اجتماع الدوحة النفطي والاستعصاء الإيراني

حجم الخط
15

في السابع من الشهر الجاري أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن وزراء الطاقة في روسيا وإيران وأذربيجان سيحضرون محادثات الدوحة لمنتجي النفط داخل أوبك وخارجها التي بدأت أمس، غير أن الموافقة الإيرانية ما لبثت أن انقلبت رفضاً وانعقد الاجتماع من دون تمثيل لها في المؤتمر.
وكانت وكالة «انترفاكس» الروسيّة للأنباء قد ذكرت إن روسيا والسعودية توصلتا إلى توافق يوم الثلاثاء الماضي بشأن تثبيت إنتاج النفط وذلك قبيل اجتماع المنتجين المذكور، لكن السعودية استبقت الاجتماع بالتصريح، على لسان وزير دفاعها محمد بن سلمان، أنها ستجمد النفط في حال اتخذ مثل هذا القرار من قبل المنتجين الآخرين، بما فيهم إيران.
والحقيقة أن الإشكال الحاصل بين السعودية وإيران ليس إلا تفصيلاً من تفاصيل الحرب الطاحنة التي يشكّل موضوع إنتاج النفط وتهاوي أسعاره مركزها، على الصعيد الإقليمي والعالميّ.
وقد اجتهد كثيرون في ردّ هذه الحرب إلى أسباب سياسيّة محضة تتعلّق بالصراع السعوديّ ـ الإيرانيّ، وهو، كما قلنا، تفصيل من التفاصيل الكبرى، لكنّه لا يشكّل الصورة بأكملها.
الأولى القول إن السياسة النفطية السعودية تحكّمت فيها عوامل بنيوية تتعلّق بوجود السعودية نفسها، وليس بسياسات تتعمّد الإضرار بخصومها، فليس خافياً على أحد أن الرياض نفسها، وحلفاءها الأقربين، تأثروا سلباً بانخفاض إيراداتهم الماليّة نتيجة الهبوط الكبير لأسعار النفط، وما الاضراب الكبير لعمّال وموظفي المنشآت النفطية الجاري حاليّا في الكويت إلا المثال الأقرب على ذلك، في انعكاس مباشر لأثر إجراءات التقشف الكبيرة التي اضطرّت الدول الخليجية كلها لتطبيقها.
الأدبيّات الغربية، على عكس أدبيّات المؤامرة العربية والإيرانية والروسية، تعزو خفض أسعار النفط إلى قرار سعوديّ خطير بإغراق الأسواق بالنفط كانت نتيجته المباشرة خسارات هائلة لحقت بقطاع إنتاج النفط الصخريّ الأمريكي بعد أن شكل تهديداً كبيرا للسعودية وخفض تأثيرها النفطي (والسياسيّ) في العالم.
وعليه، فإن المتضرّر الأول من السياسة السعودية كان قطّاع النفط الصخريّ الأمريكي، أمّا تأثيرات ذلك على روسيا وإيران، بل ودول الخليج نفسها، وباقي الدول المنتجة للنفط في العالم، فهو تحصيل حاصل، ضرراً كان أم فائدة.
تداخلت بعد ذلك ملفّات السياسة والاقتصاد، والصراع الطاحن في اليمن والعراق وسوريا، وانضافت إليه الضغوط الاقتصادية التي تعرّضت لها السعودية وحلفاؤها أنفسهم، لتدفع الجميع، وخصوصاً روسيا إلى تسويات تجمع بين شؤون اليمن وسوريا وليبيا، كما شؤون النفط وتقلّباته، وهو ما يفسّر جهودها لإقناع إيران بحضور اجتماع الدوحة (كما يفسّر الكثير من الأشياء الأخرى).
غياب طهران، بهذا المعنى، عن اجتماع الدوحة، يجعلها في حلف وحدها ضد جميع المنتجين الآخرين، ويجعل قبولهم بتجميد الإنتاج، من دون التزامها بسقف، دعماً لها في موقفها المتحدّي والمستقوي أيضاً برفع العقوبات الأمريكية والأوروبية عنها، والتي ستضيف عشرات المليارات من أموالها المفرجة عنها على أرباح إغراقها للسوق النفطي، بحسب خطتها المعلنة، بأربعة ملايين برميل يوميّا.
يمكن قراءة هذه السياسة النفطية على ضوء اندفاعة طهران المستمرّة للدفاع عن نظام بشّار الأسد وتدخّلها الطاغي في العراق وكذلك دعمها للحوثيين في اليمن و»حزب الله» في لبنان، فسياسة التدخل العسكري والسياسي تحتاج لإسنادها سياسة اقتصادية مشابهة، بحيث لا يمكن فكّ هذه عن تلك إلا بفكّ الاستعصاء الذي تشكّله إيران والذي لا يبدو ممكناً في الحاضر القريب.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية