إسطنبول ـ «القدس العربي»: شهد بحر إيجه، الأحد، احتكاكا عسكريا جديدا بين تركيا واليونان، وذلك عندما منعت قوات خفر السواحل التركية وزير الدفاع اليوناني من الاقتراب بزورق عسكري من جزيرة «كاراداك» المتنازع عليها بين البلدين، في واحدة من الحوادث التي تصاعدت في الأشهر الأخيرة وتسببت في تصاعد التوتر بين الجارتين تركيا واليونان. هذا التطور الجديد جاء في ظل خشية اليونان من دعوات أردوغان التي تصاعدت في الأشهر الأخيرة لإعادة النظر و»تحديث» اتفاقية لوزان (1923) وبالتزامن مع الاتهامات بين الحكومة والمعارضة التركية حول «المسؤولية عن إضاعة الجزر التركية»، وتعهد أردوغان بفتح الملفات التاريخية المتعلقة باتفاقية لوزان «إضاعة الجزر».
وتعتبر الجزر المتواجدة في بحر إيجه أبرز الملفـات حساسية في العلاقة بين تركيا والـيونان وسـط نـزاع سـيطرة عـلى المـجال البحري والـجوي في بحري إيجه، وعلى الدوام تحصل مناوشات ومضايقات من قبل القوات الجوية والبحرية للجانبين تطورت في بعض الأحيان إلى اشتباك عسكري، وسط تحذيرات دولية من إمكانية أن تؤدي إحدى هذه المناوشات إلى اشتباك عسكري أوسع بين البلدين.
منع وزير الدفاع اليوناني الاقتراب من جزر «كارداك»
قالت وكالة الأناضول التركية الرسمية، الأحد، إن قوات خفر السواحل التركي، منعت اقتراب وزير الدفاع اليوناني بانوس كامينوس، بزورق عسكري من جزر «كارداك» الصخرية في بحر إيجه، لافتةً إلى أن كامينوس أراد الاقتراب من منطقة «كارداك» لوضع أكليل من الزهور، لكن قوات خفر السواحل التركي منعته من ذلك، وأشارت إلى أن الوفد اليوناني غادر المياه الإقليمية التركية بعد التحذيرات التركية.
وقال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، إن خفر السواحل التركي أدّى مهمته في منع اقتراب وزير يوناني بزورق عسكري من منطقة جزر «كارداك»، معتبراً أن «قيادة خفر السواحل أدّت المهام الملقاة على عاتقها»، فيما قالت رئاسة أركان الجيش التركي إن سفينة «نيكيفوروس» التابعة للبحرية اليونانية والزورق (LS ـ 70) التابع لخفر السواحل اليوناني، حاولا دخول «كارداك»، ظهر أمس»إلا أن عناصر القوات البحرية وخفر السواحل التركية، أحبطت المحاولة المذكورة».
وتقع جزيرة إيميا المعروفة باللغة التركية باسم كارداك على بعد سبعة كيلومترات فقط من الساحل التركي وتتنازع اليونان وتركيا ـ وكلاهما عضو في حلف شمال الأطلسي ـ السيادة على هذه الجزر، وكادت الأمور تصل بين البلدين عام 1996 إلى حد اندلاع حرب لولا ضغط هائل من الإدارة الأمريكية وذلك بعدما أسقطت تركيا مروحية يونانية وقتلت 3 ضباط كانوا على متنها فوق الجزيرة.
وفي عام 1996، رست سفينة تركية تحمل اسم «فيغن أقات» على «كارداك» التي تبعد 3.8 أميال بحرية من شواطئ مدينة «بودروم» التركية، وحينها قالت اليونان إن السفينة رست في مياهها الإقليمية، غير أن تركيا رفضت ذلك وأكدت أن الجزيرة تعود لها. ورفعت تركيا علمها على إحدى الجزر بالمنطقة، رداً على فعل مماثل لليونان.
وقبل عامين كادت أن تتجدد المواجهات العسكرية بين البلدين حول الجزر مع تحليق طائرات يونانية وملاحقتها من قبل طائرات حربية تركية فوق الجزر، كل ذلك في إطار خلافات واسعة بين البلدين حول السيادة على بحر ايجه والمجال البحري والجوي والسيادة واستخدام الموارد في جزيرة قبرص التي يتقاسم حلفاء البلدين السيطرة عليها.
والخلاف على جزيرة «كاراداك» يأتي ضمن خلاف أوسع على عشرات الجزر الصغيرة الصغيرة المنتشرة في بحر إيجه، وفي تصريح سابق قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن «ثمة 130 جزيرة صخرية مختلفة الأحجام في بحر إيجة ما بين تركيا واليونان، غير معروف تبعيتها»، واعتبر محاولات اليونان للوصول إلى هذه الجزيرة «مسعى لزيادة التوتر مع تركيا بشكل متعمد».
وقبل أشهر، قام رئيس الأركان التركي خلوصي أقار، وقادة قواته البرية والجوية والبحرية، بما سمته تركيا «جولة تفقدية للسفن الحربية التابعة لأسطول بلاده بقاعدة «أقسار» في بحر إيجه، في خطوة وصفتها وسائل الإعلام اليونانية بـ«الاستفزازية» واعتبرتها وسائل إعلام تركية «استعراضا للقوة العسكرية» ضد اليونان، حيث كانت أن تتطور الزيارة إلى مواجهة عسكرية بين البلدين.
الدعوة لمراجعة اتفاقية لوزان
لأول مرة، وقبل أشهر، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمراجعة اتفاقية لوزان، الموقعة عام 1923، والتي تم على إثرها تسوية حدود تركيا الحديثة عقب الحرب العالمية الأولى، وهو ما كرره من أثينا الذي زارها أردوغان، الشهر الماضي، كأول رئيس تركي يزور اليونان منذ 65 عاماً.
وقال أردوغان: «إن خصوم تركيا أجبروها على توقيع «معاهدة سيفر» عـام 1920، وتـوقيـع «معاهدة لوزان» عـام 1923، وبسبب ذلـك تـخلت تـركيا لليـونان عـن جزر في بحر إيجه، «على الرغم من أن الصرخة من هناك تسمع على الشواطئ التركية».
ويمكن مشاهدة العديد من الجزر بالعين المجردة من السواحل التركية قرب مدينة إزمير لكنها واقعة تحت السيطرة اليونانية على الرغم من أنها تبعد عن أراضيها عشرات الأميال، ويؤمن الشارع التركي أنها أراض تركية انتزعت منهم في «فترات الضعف» ويجب استعادتها بكافة الطرق، على حد تعبيرهم.
وبدأ الجدل على الصعيد الداخلي حول هذه الجزر، عقب تصريحات لزعيم المعارضة التركية كمال كليتشدار أوغلو، قال فيها: «هل هذه الجزر لنا أم لليونان؟، يوجد جزيرة كيتشي على بعد 4 أميال من السواحل التركية، هل هي لنا، زارها رئيس وزراء اليونان وعليها علم اليونان؟»، وهي الصريحات التي اعتبرت بمثابة محاولة من زعيم المعارضة لتحميل المسؤولية لحزب العدالة والتنمية الحاكم. ورداً على هذه التصريحات، قال أردوغان: «كليتشدار أوغلو ـ زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض- يحاول تحميل حزب العدالة والتنمية الحاكم فاتورة الجزر، أنتم من تخلى عن الجزر، من كانوا على رأس حزبكم في ذلك الوقت هم من تخلوا عن الجزر»، لافتاً إلى أنه بدأ في إعداد ملفات تاريخية حول الجزر واتفاقية لوزان، قائلاً: «سوف أعرض هذه الحقائق على الشعب التركي».
كما رد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم على تصريحات كليتشدار أوغلو بالقول: «هذا الذي يقف على رأس أكبر أحزاب المعارضة ـ كليتشدار أوغلو- أقول له اذهب واسأل من سلموا هذه الجزر في ذلك الوقت، اسألهم لمن تعود، أنظر: لا تجعلني أتحدث أكثر من ذلك، وإلا لن تستطيع تحمل ما سأقوله».
ويعتبر حزب الشعب الجمهوري الذي تزعمه مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك أقدم الأحزاب السياسية التركية وهو ما كان يتقلد حكم البلاد إبان توقيع الاتفاقية المذكورة، وعلى الرغم من سخط أردوغان على هذه الاتفاقية إلا أنه تجنب الحديث عنها كثيراً لعدم اعتبار تصريحاته تهجماً على أتاتورك ولمكانته الكبيرة عند الشعب التركي، لكن يبدو أن التطورات الأخيرة سوف تحمل الكثير من التفاعلات حول الاتفاقية وأتاتورك وتعيد قضية الجزر إلى الواجهة بشكل غير مسبوق.