على أرضٍ منبسطةٍ بامتدادٍ فسيحٍ، تماما كقلوب اليمنيين، يلوح نصبٌ تذكاريٌّ يرقد تحته علي عبدالمغني أيقونة ثورة 26 سبتمبر المجيدة. على أرض صرواح، الجسر الحضاري العريق لليمن.. ماضيه ومستقبله، مجاورا لسد مأرب العظيم.. المعجزة الأكثر إفصاحا عن اليمني المعجزة، على مقربةٍ من التباب التي ما زالت تتضمخ بالأحمر القاني دفَّاقا من رؤوس وصدور أبناء البطل علي عبدالمغني دفاعا عن الجمهورية.. هناك، في محيط ذاك النصب قرر عبدالمغني ورفاقه إحياء ذكرى الثورة.. بجوار بطلها الخالد.
الليلة مكتظة بالاستعدادات، هو ورفاقة الإعلاميون كخلية نحل، ستكون فعالية بحجم البطل.. بحجم الثورة، سيحضر عدد كبير من الوزراء وكبار العسكر والمثقفين والصحافيين.. ستتحدث الجمهورية من هناك في الغد، معلنة أنها ستحيا وستستمر، ولن يحوْل شُذَّاذ الآفاق دون مضائها.. هاتفه يرن.. الرقم غير معلومٍ لديه، يجيب فتتدفق البهجة في فؤاده أنهارا.
ـ عمار.. كيف؟ كيف حالك؟ أين أنت؟
ـ أنا في عدن الآن، متجه إليك.. إلى مأرب. أخذت رقم هاتفك من صفحتك الفيسبوكية أيها المناضل
يضحك عبدالمغني مُطرَبا :
ـ كيف خرجت يا رجل؟ ومتى؟
يضحك عمار مجيبا :
ـ سأحدثك حين أراك، فور وصولي مأرب.. لكن بعد أن تحدثني بقصتك، مقهقها، لن تخدعني كالمرة الأولى.
يضحك عبدالمغني :
ـ ما خدعتك.. خدعونا كلينا.
ـ أستأذنك الآن.. سأنهي الاتصال. لقاؤنا في مأرب.
ـ على أحر من الجمر.. في انتظارك.
يتنفس بعمق، كأنما انزاحت جبال الدنيا وكانت على كاهله:
ـ الحمد لله.. عمار بخير، ويبتسم.
يعلو أذان الفجر. يصلي وزملاؤه، ثم يعودون لأخذ قسط من النوم قبل انطلاق الفعالية.. فجأة، ينبت من أرضية الغرفة جسد مخلوقٍ مرعبٍ، له قامة البشر، عيناه حمراوان كأنما انغمستا لتوِّهما في بركة دم، وناباه مسترسلان يثقبان جذع شفته السفلية حتى يبرزا من جانبي ذقنه والدم يتقاطر من نهايتيهما، نهايات أصابعه المشوهة أكبر من أن تكون مخالبا.. كانت خناجر حادة وقاطعة، يحتزم خنجرا مائلا يسمونه «توزة»، تعتمر رأسه عِمَّة خاصة يسمونها «قاوقا»، وبثوبه الملطخ بالدم، ذي الأكمام المتسعة بإسراف، يقترب من عبدالمغني رويدا رويدا.. قوة هائلة تتدفق في جسد عبدالمغني، لا يشعر بالخوف أبدا هذه المرة. يتقدم ذلك المخلوق منتشيا بينما يترصده عبدالمغني بعيني صيَّاد، يمسك ذلك المخلوق قاوقه، وقبل أن يجثو به على وجه عبدالمغني، يقفز مسددا عدة لكمات متقنة على وجهه.. ناباه تكسَّرا.. سقطا أسفل قدميه، يقرب أظافره من عبدالمغني.. وقبل أن يخمش وجهه، يمسك عبدالمغني ذراعيه.. يجذبه بقوة.. يطوِّحه أرضا.. يجلس على صدره.. يمسك رأسه النتنة بين كفيه غارزا إبهاميه في عينيه بقوة.. القاوق يصرخ.. الخرافة تتألم. تغادر تلك العينان الحمراوان محجريهما.. تتدليان على جانبي رأسه بخيطٍ من الدم والقيح.. الخرافة تصرخ ألما، يصرخ عبدالمغني:
الليلة سأكون أنا كابوسك.. كابوسك الأخير. وبكفه، بما تبقى فيها من أصابع، يكوِّم «القاوق» حتى يغدو بحجم القبضة.. يحشو به فم الخرافة البشعة تحته.. يدفعها إلى فمه بقوة.. الخرافة تختنق.. عضلاتها تتقلص.. يخمش بأظافره الأرض فتتكسر.. تعلو غرغرته كالنّواح.. يفِح كالأفعى.. القاوق يحتضر.. يجذبه نداء متكرر :
ـ عبدالمغني.. عبدالمغني.. عبدالمغني.
ـ نعم.. ماذا؟
ـ خمس محاولات اتصال ولم ترد.. أجب، ربما يكون مهما.
يمسح عبدالمغني عينيه، يتناول هاتفه الذي ما يزال على رنينه.. إنه الخال..
ـ أهلا يا خال.
باقتضاب شديد :
ـ أين أنت؟ لماذا لا ترد؟ تعال فورا نحن في المستشفى.. سبأ تلد.
يفُزُّ ناطا عن فراشه كأنما قذفه نابض، وفي بيجامة نومه ينطلق للمستشفى التي كانت على مقربةٍ منه.. يصل للمشفى متخبطا كالمجنون، يرى الجميع هناك بمن فيهم نشوان الذي كان في سكن الجرحى مع حمير وبكيل قبل أن يهاتفه خاله.
ـ أين هي؟
ـ في غرفة العمليات.
ـ غرفة العمليات؟
ـ إهدأ يا بني.. ما بك؟، إنها تلد.. لا تخف، هذه الأمور عادية.
يحدثه خاله متجلِّدا.
وهو يروح ويجيء في الممر المجاور لغرفة العمليات، يتنامى لمسمعه بكاء طفل، يتلوه انفتاح باب غرفة العمليات.. ينطلق كالسهم :
ـ كيف حالها؟ أخبريني هل هي بخير؟
نعم نعم.. بخير، لا تقلق، وبابتسامة قالت الممرضة:
ـ لديكما ولدٌ كفلقة القمر.
يتزاحم حوله كل الأهل.. تخرج سبأ من غرفة العمليات.. تأتيه إحدى الممرضات بولده محاطا بوشاحٍ أبيضٍ.. يمسكه بحنوٍ.. يتبدّى له نجما تحُفُّهُ سحابةٌ.. يقبّله، ثم ينظر إليه قائلا :
ـ أنت علي.. علي عبدالمغني.
٭ كاتب اليمن
عبدالله شروح