حساب الربح والخسارة بدأ بالعمل في الجانب الإسرائيلي وكذلك الامر في الجانب الفلسطيني. الجدار لم يتم اختراقه؟ هذه نقطة لصالح إسرائيل. 15 قتيلاً فلسطينياً؟ هذا خسارة لحماس. من السهل احتساب المعادلة إذا كانت هذه هي المعايير للانتصار والهزيمة، لكن هذه معركة متدحرجة، التي على الاقل حسب خطة حماس، يمكن أن تستمر ستة أسابيع تقريبا. بناء على ذلك فإنه من السابق لأوانه إجمال دفتر الحسابات. هذه ايضا ليست معركة «تصفية» لدولة إسرائيل، بل نضال شديد على مستقبل القيادة الفلسطينية. حماس بادرت وأملت جدول وحجم التظاهرات، لذلك فقد وضعت تحدياً جديداً أمام إسرائيل، لكن ليس فقط أمامها.
قيادة حماس نفسها يجب عليها إظهار قدرة على السيطرة والتجنيد لفترة طويلة، حتى لو كانت طويلة جداً، لأنه إذا تم تقليص عدد المتظاهرين فإن ما حدث سيبقى فصلاً مؤثراً ولكن بدون رافعة لتحريك خطوات وتسجيل انجازات ثابتة، لا سيما في حالة فشل احداث مقاومة، التي يمكن أن تحظى بالشرعية الدولية. هذا بناء على ذلك يعتبر لعباً على الزمن تشارك فيه إسرائيل ومصر والاردن والسلطة الفلسطينية ضد حماس. نجاح أولي سجل لصالح حماس عندما أجبرت محمود عباس على اتخاذ موقف والمبادرة بواسطة الكويت إلى عقد اجتماع في مجلس الامن. صحيح أن المجلس لم ينجح أمس في بلورة مشروع قرار، لا سيما بسبب تحفظات الولايات المتحدة، لكن المعركة السياسية ما زالت مستمرة، وهي تزيد قوة حماس كلاعبة في الساحة الدولية.
في المقابل، أجرت مصر والاردن في نهاية الاسبوع محادثات مكثفة شاركت إسرائيل في جزء منها من أجل تهدئة المنطقة ووقف اطلاق النار. ومثلما في أحداث مشابهة في السابق، سواء كانت المواجهات في الحرم أو التظاهرات العنيفة في المناطق، فان خوف مصر والاردن هو من التأثير المعدي لتمرد فلسطيني على شعوبها. ولكن في هذه الاثناء يتوقع أن تكون لهذه التظاهرات تداعيات هامة أكثر، على الاقل من ناحية مصر.
إن ضغوط القاهرة من أجل التوصل إلى استكمال المصالحة الفلسطينية الداخلية تستمر بكامل الزخم حتى بعد محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس الحكومة رامي الحمد الله في الشهر الماضي. في الحوار المصري ـ الفلسطيني عباس يوجد في موقع ضعف، حيث أن «سياسة التجويع»، كما تسمّى العقوبات التي يفرضها على النظام في غزة، تحوله إلى العنصر الرافض في نظر مصر والسعودية. برفضه اقتراح السعودية والمبادرة الأمريكية تحول عباس إلى «ليس شريكا» ايضا في نظر هذه الدول. هذا لا يعني أن حماس تحظى بمكانة الممثل الحصري للفلسطينيين، حيث أن مصر ما زالت تصر على أن السلطة الفلسطينية هي التي ستدير المعبر الحدودي مع مصر كشرط لفتحه بصورة دائمة. ولكن يمكن أن تكتفي أيضاً بادارة فلسطينية تكون برئاسة رجل فتح محمد دحلان، الذي طرد من صفوف القيادة على أيدي عباس. من الواضح أنه طالما عززت حماس وجودها السياسي في ساحة غزة بفضل التظاهرات فانها ستضع مصر على مفترق طرق يحدد مكانة حماس كممثل رسمي في نظر مصر.
في الوقت الذي فيه سياسة مصر، حليفة إسرائيل وشريكتها في الحرب ضد الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، تشجع اتفاق المصالحة الفلسطينية الداخلية، فان عباس سيكون عليه أن يتشجع جدا من أجل ضمان أن لا تضطره التطورات في غزة «فقط» إلى القيام بنشاطات دولية ومبادرات في الأمم المتحدة حتى أنها تخدم حماس، وأن لا تتطور إلى عصيان مدني في الضفة الغربية وشرقي القدس. هذا أيضاً تهديد يخاف منه الاردن، الذي عقد فيه أمس اتحاد المهندسين وهو من النقابات المهنية الكبرى، اعتصام تضامن مع الضحايا في غزة. وزير الاعلام الاردني محمد المومني سارع إلى القاء المسؤولية على إسرائيل عن التصعيد ودعا المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل من اجل وقف اطلاق النار. ولكن بعد التصريحات المطلوبة، فان الاردن يخشى مما يسميه «تدمير سلطة المؤسسات» في غزة والضفة الغربية نتيجة غياب الأفق السياسي، وأن تتحول الضفة إلى ساحة حرب سياسية، ربما عنيفة ايضا، بين تنظيمات وحركات، بصورة تضعضع الوضع الراهن القابل للتحطم القائم اليوم في الضفة وتحويله إلى فوضى.
ولكن لا توجد للاردن اليوم أداة ضغط على حماس، وأساس قوته يكمن في القدرة على التأثير على عباس من أجل إلغاء العقوبات على غزة وإنجاح المصالحة الفلسطينية الداخلية، مثلما تفعل مصر، وبهذا ربما تؤدي إلى تهدئة المنطقة. عباس من ناحيته لا يسارع إلى التراجع عن العقوبات. وهو يستمر في إلقاء المسؤولية على حماس عن محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس الحكومة، ورفض بشدة ضغط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتبني خطته التي تقضي بأن تكون أبوديس هي عاصمة فلسطين. ولكن في الزاوية المعزولة التي وضع عباس فيها نفسه، فانه ما زال يحتفظ على رأسه بتاج الممثل المعترف به للشعب الفلسطيني. وهو الذي يمكنه تلقي المساعدات من المجتمع الدولي، وهو الذي يستطيع توزيع الميزانيات والمساعدات كما يريد. السؤال الآن هو من سيتراجع أولاً، يحيى السنوار واسماعيل هنية أو محمود عباس. الاجابة على ذلك ستكون مرتبطة بمعظمها بالفترة الزمنية التي ستنجح فيها حماس بالحفاظ على التظاهرات وبعدد القتلى.
هآرتس 1/4/2018
تسفي برئيل