احتراق واسمه راشد حسين

حجم الخط
1

 

تحويل الموت إلى حياة، تحويل النار إلى سنابل، تحويل صرخة المعركة إلى صرخة ولادة: هذه هي مهمتنا وهذا هو أسلوب حياتنا. أود أن أتوقف قليلاً مع الموت. كان بودي أن أتعامل مع الموت الشامل، الموت العام والعالمي، لكن يا للحسرة، فها هو ينتصب كالمارد ويلقي ظله على كل موت سواه… إنه الموت الفلسطيني.
تكاد تقصم ظهري محاولة مثابرة، لصياغة معادلة معقولة لهذا الموت الفريد. ولا أقترب من التبرير حتى أتبدد بين الضحك والبكاء.
هل يموت الفلسطيني حتف الأنف؟ ألا حظّ له من الشهادة وكبر الاستشهاد حين يموت في جناح السرطان من مستشفى الغربة؟
هل ينتحر الفلسطيني؟ هل ينطبق قانون «الحاضر الغائب» على الفلسطيني في هذه الدولة التي اسمها إسرائيل، أم في العالم بأسره؟ وأين تقع إسرائيل؟ وأين يقع الفلسطيني؟ وأين يقع الموت؟
الآن أريد أن أخاطبك يا راشد حسين! سواء احترقت أو أحرقت أو تحرقت أو انحرقت. لا ثقة لي بضباط شرطة نيويورك ولا ثقة لي بنيويورك. أنت متّ موتاً فلسطينياً في جناح النار من مستشفى الغربة، لذا فأنت شهيد بكل المعنى الفلسطيني لهذه الكلمة.
كل شعوب الأرض تسكن أوطانها، إلا نحن، فهذا الوطن يسكننا. إنه وضع غير طبيعي، حالة شاذة، لا تقولوا روديسيا. لا تقولوا جنوب أفريقيا. ولا تقولوا هنود أمريكا الحمر أو زنوجها. تصوروا منزلاً آهلاً بسكانه صاخباً بالحياة والحركة. فجأة يخلو البيت من أهله وفجأة يعود الصخب، تعود الحياة والحركة ويواصلون شرب فناجين القهوة الساخنة ويواصلون القطاف ويواصلون التناسل ويواصلون مشاهدة الأفلام السينمائية… بيد أن كل هذا يجري بلغة أخرى. كل شيء سيستمر إلا اللغة وأصحابها.
في هذا الجو نشأنا. في هذا الواقع ـ الكابوس نشأ راشد حسين.
في حدود عام 1956 ـ المدرسة الثانوية ـ بلدة الناصرة.
كنت طالباً يكتب الشعر وكان راشد شاعراً طالباً. إنكم تلاحظون الفرق بين الصيغتين. في المدرسة ذاتها كان شعراء طلاب آخرون. كان شكيب جهشان (المدرس في ثانوية الرامة، اليوم)، وكان فرج نور سلمان (المحامي، اليوم)، وكان أحمد ريناوي (الطبيب، اليوم)… وآخرون قد لا نعرف مصائرهم. كانوا أكبر مني بمعدل ثلاث سنوات تقريباً، غير أنني اندمجت في شلتهم بحكم حماسي للشعر، ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا صداقات متفاوتة. وكانت صداقتي مع راشد حسين من أمتنها إنْ لم تكن أمتنها وأبقاها.
والتقينا كثيراً فيما بعد، واتفقنا كأخوين واختلفنا كأخوين. تسللنا معاً عبر الأرض البور لإحياء مهرجانات في قرى منعتنا السلطات من دخولها وسدت منافذها الشرعية بقوات البوليس. جعنا معاً وسكرنا معاً وبكينا وضحكنا وكتبنا… ثم افترقنا.
على صورة صغيرة أهداني إياها راشد عام 1958 بعد صدور ديوانه الأول «مع الفجر» كتب هذه الكلمات:

«إلى أخي سميح
علّه يتذكرني إذا اصابتني مصيبة».

وتذكرته يوم أصابته وأصابتنا المصيبة… وكانت صورته هذه هي الصورة التي وضعناها على بطاقة النعي!
في 30/4/1959 كتب راشد على ورقة ما زلت أحتفظ بها:

«أخي سميح
وإلى غد مشرق سعيد
وأمة عربية موحدة
سنلتقي على جراح علم
يرفعه الأوراس فوق جرحه
ستلتقي أمتنا في زورق
مجدافه يخط رسم صبحه
والشمس تاريخ لنا مذهّب
يذيبه بستاننا لدوحه
أنا هنا… وأنت هل تبقى هنا؟
أم يحتوينا علم في جرحه؟»

اليوم أقولها لأول مرة. في ذلك الوقت كان في أوجه صراع عنيف بيني وبين السلطات الإسرائيلية الغاشمة التي حاولت قتلي معنوياً بأن تطبق علي قسراً ووحشية قانونها اللاإنساني، في أدنى وصف، قانون التجنيد الإجباري. آنذاك استحوذت علي فكرة الهرب من وطني الصغير إلى وطني الكبير وصارحت راشد بالهاجس، فكتب هذه الأبيات واحتفظت بها لتكون صديقاً في الغربة، وباشرت «تنفيذ المهمة»… وذات يوم، في ساعات المساء، كنت قابعاً على سطح كنيسة قرية الجيش الجليلية بانتظار الليل لعبور خط وقف اطلاق النار، ولكن قبل أن يداهمني الليل، داهمتني «ثلة» من أبناء بلدي وعشيرتي وخيرتني الجماعة بين العودة إلى أمّي الناحبة والعودة إلى مركز الشرطة، فاخترت أمي طبعاً! وما زلت أتساءل حتى هذه اللحظة: هل كان لأخي راشد يد في «إفشاء» سري لأهلي، ليحول مشكوراً بيني وبين الرحيل؟
قال راشد في ابياته «سنلتقي»… والتقينا. عاد راشد إلينا عبر بوابة النار الفلسطينية الرحبة. عاد محمولاً على الأكتاف… وكان عليه أن يعود عودته الكبرى إلى أحضان الأم ـ الوطن، إلى دفء التراب الذي طالما غناه وبكاه. وما أشدّ حسرتي ولوعتي حين اختارتني المأساة لا «القدر» لأكون أول من يقتلع نعش راشد من مصطبة المسجد الصغير في قرية «مصمص» الصغيرة، ولكن العالية، لتزرعه الألوف المؤلفة من جماهير شعبنا على السفح الأخضر من وادي عارة.
وفي غمرة التهليل والتكبير والهتافات الوطنية الملوعة، وفي غمرة الدموع الساخنة الدامية وزغاريد الصبايا وذهول الأطفال، وبينما جسدك المحروق المحترق المتحرق، معاً في آن يختلج على أكتافنا لتنطلق منه، مرة أخرى، عنقاء رماد عربية، في غمرة كل ذلك، كانت تعاودني من أعماق 1936 عام الثورة العظيمة وعام ميلادك، أهازيج شعبنا الرائعة:

«يا طلت خيلنا من قاع الوادي
عوايد رجالنا تكيد الأعادي
ويا طلت خيلنا من وادي عارة
وعوايد رجالنا بتصد الغارة»…

عدت إلينا يا راشد، عودة «تكيد الأعادي»، وخرجت لاستقبالك الألوف المؤلفة من أبناء شعبنا لتجدد القسم بأن «تصدّ الغارة»… وإنك لتجسد كلماتك، كما تجسد كلمات الشهيد الشاعر عبد الرحيم محمود ابن شعبنا البار:

سأحمل روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإما حياة تسرّ الصديق
وإما ممات يغيظ العدى!

وبعد يا راشد، يا أخي ورفيقي، لدي كلام كثير لك وعنك… وسأقوله. بيد أنني أودعك الآن بكلمة صغيرة كفرحنا، كبيرة كعذابنا: «صحيح أننا التقينا كما أكدت في أبياتك لي، غير أن العلم احتواك في جرحه، وأما أنا فما زلت أنتظر دوري، أنتظره بكل الأمل والعذاب والحب».

٭ كتب (1938ـ2014) هذا النصّ في رثاء الشاعر الفلسطيني راشد حسين (1936ـ1977)، الذي توفي خلال احتراق بيته في نيويورك، ضمن ظروف غامضة.

سميح القاسم

كلمات مفتاحية

اشترك في قائمتنا البريدية