هي الحكايةُ ذاتِها، كلّ صباح.
مع بزوغ الضوء، أفترض أننّي أملك احتمالات كثيرة، ومقترحات شيّقة، أُتداولها مع نفسي قبل النهوض من فراشي، والوقوف على قدميّ صاحياً، قبل صنع القهوة، قبل حرق سيجارتي الأولى عبثاً، قبل فتح نافذة غرفتي، لأتفقد سماكة الثلج، قبل تجرّع إحباطي الصباحي من رؤية هندسة البيوت التي لم تنحرف عن خطوطها، منذ أول صباح لي في هذه القرية، قبل تفقّد الأشجار المتراصفة على منحدر الجبل، قبل استقبال خرير ماء النهر بإيقاعه المعتاد.
في السابعة والنصف ودقيقتين ستمر المرأة ذاتها، التي لم أر وجهها، لسوء حظّينا، إذ أفتح النافذة بعد تجاوزها نافذتي بثلاث خطوات. حفظتُ كل تفصيل خلفي لجسدها، عرض كتفيها، تكويرة مؤخرتها، أمّا هي، للأسف لا تعرف عني أي تفصيل، سوى أننّي غريبٌ، قادمٌ من جغرافية تجهلها، ولا يهمّها أن تعرفها، ولا يهمّها أن تعرف أنّ هذا الغريب يعرفُ عنها ما لا يعرفه أهلها، جارها، صديقها، حبيبها، لا يهمّها أن تعرف أنني أحفظ مقدار خطوتها حين تمطر، وحين تثلج، وحين تغنّي العصافير فوق الغصون التي تمر من تحتها.
هي الحكاية ذاتها، كل صباح.
كنتُ قد أدرجت الكثير من البنود عن أنشطة صاخبة لتمحيصها هذا الصباح وأنا أشرب القهوة وحيداً. سآخذ دوشاً بماء فاتر، سأنتقي ثيابا متناسقة في ألوانها، حذاء بلون قبّعتي، لديّ أحذيةٌ بألوان متعددة، لكن ليس لديّ سوى قبعتين، سوداء وأخرى بنية اللون. أمّا عدا هذين اللونين من الأحذية، أرتديها حين أخرج حاسر الرأس. سأحلق ذقني ببطء وعناية، سأنتف بملقط سيئ شعيرات متطرفة عن مسار الشفرة، سأستقلّ قطار الساعة الثامنة إلى المدينة، لن أسلّم عينيّ لنافذة القطار ككل مرّة، مللتُ النهر الموازي لمسار السكّة، مللتُ ألوان الأشجار في كل الفصول، مللتُ حديقة الغزلان في فيرتلشتاين، وأنفة اللاما في فولهوزن، سأصطحب معي رواية بالألمانية لهرمان هيسه، تلقّفتُها على رصيف النفايات في مدينة تون، سأمثّل دور القارئ الذي لا يهدر وقته هباءً، كما يفعل أهل البلد، بالتأكيد لن يكتشفوا جهلي بالألمانية، وليس لديهم فضولٌ كافٍ لاختباري.
نعم، سأريهم، متقصّدا، أنني أفعل شيئاً، ولست عاطلاً عن الحياة، كما قيل لهم عني قبل أن تطأ قدماي بلادهم. سأتجوّل في المدينة القديمة، بانبهار العارف قيم الجمال في كل حجر عتيق، سأوحي لأي عابر، بأنني شخص يعرف ما في الحجر المشغول بهندسة ما من حكايات قديمة. لا بد أن يعرفوا أنني من بلاد تتعرّف على تاريخها السحيق عبر الحجر، فكلّ ما دوّنه البشر ليس أكثر من كذبات ساذجات، سأعرج صوب مسرح فاغنر، كزبون شغوف، سأطّلع على البرنامج الشهري في الواجهة الزجاجية، ستبتسم لي عجوز الـ»ريسبشن»، ربما بسبب سواد سحنتي وهندامي المتواضع، لن تسألني إن كنت مهتماً بالمسرح أم لا، أو إن كنتُ من محبّي فاغنر المجنون، ستظنّ أن لدي فضولا يختلف عمّا لدى أقراني اللاجئين، أو تحسبني قد اختلط عليّ المكان بين مسرح موسيقي راق وناد ليلي رخيص. أعلم أنّ هذه المدينة تسخر من المجانين، حتى لو كانوا مبدعين، لكنها- مرغمة -كرّمت فاغنر بمسرح، كابن لها، إذ يأتي الغرباء والسياح الأثرياء من أقاصي الأرض ليحتفوا به.
بعد أن أنتهي من المدينة القديمة سأتدرج للاستراحة على رصيف البحيرة. هناك لن أجد من يجالسني، سأحدّق طويلاً كأبله في تفاصيل جبل بيلاتوس، وأعدّد كما في كل استراحة قمم جبال ريغي، سألهي نفسي بمتابعة صخب النوارس، ثمة نورس نزق دائماً يضيق به المكان، رغم شساعة الرصيف، يسحب عظمة رقبته للخلف بين كتفيه، يخفض رأسه كلصّ، ويزعق كأنه ينذر بزلزال مقبل لا محال.
لبرهة، ككل صباح، أنسى مرغماً من سطوة أجهلها، أنني لم أكن يوماً أؤمن بالخطط المُعدّة سلفا. الرتابة أفسدت عليّ كل شيء.
ها أنّي أعود إلى حيث أتيت
لكن لم أبرح مكاني لكي أعود!
الكلام بصيغة المفرد، التعابير الطليقة في دلالاتها، سوء تقدير المسافات، قياس حرارة الغرفة وخارجها، فصل الجوارب عن الألبسة الداخلية، ترتيب كل صنف على حدة، تنسيق الأحذية بحسب ألوانها أمام عتبة الباب، مواعيد حلاقة ذقني، أناقة إلقاء تحية الصباح على جارتي التي لا تبتسم إلّا حين ردّ التحية، ثم تنسى أني جارها.
كل تفصيل كان مشرعاً على أكثر من احتمال للعبث بها، بات فاسداً من تلقاء نفسه، وأنا فاسدٌ بجدّية اختيار أي احتمال.
كاتب سوري
محمد جيجاك