لدى الإدارة كما هي وبدون تغير. وظل الرئيس أوباما ومستشاروه يبررون مواقفهم بعدم التدخل على خلفية الخوف من التورط أو تحول المهمة القصيرة إلى مهمة زاحفة. أي الوقوع في مستنقع على الطريقة الأفغانية.
ونظراً لخوف الإدارة من خروج الأوضاع عن السيطرة حالة تدخلت فقد تمسكت بمدخل يتعامل في الحد الأدنى مع الأزمة السورية.
وبعيداً عن الحملة العسكرية الجوية ضد تنظيم «الدولة» فقد وجهت واشنطن كل جهودها نحو المساعدات الإنسانية كي تخفف من المأساة الإنسانية الناجمة عن الحرب. ولم تفعل إلا القليل كي تتصدى للمسبب الرئيسي للأزمة- تصرفات الأسد ونظامه.

احتواء

ولهذا ركزت الإدارة جهودها على احتواء الأزمة والتأكد من بقائها داخل حدود سوريا. ولكنها لم تنجح فقد تطور العنف وانتشر خارج حدود البلاد جالباً معه ملايين اللاجئين. وفي داخل سوريا أدى تدخل القوى الخارجية إلى تشدد الأطراف المتحاربة بحيث تحول النزاع في سوريا إلى «حرب عالمية مصغرة». ويقول هيديمان إن رفض التدخل العسكري نابع من الإرث السابق في العراق وسوريا وكذلك من تجربة ليبيا والإطاحة بالزعيم معمر القذافي. فقد انهار هذا البلد تحت سمع ونظر أوباما.
ويرى أوباما في الدرس الليبي واحداً من مظاهر الندم على الكيفية التي يمكن فيها لتدخل عسكري محدود أن يؤدي لتداعيات كارثية. ولم تكن «الدورس التي تم تعلمها» من العمليات العسكرية السابقة هي وحدها التي لعبت دوراً في تبرير تجنب التورط في حروب الآخرين بل والمقارنات التاريخية بين الدرس السوري ودروس أخرى. وتضم هذه وضع سقف عالٍ للكيفية التي تتدخل فيها الولايات المتحدة حالة تعرضت مصالحها للخطر. وضبط النفس في الطريقة التي يتم فيها استخدام القوة العسكرية والتشارك في المسؤولية مع اللاعبين المحليين وعدم قدرة الولايات المتحدة على بناء الدول. وقد حدد أوباما هذه المعايير في خطابه عن حالة الإتحاد.
ويرى هيديمان أنه في أي نقد فكري صادق لسياسة أوباما السورية عليه الإعتراف بأن شكوك الرئيس وتعلمه من دروس الماضي في العراق وأفغانستان وليبيا.
فتجارب التدخل العسكري الأمريكي لم تكن ناجحة وفي الكثير من الحالات كان ضررها أكثر من نفعها. وطريقة تغيير أمريكا للأنظمة سيئة فلماذا ستكون سوريا مختلفة؟

سوريا والعراق وأفغانستان

وقطعاً هناك ملامح تشابه بين العراق وأفغانستان ولكن الخلافات واضحة. فعلى خلاف سوريا التي شهدت انتفاضة سلمية لم يشهد البلدان حراكاً سلمياً سعى إلى عملية انتقال سياسي. وتم تغيير النظام في العراق وأفغانستان عبر القوة العسكرية.
وفي سوريا لم يكن الخيار العسكري من خلال إرسال قوات كبيرة على الطاولة. ولم تطالب المعارضة السورية تدخلاً عسكرياً شاملاً ولم تدع له أصوات أمريكية طالبت بدعم الثورة السورية. وكل ما طلبته المعارضة هو دعم وليس مشاركة في العمليات العسكرية. كما طالب دعاة السياسة الأمريكية الحازمة في سوريا بتعزيز القوى السورية المعتدلة وحرف ميزان الحرب لصالحهم وتسهيل عملة التحول السياسي بشكل يحمي مؤسسات الدولة والتعامل مع بقايا نظام الأسد من الذين لم تتلوث أيديهم بدماء السوريين.

معارضة معتدلة؟

والسؤال هل وجدت معارضة معتدلة وهل كانت الولايات المتحدة تعرف عنهم ما يكفي لتبرير الدعم وهل كان هذا الدعم كافياً لإحداث تغيير على الأرض؟ والجواب كما يقول هيديمان هو أن الولايات المتحدة لم تكن واضحة في كل هذه القضايا.
وعبر عن هذا الموقف روبرت فورد، السفير الأمريكي في دمشق قبل استقالته. ويرى الكاتب أن زعم الإدارة عدم معرفتها بماهية المعارضة غير منسجم مع الوقائع. فقد كانت تعرف، على الاقل في المرحلة الأولى من الثورة أن غالبية المقاتلين كانوا مجموعة متفرقة تعمل ضمن كتائب صغيرة تتعاون مع أخرى أكبر منها. ولم تكن الأيديولوجيات المتطرفة معروفة إلا بين أقلية صغيرة.
ورغم غياب التماسك بين هذه الجماعات بشكل عرقل من دعمها إلا أنها نجحت في ثلاث مناسبات وبدعم خارجي من وضع النظام على حافة الإنهيار: في عام 2012 و2013 و2015. وظلت المعارضة تحقق تقدما حتى بعد تدخل الإيرانيين. وفي منتصف عام 2015 دفعت المعارضة النظام إلى حافة الإنهيار.
وكان هذا هو السبب وراء التدخل الروسي. ويناقش الكاتب أن الميل للتشدد لم يحدث إلا بعد وقت طويل من الإنتفاضة وكرد على الفشل الولايات المتحدة وحلفائها بدعم المعارضة. واستطاعت الفصائل المعتدلة التابعة للجيش الحر عام 2014 هزيمة تنظيم «الدولة» في مناطق عدة من شمال ـ شرق سوريا.
ونتيجة لفشل الإدارة قراءة عمليات التشدد داخل المعارضة فإنها لم تنتبه إلى عدد من الفرص التي كان بإمكانها وقف تقدم «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة».
ودفع غياب الدعم الغربي للمقاتلين المعتدلين البحث عن تعاون مع جماعات أخرى بدون اعتبار للأفكار الأيديولوجية التي تؤمن بها. فما كان مطروحاً هو الحصول على المال والسلاح لا الفكر.
ويقول هيديمان إن دعماً قوياً من أمريكا والدول الغربية للمعتدلين كان سيوقف معدلات التشدد والميل للتطرف. وحتى عندما يتعلق الأمر بالطائفية فما جرى نتيجة للثورة السورية من استقطاب وطائفية وتطرف كان نتاجاً للعنف وليس سبباً له.
وأظهر الباحث في جامعة برنستون كيفن مازور أن استخدام النظام العنف كان من أجل مفاقمة التوتر الطائفي.
ومهما كانت مبررات المدافعين عن موقف الإدارة بشأن عدم التحرك في سوريا، من كون الأخيرة لا تمثل خطراً على المصالح الأمريكية وليست لها علاقات اقتصادية قوية مع واشنطن إلا أن الحالة السورية تقوض من رؤية الرئيس حول النظام الدولي الذي تشارك فيه الولايات المتحدة المسؤولية مع الآخرين ويؤدي لإنشاء نظام دولي مستقر.
لكل هذا فسيجد الرئيس الأمريكي القادم صعوبة في التأثير على مجريات الأزمة السورية والتحرك نحو حل سلمي. وما تحتاج إليه الولايات المتحدة ليس تدخلاً عسكرياً بل جاهزية لاستخدام قدراتها وتجييرها نحو حل دبلوماسي.
وفي النهاية فاستراتيجية الاحتواء وعدم التحرك هي أعلى ثمناً من التحرك ومخاطره.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية