نشأت صحيفة « لاغازيت « جدة الصحافة الأولى التي أسسها تيوفيل رونودو في باريس في منتصف القرن السابع عشر، أي بعد قرنين تقريبا من اختراع مطبعة غوتنبرغ التي كانت بمثابة الثورة الثانية في عالم الإعلام، بعد الثورة الأولى في اختراع الحرف في سورية «أبجدية رأس شمرا».
صحيفة «لاغازيت» باتت تنقل الخبر على نطاق أوسع من نطاق «الرسائل الطيارة» التي كانت ترسل من مكان إلى مكان عبر الحمام الزاجل، أو المراسلين، والتي كانت تقتصر على فئة قليلة من الناس، خاصة الأمراء والملوك، ثم انتشرت الصحافة في جميع أنحاء أوروبا كالنار في الهشيم، وباتت تشكل اول وسيلة إعلامية «جماهيرية» في ظل ملكيات منها من حاربها، ومنها من شجعها، أو تركها وشأنها.
ومع اندلاع الثورة الفرنسية وانقلاب نابليون عمل هذا الأخير على محاربتها، لأنها كانت تنتقد حروبه التي لا تنتهي، إذ كان يقول: « أهون عليّ طنين ألف مدفع من صرير قلم واحد»، لكن بريطانيا كانت سباقة في منح الصحافة حريتها بإصدار قوانين تحميها من بطش السلطة، وفي فرنسا لم تنعم الصحافة بهذه الحماية قبل صدور قانون الصحافة عام 1881 الشهير الذي جعل منها» سلطة رابعة». أما في عالمنا العربي الذي كان يرزح جله تحت سيطرة السلطنة العثمانية فكانت أول صحيفة ترى النور في بلاد عاشت ظلاما دامسا خلال قرون طويلة، هي صحيفة «الوقائع» المصرية عام 1828 تحت حكم محمد علي باشا، وهي وليدة مطبعة بولاق، أو بالأحرى المطبعة التي جلبها نابليون ـ المعادي للصحافة ـ لطباعة بياناته باللغة العربية، وصحيفته «العشرية المصرية» ( صحيفة ترويجية للحملة الفرنسية) أي بعد قرنين تقريبا من ولادة أول صحيفة أوروبية، وقد انتشرت الصحافة العربية في سوريا (الكبرى) في دمشق وبيروت بشكل كبير، وكان منها التي تناضل ضد الهيمنة العثمانية، ومنها من تبجلها، ومنها التي أخذت طابعا دينيا لهذه الطائفة أو تلك، لكن الصحافة المعارضة للباب العالي لم تهنأ عيشا فكانت في نزاع مستمر مع السلطة، خاصة في العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر، إذ سنت السلطنة « فرمانات» تحد من حرية الصحافة، وتهدد بإغلاق أي صحيفة تخالفها، ومعاقبة كل صحافي ينتهك بنودها بضربه «فلقة» على قدمية في الصحيفة ذاتها، ومن هذه القوانين قانون قاموس المفردات الممنوعة ـ أي لا يحق للصحافي استخدامها-ـ ( ومنها كلمة جمهورية، انفجار، اغتيال، ثورة، تمرد…) حتى أن الصحافيين وقعوا في حيرة كبيرة من أمرهم عند صياغة خبر اغتيال الرئيس الفرنسي سادي كارنو (1894) فلم يكن بإمكانهم استخدام كلمة رئيس، أو اغتيال، أو جمهورية، فجاء الخبر كالتالي ( توفي زعيم فرنسا سادي كارنو ووري الثرى في ليون..)، ولم تشهد الصحافة العربية وضعا افضل بكثير مع الاحتلال الفرنسي لسوريا، وتونس والجزائر والمغرب، وبريطانيا لمصر والسودان والعراق ودول الخليج، رغم غزارة الصحف وتنوعها في هذه الفترة، وقد دخل عنصر آخر إلى المشهد الإعلامي شكل ثورة بحد ذاتها وهو اختراع الإذاعة التي انتشرت بشكل كبير في فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات في ظل أنظمة « الاستقلال» ولكن الإذاعات العربية كانت بلا استثناء إذاعات دولة، «بروباغندا صافية» وإذاعة صوت العرب، والشهير أحمد سعيد خير دليل على ذلك. وكذلك الأمر مع الصحف بمجملها (البعث، تشرين، الثورة، الأهرام…) ما عدا بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة العامة، ثم ظهر التلفزيون في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، الذي شكل أهم وسيلة إعلامية جماهيرية استغلتها السلطة أبشع استغلال في الدعاية السياسية والتعمية الإعلامية، وهذا الإعلام السلطوي يصطلح على تسميته إعلاميا «بالعمودي» أي ساقط من الأعلى إلى الأسفل دون أن تكون هناك وسيلة اخرى تناهضه من (أسفل إلى أعلى) ـ أي وسيلة شعبية ـ حتى بعد أن سمحت بعض الأنظمة العربية إنشاء محطات إذاعية وتلفزيونية خاصة، لأنها كانت مراقبة وتحد من حريتها قوانين جائرة، وفيها الصحافي موظف يعمل ضمن مراقبة ذاتية، ويخاف من كل كلمة يستخدمها «خارج الصحن» تماما كالفرمان العثماني، ولكن هنا العقوبة ليست «بالفلقة» ولكن بالسجن أو الاغتيال أو الاختفاء بكل بساطة، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.
ولكن في عتمة هذا الليل الإعلامي جاءت قناة «الجزيرة» لترمي حجرا ثقيلا في المياه الإعلامية الراكدة، وتشكل ثورة إعلامية، لا مثيل لها قبلا، بحد ذاتها. لقد اطلقت صرخة قوية في المشهد الإعلامي العربي بفتح شاشتها على المعارضات العربية، على الرأي الآخر، على الصوت المكبوت، على حرية التعبير، على ضرب القوالب الجاهزة، وقواميس الممنوعات، على التضليل الإعلامي، على تكميم الأفواه، فواجهت شتى أنواع المحاربة.
وخلاصة القول إن الأنظمة العربية احتكرت وسائل الإعلام، والكلمة الأولى والاخيرة كانت لها إلى أن أطلت صاحبة الجلالة الجديدة «الانترنت» برأسها في بداية التسعينيات و»فرخت» وسائل جديدة لا تقل بثوريتها عن الثورات الإعلامية الأخرى، بل تخطتها بكثير بإفساح المجال إلى الرأي الشعبي أن يقول كلمته، ويشكل قوة ضغط كبيرة على السلطة التي باتت تخشاها كما تخشى الطاعون، فثورة الفيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وانستغرام، والمواقع الخاصة، قلبت المشهد الإعلامي رأسا على عقب فلم يعد عموديا فقط، بل بات أفقيا ومواجها له، وصار أصدق أنباء منه، خاصة أن السلطة لم يعد بمقدورها احتكاره، كما كانت تحتكر الوسائل الأخرى، وفي محاولات عدة في أكثر من مكان فشلت السلطة في احتواء السيل الإعلامي الأفقي الجارف، فكان مثلها مثل من يريد حجز الماء بغربال، وسقطت بذلك أوراق التوت عن عورات الإعلام العمودي الرسمي، مع نسيج الخيوط العنكبوتية على وسع العالم العربي، والعالم أجمع، فلم تعد هناك فائدة من محاولة تكميم الأفواه، فقد أحرقت قواميس الممنوعات الفرمانية، والقوانين المجحفة. وقد ساهمت مساهمة فعالة في انتشار الربيع العربي من سيدي بوزيد إلى القاهرة، فدمشق، فصنعاء، فطرابلس، والحبل على الجرار، «إنها بداية الاحتضار يا ملك الانتظار» كما يقول شاعرنا محمود درويش.
كاتب سوري
رياض معسعس