ماجد البرهومي: رغم أن لليبيا حدودا مع ست دول افريقية، بعضها مؤثر في المشهد الليبي الحالي مثل النيجر وتشاد، إلا أن ما اصطلح على تسميته بـ«دول جوار ليبيا» في خضم الحديث عن الأزمة التي يعيشها بلد عمر المختار، هي أساسا بلدان تونس ومصر والجزائر. فهذه الدول تبدو معنية أكثر من غيرها بما يحصل في ليبيا ولديها رغبة في إنهاء هذا الصراع الدموي الذي طال أمده وإن بدرجات متفاوتة.
ويتجسد هذا الحرص في كثافة اللقاءات والاجتماعات التي تحصل بينها لحل هذا الملف الشائك والتي تسعى فيها هذه الأطراف إلى تقريب وجهات النظر بينها قدر المستطاع. إذ لا يخفى أن مصالح هذه الدول تختلف وتتعارض في ليبيا، لكنها في النهاية تلتقي حول ضرورة إنهاء الصراع في أقرب الآجال خشية على استقرارها الداخلي وحفاظا على الأمن في كل واحدة من هذه الدول الثلاث باعتبار الترابط الوثيق بينها وبين ليبيا من الناحية الأمنية.
تضارب في المصالح
لقد ساندت مصر منذ أن صعد السيسي إلى سدة الحكم اللواء خليفة حفتر، فيما اتهمت تونس زمن حكم الترويكا وحركة النهضة بمساندة إخوان ليبيا، ثم حكومة الوفاق برئاسة فائز السراج وذلك مع انتخاب الباجي قائد السبسي رئيساً للبلاد. في حين اتهمت أطراف ليبية الجزائر بالوقوف تارة مع أنصار القذافي وتارة أخرى مع الإخوان صدا لحفتر وخشية من تمدد النفوذ المصري في البلاد المغاربية من خلال خليفة حفتر.
ويرى أغلب الجزائريين كما بعض الأطراف الليبية أن بلد المليون شهيد هو الأكثر حيادا في الملف الليبي من تونس ومصر وبإمكانه أن يلعب دورا بارزا في إنهاء الأزمة المستفحلة، وهو رأي يرى البعض أنه ينطبق على تونس زمن حكم الترويكا وليس على الموقف التونسي في الوقت الراهن الذي اقترب أكثر من الحياد. لكن عموما يبدو الموقفان التونسي والجزائري متماهيين ومتقاربين في الوقت الحاضر وداعمين لحكومة الوفاق برئاسة السراج والتي انبثقت عن اتفاق الصخيرات الذي انتهت رسميا مدته يوم السابع عشر من الشهر الجاري.
ورغم تخندق مصر الصريح مع طرف سياسي ليبي على حساب باقي الأطراف، إلا أن البيانات الصادرة عن الاجتماعات الخاصة بوزراء خارجية تونس ومصر والجزائر تتحدث باستمرار على تطابق في وجهات النظر. وبالتالي، فإما أن هناك تطابقا فعليا في وجهات نظر المصريين مع كل من تونس والجزائر اللتين تساندان حكومة الوفاق واتفاق الصخيرات، وأن حفتر بات خارج المظلة المصرية، وإما أن ما يصرح به الطرف الرسمي المصري مخالف للواقع وهو للاستهلاك الإعلامي لا غير.
لم يعترف حفتر ماضيا وحاضرا باتفاق الصخيرات وما تمخض عنه، ويؤكد العارفون بالشأن الليبي أن عدم اعتراف البرلمان في طبرق باتفاق الصخيرات مرده إلى رفض حفتر لهذا الاتفاق الذي أكد جل الخبراء والمحللين على أنه ولد ميتا لأسباب عديدة، من بينها عدم اشراك كثير من أطياف الشعب الليبي الفاعلين في المشهد السياسي. كما أعلن اللواء المتقاعد من الجيش الليبي السابق مؤخرا أن اتفاق الصخيرات فقد مشروعيته ورفض الخضوع للمؤسسات المنبثقة عنه في إشارة إلى المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التي يرأسها السراج.
في المقابل تؤكد الخارجية المصرية (حليفة حفتر) في بيان مشترك مع نظيرتيها التونسية والجزائرية، وإثر اجتماع حصل بين وزراء خارجية الدول الثلاث في تونس مؤخرا، «دعمها المطلق للاتفاق السياسي ورفض التدخل الخارجي لما له من تداعيات على ليبيا ذاتها ودول الجوار والتمسك بوحدة ليبيا الترابية». وكان اللقاء السابق لوزراء خارجية تونس ومصر والجزائر قد أكد أيضا على دعم المبادرة الأممية مشيدا بما يبذله المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة (المنبثقين عن اتفاق الصخيرات) لحل الأزمة الليبية. كما عبر وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر (حليفة حفتر) عن ارتياحهم لتقدم مسار مفاوضات توحيد الجيش الليبي .
فهل تمرد خليفة حفتر على حلفائه المصريين الذين لعبوا دورا بارزا في تقريب وجهات النظر بينه وبين الروس؟ وهل تم ذلك بدفع من أطراف خارجية أخرى بالنظر إلى تعدد ولاءاته (الإمارات والأردن وروسيا وحتى فرنسا والولايات المتحدة)؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى مناورة للضغط على السراج والقوى الخارجية الفاعلة المساندة للسراج لتحقيق مكاسب على الميدان؟ وهل لحفتر القدرة على التمرد على القاهرة، الجارة المتاخمة التي تلعب الجغرافيا لصالحها مقارنة بحلفاء اللواء الآخرين؟
الهاجس الأمني
إن ما هو مؤكد أن دول جوار ليبيا ستواصل دعمها للعملية السياسية الأممية ولن تعتبر اتفاق الصخيرات منتهيا مثلما صرح حفتر، ولن تكون مصر الاستثناء، إذ يستبعد أن تغرد خارج السرب خاصة وهي متضررة أمنيا من استمرار الفوضى في بلد عمر المختار. ويرجح أن تقوم هذه الدول بما في وسعها بالتعاون مع قوى دولية، لتطوير اتفاق الصخيرات باتفاق جديد سينبثق عن اجتماعات تونس وسيتم من خلاله تجاوز هنات اتفاق الصخيرات وهي عديدة وتسببت في فشله طيلة السنتين الماضيتين، وهناك أنباء في هذا الإطار تتحدث عن تشريك النظام الليبي السابق في جلسات الحوار المقبلة، وذلك على خلاف ما حصل في الصخيرات، والهدف هو محاولة اشراك الجميع في بناء ليبيا الجديدة حتى لا يشعر طرف بالإقصاء ويتحول إلى مخرب للعملية السياسية.
فما تخشاه دول الجوار ومنها مصر هو استفحال الفوضى وتردي الأوضاع الأمنية وتجدد الاقتتال بين الفرقاء، الأمر الذي سيخدم التنظيمات التكفيرية ويساعدها على إعادة تنظيم صفوفها وسيعود بالوبال على دول الجوار. فكثير من التقارير الأمنية بشأن ليبيا تتحدث عن استقرار لعناصر تكفيرية في الأراضي الليبية كانت قد فرت من العراق وسوريا بعد تضييق الخناق عليها في الأشهر الأخيرة.
وبالتالي فإن المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق سيلقيان كل الدعم من دول الجوار بما في ذلك الدول الحليفة لحفتر وتحديدا مصر وربما تشاد الخاضعة للنفوذ الفرنسي. فقد أثبتت المؤسسات المنبثقة عن الصخيرات قدرتها على ضبط الأمن ومحاربة الإرهاب وبسط النفوذ التدريجي على عدة مناطق هامة وحيوية خصوصا داخل العاصمة طرابلس، وإن كان الأمر قد تم بمساعدة قوى خارجية تدعم السراج وفريقه.