خلال نيسان/أبريل من سنة 2015 اتفقت الدول الست مع إيران حول البرنامج النووي لهذه الأخيرة. ويعتبر الاتفاق الذي احتضنته لوزان السويسرية منعطفا في دبلوماسية بداية القرن الواحد والعشرين لأنه جنب العالم حربا مدمرة وفتح الباب أمام دبلوماسية متعددة الأقطاب تعكس في العمق كذلك بداية عالم متعدد الأقطاب قد يمتد تأثيره مستقبلا.
ومثل الكثير من الدول، رغبت إيران في امتلاك الطاقة النووية تحت ذريعة تسخيرها في تنمية البلاد. وتعتبر إيران من الدول القليلة في العالم التي نجحت في بناء محطات نووية تعتمد على تقنيتها المحلية أكثر من الاعتماد على صناعة نووية أجنبية، وفي هذه الحالة تقنية روسية ومعدات ألمانية.
لكن طموح طهران اصطدم بعائق رئيسي وهو خوف الغرب من امتلاك دولة بمميزات إيران القنبلة النووية. فإيران تحلم بتصدير ثورتها الشيعية للعالم الإسلامي والتحول إلى دولة رئيسية في منطقة الشرق الأوسط الزاخرة بالبترول وتجعل من القضاء على إسرائيل شعارا مركزيا في عقيدتها السياسية- الدينية. في الوقت ذاته، امتلاك أي دولة عربية سواء سنية أو شيعية أو دولة من العالم الثالث يحرك الغرب لعرقلة امتلاك الطاقة النووية تحت ذرائع شتى بينما لا حدود للدول الغربية في امتلاك الطاقة.
ومقابل مخاوف الغرب، لم تعرب الدول الكبرى القريبة جغرافيا من إيران مثل روسيا والصين عن تخوفها من المشروع النووي الإيراني. وقد يعود موقف هذه الدول إلى إحساسها أن مصدر الخطر الحقيقي هو سياسة الهيمنة التي ينهجها الغرب وليس دولة مثل إيران. فمنطقة الشرق الأوسط وروسيا والصين تعايشت عبر التاريخ رغم الحروب التي نشبت بينها، لكنها لم تشهد خلال المئة سنة الأخيرة حروبا مدمرة مثل الحرب العالمية الأولى والثانية، وهو ما أرسى نوعا من أجواء الثقة. ومقابل الموقف الروسي والصيني، يسود القلق الأنظمة السنية العربية.
استغرقت المفاوضات بين الدول الكبرى وإيران 13 سنة، من 2012 إلى 2015، وفشلت في محطات متعددة، وهو ما دفع بالكثير من المحللين إلى الحديث في أكثر من مناسبة عن هجوم أمريكي- إسرائيلي بدعم من فرنسا وبريطانيا ودول الخليج العربي السنية على إيران. لكن الحرب لم تقع. وساعد عاملان على تجنب الحرب:
أولا، تأكد الغرب من عدم بلوغ إيران مرحلة إنتاج القنبلة النووية، وهي ستحتاج لبضع سنوات، والحيز الزمني هنا يعطي فرصة للحوار والمفاوضات الدبلوماسية بدل الحرب.
ثانيا، حاولت جميع الأطراف تجنب الحرب، إدراكا منها للفاتورة الثقيلة بشريا وماديا وسياسيا. الهجوم على إيران كان سيقود إلى حرب شاملة ومدمرة في الشرق الأوسط لأن بعض الدول ستعتبرها مسألة وجود ومنها إيران. وبدورها عملت الولايات المتحدة على تجنب الحرب، فبعد الحرب التي شنتها ضد أفغانستان والعراق بدون انتصار واضح وبين، بل نتجت عنها الفوضى الإقليمية، ارتفعت أصوات في واشنطن تحذر من الانعكاسات السلبية للغاية على وزن البلاد في الساحة العالمية في حالة نشوب الحرب. وهذه الانعكاسات السلبية على واشنطن ستكون في صالح روسيا وبشكل أساسي الصين. هذه الأخيرة المرشحة لخلافة الولايات المتحدة في قيادة العالم خلال العقود المقبلة.
وفي الواقع، لم تكن المفاوضات بين طرفين فقط، أي الدول الست الكبرى وإيران، بل كانت مفاوضات متعددة الأطراف والأهداف ومعقدة. أولا، إيران في مواجهة الدول الغربية وأساسا فرنسا والولايات المتحدة، وثانيا، الدول الغربية في مواجهة تصورات الصين وروسيا، وكان البلدان يميلان إلى حق إيران في التخصيب ويعتبران الملف الإيراني مشكلا غربيا وإسرائيليا وعربيا ولا يهم باقي دول العالم.
من جانب آخر، يتجلى نجاح الاتفاقية في عدم تأثر المفاوضات طيلة العشر سنوات التي استغرقتها بالتغيير الذي طال هرم السلطة في الحكومات الغربية. ففي حالة فرنسا، بدأت المفاوضات إبان رئاسة اليميني جاك شيراك والمحافظ نيكولا ساركوزي ثم الاشتراكي فرانسوا أولاند. وحدث الأمر نفسه في حالة بريطانيا من الاشتراكي توني بلير ثم غوردون براون وأخيرا المحافظ دفيد كاميرون. وشهد البيت الأبيض تغييرا من رئيس جمهوري وهو جورج بوش الإبن إلى الديمقراطي باراك أوباما. بينما لا يمكن الحديث عن تغيير في موسكو وبكين بسبب توفر الدولتان على سياسة واضحة المعالم، والأمر نفسه مع إيران التي لا تتأثر بذهاب رئيس ومجيئ آخر، رغم بعض التغيير الطفيف في الشكل وليس العمق بحكم انفتاح وقابلية حسن روحاني للحوار أكثر من سابقه أحمدي نجاد. وهيمنت خطابات الصقور أحيانا وخطابات الليونة أحيانا تجاه إيران ومشروعها النووي، وبقي الهاجس الكبير هو التوصل إلى اتفاق ولو في حده الأدنى تجنبا لحرب يتفاداها الجميع، وهو ما حدث في نيسان/أبريل 2015 في إتفاق لوزان.
ومن ضمن العوامل التي ساهمت في ليونة إيران، نجاحها طيلة العقد الأخير، الذي استغرقت فيه المفاوضات، في تطوير صناعة أسلحة محلية وعلى رأسها الصواريخ الباليستية التي تضمن لها أمنها أمام كل قوة إقليمية بما في ذلك إسرائيل أو الدول العربية السنية التي تقتني أسلحة غربية متطورة.
ولا يمكن إغفال دور الاتفاقيات والمحادثات السرية، وبدأ بعضها يظهر مباشرة بعد التوقيع وعلى رأسها قرار روسيا تزويد إيران بصواريخ س-300 المتطورة، صواريخ تعزز من أمنها في مواجهة إسرائيل واستبعاد خطر هجوم غربي.
الاتفاق بين القوى الست وإيران هو اتفاق عالمي، وهو ما جعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما يقول «إنه اتفاق تاريخي» وجعل الرأي العام العالمي يرحب به باستثناء إسرائيل وبعض الدول العربية السنية الخليجية وعلى رأسها العربية السعودية التي لا تطمئن لنوايا طهران.
وككل اتفاقية ذات طابع دولي أو عالمي، لا يمكن اختزال نجاحها في إيجاد حل لمشكلة معينة وفي لحظة زمنية معينة بل كذلك في التأثيرات التي تمتد مستقبلا. وارتباطا بهذا:
-نفسيا، يمكن اعتبار الاتفاقية منعطفا رئيسيا في السياسة الدولية خلال القرن الواحد والعشرين، تفتح آمال التفاهم والحوار وتعوض منعطفا سابقا خلق توترا في السياسة الدولية، وهي الهجمات الإرهابية 11 ايلول/سبتمبر التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن سنة 2001 وما ترتب عنها من مآس مثل حرب العراق والفوضى التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط الآن وأجواء الرعب وغياب الثقة التي تسود.
-سياسيا، نجحت الاتفاقية في تحقيق توازن هام للغاية، فالمنتظم الدولي نجح في إقناع إيران بعدم تجاوز مستوى معين من تخصيب اليورانيوم، وبهذا فرض، ولو بشكل نسبي، مبادئ وكالة الطاقة الدولية على هذا البلد. وحافظت الاتفاقية على كرامة دولة تعتبر نفسها ذات حضارة عريقة ولم تهنها رغم مواقف بعض الدول الست ومنها فرنسا التي حاولت فرض سياسة الصقور في المفاوضات بما فيها المس بكرامة طهران. كما أعادت الاتفاقية إيران إلى حظيرة المجتمع الدولي بدون حرب وجرى تفادي سيناريو الهجوم على العراق سنة 2003 الذي جرى تحت ذريعة أسلحة دمار شامل لم يتم العثور عليها.
-عمليا، اتفاقية لوزان حول المشروع النووي قد تشكل نموذجا في معالجة قضايا أخرى شائكة تهدد السلم الدولي، ومنها ملفات مشابهة مستقبلا في حالة ظهور دولة لديها طموح نووي.
-تشكيل لجان مثل السداسية مكونة من قوى كبرى قد تشكل نموذجا للجان مشابهة أو أصغر على المستوى الإقليمي بمشاركة قوى إقليمية لمعالجة ملفات دولية وإقليمية، وبهذا فهي لا تعوض الأمم المتحدة بل قد تكون مساعدا ومكملا لها. في الوقت نفسه، نجاح مبادرات من هذا الشكل قد تكون ممهدة لإصلاح منظمة الأمم المتحدة نفسها عبر هيكلة جديدة تقوم على الاتحادات القارية والقوى الكبرى. فقد كشفت التجارب نجاح لجان إقليمية مرتبطة باتحادات قارية غير مرتبطة بالأمم المتحدة في إيجاد حل لنزاعات سياسية ومسلحة شائكة.
في غضون ذلك، يبقى التساؤل العريض، هل سيستغل المنتظم الدولي روح اتفاقية لوزان بكل سلبياتها وإيجابياتها من أجل التعاطي مع ملفات أخرى شائكة تهم الرأي العام العالمي وتعتبر من القضايا التي تقسم العالم وتهدد السلم مثل القضية الفلسطينية.
د. حسين مجدوبي