إن سيطرة الجيش السوري على حلب والتقارير عن قتل عدد كبير من سكان المدينة والصور التي وصلت منها أشعلت نقاشا شديدا في اوساط العرب في إسرائيل، الذين يوجدون على طرفي المتراس حول الحرب الاهلية السورية. والامر الذي زاد العاصفة هو الإعلان الذي نشر في صفحة الفيس بوك الرسمية لحزب حداش، الذي بارك «توحيد حلب». أمين عام الحزب الشيوعي الإسرائيلي»ماكي» ، عادل عامر، كتب بأن الخطوة هي «نقطة تحول في تأثير الهجمة الامبريالية على شعوب المنطقة». وأضاف أن هذا «يضع حدا لخطط تقسيم سوريا ويعبر عن فشل استراتيجية الولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر وعدم الاستمرار في الدفاع عن المنظمات الإرهابية التي دمرت سوريا وفرضت الرعب على المواطنين».
هذا الإعلان المختلف فيه آثار ضجة في المجتمع العربي في إسرائيل وفي داخل القائمة المشتركة، حيث إن الحرب في سوريا تعتبر نقطة من نقاط الخلاف الرئيسية بين الاحزاب التي تشكل هذه القائمة. وليس صدفة أن القائمة لم تعلن موقفا رسميا في هذا الموضوع، وأعضاؤها يحاولون عدم التحدث كثيرا في الامر، وخصوصا اعضاء الكنيست من حداش.
يعتبر «ماكي» الجناح المركزي في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة حداش، التي هي جزء من القائمة المشتركة في الكنيست. نشطاء في «ماكي» مثل الأمين العام عامر، لا يعتبرون ما يحدث في سوريا ثورة حقيقية من اجل الحرية والديمقراطية، بل مؤامرة تقوم بها الدول العربية مثل السعودية وقطر، بتأييد الولايات المتحدة. من هنا، وبسبب حقيقة أن تفكيك سوريا يشكل بالنسبة لهم مصلحة إسرائيلية، تأتي معارضة القوات التي تقاتل ضد الأسد. لكن عددا كبيرا من النشطاء في الحزب يرفضون هذا الموقف. فقد تحدث نشطاء من حداش وميكي مع «هآرتس» واعترفوا بأن التعامل مع ما يحدث في حلب يثير جدلا كبيرا في الحزب. «هناك جدل داخلي شديد حول الصياغة وحول النشر. ولا شك أن الخلاف حول سوريا في الحزب سيخرج إلى الخارج ولهذا يجب مناقشة الأمر»، قال أحد اعضاء الحزب بعد نشر الإعلان.
يقول النشطاء في الحزب إن الحديث يدور عن جزء هام من النقاشات الداخلية التي تتم بين التيار الراديكالي في الحزب أمام مسؤولين مثل أيمن عودة ودوف حنين، اللذين لم يعرفا عن الإعلان قبل نشره في الفيس بوك. وفي حديث مع الصحيفة قال عامر إنه يقف من وراء الإعلان، وهو يرفض أي محاولة لاعتبار موقفه وكأنه يؤيد جرائم الحرب. «لم يسبق لنا أن قمنا بتبرير جرائم الحرب، ولم يسبق أن قلنا إننا نؤيد الحاق الضرر بالمدنيين. نحن ضد كل عمل كهذا بغض النظر عمن يقف وراءه». وحسب اقواله «في الانتقادات ضد «ماكي» هناك تلون كثير. أين كان الانتقاد عندما سيطرت المنظمات الإرهابية على حلب وعلى مدن اخرى في سوريا وارتكبت مذابح ضد الناس؟ إن من اعتدى على المدنيين هي المنظمات الإرهابية، وللأسف الشديد فإن الحرب ضد الإرهاب تجعل المدنيين هم الذين يدفعون الثمن، وهذا مؤلم جدا». بالنسبة لادعاء أنه يؤيد الأسد، قال عامر: «لم نقل إننا نؤيد هذا النظام أو ذاك، نحن نؤيد توحيد سوريا، والشعب السوري هو الذي يجب أن يقرر مستقبله».
وعندما سئل أيمن عودة عن موقفه قال: «إن بداية التراجيديا في سوريا هي النظام الديكتاتوري الذي سيطر لعشرات السنين، هذا النظام الذي لم تنشأ عن معارضته نضالات شعبية من اجل الديمقراطية. هذه النضالات التي يؤيدها كل شخص له ضمير». وحسب اقواله «للأسف الشديد، لقد تم اختطاف هذا النضال من قبل جماعات مثل داعش، وليس من الانساني الوقوف إلى جانب هذه القوى الظلامية».
يقول عودة: «هناك جدل قوي في المجتمع العربي، لكن المواقف المتناقضة تنبع من التحليل المختلف لما يحدث هناك، رغم أن الهدف واحد، وهو رؤية مواطني سوريا يعيشون في دولة مستقلة وديمقراطية تحافظ على أمن واحترام مواطنيها».
عضو الكنيست دوف حنين («ماكي») قال: «إن الحاق الضرر المتعمد بالمدنيين هو جريمة حرب. سواء كان ذلك من قبل المنظمات الجهادية أو من قبل النظام السوري. الموقف الاخلاقي هو الموقف اليساري الوحيد. هذا هو موقفي الدائم منذ اندلاع الحرب في سوريا. إن معارضتي للجهاديين ومن يؤيدونهم في دول الخليج وتركيا ومن خارج المنطقة، لا تعني تضامني مع النظام السوري. هناك خلاف بيني وبين شركائي السياسيين. هذا جدال مبدئي وعميق قمت بإدارته وسأستمر في إدارته، بالطبع».
الجدال داخل حداش هو تعبير عن الجدال العام في المجتمع العربي حول الأحداث في سوريا، الذي يتحدد أكثر فأكثر حسب التطورات الميدانية. إلا أن السيطرة على حلب أخذت النقاش في هذه المرة نحو تبادل الاتهامات الكلامية المسمومة.
المتهكم مرزوق حلبي الذي كتب ونشر في السابق مقالات في صحيفة حداش و»ماكي» «الاتحاد»، خرج في الاسبوع الماضي ضد الحزب بسبب موقفه. وحلبي يرفض اقوال رموز «ماكي» بأنهم يعارضون الحاق الضرر بالمدنيين: «هذا قول بائس يصدر الآن بسبب الفظائع التي تحدث في حلب وبسبب انتقاد الجمهور لهم. منذ بداية الاحداث الشعبية تبنوا موقفا مؤيدا للنظام القمعي، الذي هو خاطيء».
وحسب اقواله «التاريخ في سوريا لم يبدأ في العام 2011. فقد تعرض الشعب في سوريا للقمع على مدى عقود. ولذلك فإن هذا الشعب يريد رفض القمع والديكتاتورية. إن سيطرة المنظمات الاسلامية الراديكالية والدموية على التمرد، لا تعني الانضمام إلى الديكتاتور. إن تدمير مدينة حلب لا يعني توحيد المدينة أو تحريرها. هذا موقف مخجل، وأنا أعتقد أن الجمهور العربي سيحاسب رموز الحزب على موقفهم هذا.
الخلافات في داخل المجتمع العربي حول الحرب في سوريا حصلت على دفعة قوية، بسبب الصراعات السياسية الداخلية ايضا في القائمة المشتركة، بما في ذلك الصراع بين بلد وحداش. مثلا، إن وجود مؤسس بلد، عزمي بشارة، في قطر ومعارضته للأسد، زادت من الخلاف مع حداش و»ماكي». وقد نشرت بلد أمس بيانا حذرت فيه من «التدهور الخطير في النقاش حول الوضع في سوريا». وطلبت وقف سفك الدماء من الطرفين. «يجب علينا الحفاظ على الوحدة الوطنية. اذا كانت إسرائيل هي الرابح الرئيسي في سوريا، فنحن ملزمون بالحفاظ على وحدتنا الوطنية من اجل عدم مضاعفة ارباح إسرائيل».
رئيس تاعل، عضو الكنيست احمد الطيبي، قال «هذا موضوع يمزق المجتمع والاحزاب والعائلات. الامر الذي يجب أن يقلق الجميع الآن، بما في ذلك المجتمع العربي، هو الكارثة الانسانية والقتل الجماعي. وليس هاما بالنسبة لي من هو المسؤول، المهم أن هناك كارثة تحدث في سوريا والعالم يصمت. يجب علينا جميعا أن نشعر بالألم والخجل».
جاكي خوري
هآرتس 18/12/2016