الدوحة ـ «القدس العربي»: حراك دبلوماسي مكثف شهدته الدوحة على مدى أيام تزامنا مع انعقاد القمة الخليجية الأمريكية التي أسفرت عن تفاهمات دولية وتوافقات إقليمية ووضعت خلالها دعائم مبادرات بدأت تختمر وسيتم الإعلان عنها قريبا لتكون أساسا لتفكيك ألغام عدة في أكثر من منطقة وتحديدا اليمن وسوريا وما خلفته من ظواهر وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام التي تجاوزت تبعاتها الحدود وباتت على عتبة استهداف دول المنطقة.
جس النبض
البداية كانت مع زيارة وزير الخارجية السعودي الدكتور عادل الجبير الذي عقد اجتماعا خاصا مع أمير قطر وتلاه وصول رئيس الدبلوماسية الإيرانية جواد ظريف الذي حل في الدوحة ساعات قليلة بعد إقلاع الطائرة الملكية السعودية قافلة نحو الرياض. وحسب ما رشح من الاجتماعين فإن الدوحة استمعت إلى وجهة نظر طهران حيال تطورات الأوضاع في المنطقة ونقلت لها رسائل مشتركة للعواصم الخليجية وعلى رأسها الرياض بخصوص بدء صفحة جديدة وتحييد الملفات العالقة وعوامل التوتر فيما يتعلق بالخليج وفتح قنوات تواصل غير مباشرة بشأن كافة القضايا التي تتداخل فيها الأطراف الخليجية مع الإيرانيين سيما في اليمن والعراق وسوريا.
وشكلت زيارتي الموفدين السعودي والإيراني إلى قطر لبنة الاجتماع الوزاري الحاسم الذي التأم في الدوحة بمناسبة انعقاد لقاء وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي مع نظيرهم الأمريكي لاستعراض خطة العمل المشتركة والشاملة التي تم التوصل إليها بين مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وألمانيا من جهة وإيران من جهة أخرى. وحاول جون كيري الذي دخل القاعة متكئا على عكازه ومتثاقل الحركة وبمشقة أخذ مكانه في القاعة، إقناع الخليجيين بجدوى الاتفاق الذي وقعته بلاده مع عدوهم الأول والتأكيد على خياراته المستقبلية.
اتفاق الأمر الواقع
أمريكا أصبحت رسالتها واضحة لكل معارض لما قام به رئيسها باراك أوباما: «هذا الذي حصل، وهذا ما قمنا به، وهذه بضاعتنا، وما لكم إلا التأقلم مع الوضع والنظر بعقلانية لتبعاته». رسالة تعني للجميع أن لا تراجع عما تم تحقيقه ولا نقاش حول ماضٍ ولى. الوزراء الخليجيون الستة ناقشوا مع ضيفهم جون كيري خطة العمل بمزيد من التفصيل بما في ذلك ما ورد فيها من القيود وحاولوا أن يكونوا عمليين لتدارك بعض مما فاتهم وأخذ عهد موثق من حليفهم على عدم تجاوز أمنهم.
الدول الست تسعى لدفع الولايات المتحدة نحو مزيد من الشفافية معها حتى تطلعها على الإجراءات الوقائية المنصوص عليها في الاتفاق، وما مدى حرية الوصول إلى أي منشأة نووية معلنة أو غير معلنة لإيران. ولا تزال العواصم الخليجية تخشى من أي تفاصيل سرية لم يعلن عنها قد تكون مؤثرة على استقرار المنطقة وتخل بتوازن القوى. وحاول وزراء خارجية التعاون أن يذَكّروا جون كيري بالموقف الذي عبر عنه رئيسه أوباما لزعمائهم في قمة كامب ديفيد بأن: «اتفاقاً شاملاً وقابلاً للتحقق منه، ويعالج بصفة كاملة الهواجس الاقليمية والدولية بشأن برنامج ايران النووي هو من مصلحة أمن دول مجلس التعاون وكذلك الولايات المتحدة والمجتمع الدولي».
تأكيد على علاقة استراتيجية
جون كيري ظل ردحا من الزمن يشرح ويؤكد لنظرائه الخليجيين أن البيت الأبيض يعتبر أن علاقته بدول التعاون استراتيجية وليست ظرفية ولديه معها مصالح تاريخية وعميقة وهو يعمل على ضمان أمن المنطقة، بما في ذلك استقلالها السياسي وسلامة أراضيها من أي عدوان خارجي، وردع أي تهديدات قد تتعرض لها. الخليجيون لم يفوتوا فرصة اللقاء ليعبروا لضيفهم الذي ظل طيلة الاجتماع المغلق الذي استمر نحو الساعتين عن قلقهم من التصريحات الصادرة مؤخراً من بعض المسؤولين الإيرانيين، وأعادوا له التأكيد على رفضهم لدعم ما اعتبروه دعم طهران للإرهاب والتمادي في أنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
عند الخروج من قاعة الاجتماعات في فندق شيراتون الدوحة أصبح وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي مقتنعين أكثر من أي وقت مضى على أنه لم يعد بوسعهم التعويل بشكل دائم على الولايات المتحدة الأمريكية لضمان أمنها، ولابد لها من تفكير جدي في رسم سياستها الخارجية بعيدا عن مظلة واشنطن مجتهدة في فتح قنوات تواصل عدة على أكثر من صعيد. أما رئيس الدبلوماسية الأمريكي فقد همس لزملائه وهو يغادر القاعة أن واشنطن ستسهل لحلفائها تسريع بيع بعض الأسلحة الضرورية والتي استغرقت وقتا طويلا في الماضي مع الشروع في دمج الأنظمة الدفاعية الإقليمية من الصواريخ البالستية بزيادة التمارين العسكرية المشتركة.
حلول سياسية لمشاكل المنطقة
حلول سياسية هي الكلمة الأكثر تداولا خلال اللقاءات التي تمت في الدوحة والاجتماعات المغلقة ورددت في جل التصريحات الصحافية التي عقدها الدبلوماسيون وأفاد بها الوزراء. جون كيري كان هذه المرة من أكثر المتحمسين لاستخدام المصطلح الذي كان إلى وقت قريب نهجا روسيا بامتياز. وباستثناء التشديد على ضرورة محاربة تنظيم الدولة فإن أغلب المسؤولين استخدموا مصطلح حل سياسي وتحديدا في اليمن وسوريا. وقال كيري في هذا السياق: «إن الحل في النهاية سيكون سياسيا في اليمن، وفي سوريا أيضا». ليستطرد قائلا: «إن الأجواء ستكون أفضل قليلا للتحركات التي سنقوم بها، كما سنحافظ على مبادئنا». كما كرر وزير الخارجية القطري الدكتور خالد بن محمد العطية نفس الأمر حينما تحدث عن سوريا مقتنعا أن الوقت الآن للحلول السياسية وإن كان أضاف أن بلاده لا تنظر إلى أي مستقبل لبشار الأسد في حكم هذا البلد الذي لا تزال كل الحلول بخصوصه تراوح مكانها في ظل عدم نضوج المبادرات العملية التي تساهم في إذكاء نار الفتنة ووقف رحى الحرب.
عين روسيا على سوريا
استبق وزير الخارجية الروسي المحنك والملم بقضايا المنطقة والذي كان له دور محوري في هندسة العديد من الاتفاقات وصوله إلى الدوحة لحضور الاجتماعات المتعلقة بالقضايا التي تتابع بلاده تطوراتها بالتأكيد على أن موسكو تدعو إلى تحقيق حلول سلمية لكل من سوريا واليمن وليبيا. وبحسب سيرغي لافروف فإن روسيا أعلنت مبادرة تشكيل تحالف دولي إقليمي مؤقت يضم حكومة الأسد في سوريا ودول المنطقة لمواجهة مخاطر تنظيم الدولة.
وسعى لافروف خلال الاجتماع الثلاثي الذي عقده في الدوحة مع كل من الجبير وكيري لاستكمال جهوده في إقناع الولايات المتحدة والسعودية لقبول بقاء الأسد لمرحلة انتقالية، حيث يعمل منذ فترة للانتقال بهذه المبادرة إلى مرحلة التنفيذ.
لافروف المعروف بنهجه المباشر ولغته الواضحة في تحديد الخيارات التي تعمل عليها بلاده من دون مواربة شدد على إبراز الخلافات حول وجهات النظر بين موسكو وواشنطن فيما يتعلق بدعم المعارضة المسلحة في سوريا، وتنفيذ إنزال بري خارجي، محاولا نقل الأضواء نحو تنظيم الدولة والتأكيد على أنها أكبر تهديد في الشرق الأوسط، وليس نظام بشار الأسد مثلما يؤكد مناوئيه.
الأزمة السورية هيمنت كثيرا على اللقاء الثلاثي الذي جمع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ووزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي يعتبر بمثابة مفتاح أولي لقنوات تواصل مستقبلية بين الرياض وموسكو لتأسيس حلف استراتيجي تعبر من خلاله المملكة العربية السعودية من امتعاضها من التقارب الأمريكي مع إيران.
وبحسب الأصداء التي رشحت من الاجتماعات المتعددة والثنائية والثلاثية التي التأمت في الدوحة أن تكون أساسا لتوافقات دولية يتم التحضير لها خصوصا للملف السوري الذي يشهد ولادة مبادرة جديدة هي البديل المتاح لجنيف 1 و 2 وأيضا بالنسبة لليمن التي يرتقب أن يحدث اختراق فيها في ظل مؤشرات عن انسحاب إيراني تكتيكي مقابل تنازلات سعودية في سوريا.
سليمان حاج إبراهيم