احتواء الاتحاد السوفييتي

كان سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصار المعسكر الغربي مفاجئاً بلا شك..
وجه المفاجأة هو أنه لم ينتج عن حرب ضروس ولا عن نزاع ساخن، كما بشرت بذلك النظريات الواقعية في العلاقات الدولية، بل كان سقوطاً سلساً وبارداً، كما الحرب التي سبقته.
لقد تسارعت الأحداث منذ قدوم غورباتشوف برؤيته التصحيحية إلى سدة الحكم في موسكو، وقد كانت نهاية الحرب الباردة مبكرة منذ أن اعتبر الرئيس صاحب فكرة «إعادة البناء»، أن عداء أمريكا لا يخدم المصلحة الوطنية والقومية للسوفييت، ثم جاء الانسحاب السوفييتي من الشرق الأوروبي ليهدم أحلام الجيل القديم التوسعية ويبشر بنهاية التجربة الشيوعية، التي ختمت فصولها بشكل درامي مع مشهد سقوط حائط برلين وتفكيك المنظومة الأسطورية التي شغلت العالم على مدى عقود. وهكذا وبعد أن اعتاد الملايين عبر العالم على عبارات التحدي الشيوعية لكل ما هو أمريكي وغربي، سمعوا فجأة الرئيس السوفييتي وهو يقول: «سواء كان ذلك بالنسبة لمصالحنا الداخلية أو لمصالح سياستنا الخارجية، فنحن لسنا بحاجة لصورة الولايات المتحدة كعدو». لقد استمر التساؤل: «ما الذي حدث؟» لبرهة، ولم يلبث الناس أن أفاقوا من الصدمة، مع إعلان انتصار المشروع الغربي بنصر كاسح بلا حرب ولا خسائر ولا جهد كبير.
اليوم ننظر للأمور بعين مختلفة، ونعلم أن الانتصار أو فشل المشروع المقابل إنما كانا حصيلة لجهد مضنٍ أدى لإضعاف الدولة السوفييتية وتآكلها من الداخل، إلى أن تكللت المساعي بإعلان النخبة الشيوعية القائدة أنها غير قادرة على الاستمرار في عدائها الأبدي للغرب وللنظام الرأسمالي، كما وضح في عبارة غورباتشوف السابقة.
يمكن التأريخ للجهود الأمريكية في العمل على «احتواء» القطب السوفييتي بمقالة كتبها جورج كينان الدبلوماسي الأمريكي المقرّب من الرئيس ترومان، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ونشرت في مجلة «فورين أفيرز» باسم وهمي (إكس) وتحت عنوان: «أسباب المسلك السوفييتي». ورغم أن تعديلات كثيرة تم الاشتغال عليها في ما حوته تلك المقالة، إلا أن معظم الباحثين يعتبرونها البوصلة التي تم الاعتماد عليها لتوجيه السياسة الأمريكية خلال الحرب الباردة، التي اصطلح على تسميتها بسياسة «الاحتواء».
خلاصة المقال أن إرضاء السوفييت المطلق يضر بالمصالح الأمريكية، لكن الدخول معهم في صراع مفتوح هو أيضاً أمر قد لا تحمد عقباه، والنتيجة هي أنه يجب أن نخلق مساراً ثالثاً لا هو بالسلم ولا هو بالحرب التقليدية.. مسارا يعتمد على الاقتصاد والتغلغل داخل الحركة الشيوعية العالمية واعطاء صور إيجابية للديمقراطيات الرأسمالية.. هذا المسار ليس جديداً، وكذلك فكرة خلق أو تشجيع معسكرات داخل نطاق العدو، فقد رأيناها إبان الحقبة الاستعمارية، فحين كانت تشتد المقاومة كان المستعمر يعمد إلى التفاوض، من أجل استمالة بعض المقاومين، وحين ينجح في ذلك فإن هؤلاء يتكفلون بصد الآخرين. كذلك دعا كينان للتغلغل داخل الحركة الشيوعية، معتبراً أن المشكلة ليست مع الفكر الشيوعي بقدر ما هي مع السوفييت، كما تبنى الطرح الذي يقول إن العقيدة الاشتراكية يمكن التأثير عليها باستقطاب شخصيات فاعلة ومدارس تكون أقرب للغرب وأبعد عن الشيوعية العدائية الراديكالية، وذلك بهدف الوقيعة بين الكرملين والحركات الإصلاحية المتعددة.
أفكار كينان كانت مهمة، حيث لم يكن الرجل مجرد دبلوماسي عمل في موسكو خلال الأربعينيات، بل كان أقرب للباحث الجاد في مجال الدراسات الروسية والسوفييتية بشكل كفل له ولأفكاره تميزاً وانتشاراً، بحيث صار الأشهر بين المتخصصين الأمريكيين في مجال التعامل مع السوفييت خلال الحرب الباردة. لقد صارت تقارير كينان ثم مقالاته التحليلية عن الامبراطورية السوفييتية ولمدة عقود من أهم المصادر التي يرجع إليها من يريد البحث في شؤون قيادة الكرملين للمعسكر الشرقي، ومن العبارات التي لا تنسى قوله على سبيل المثال إن «السوفييت لا يتقبلون منطق العقل، لكنهم يتأثرون كثيراً بمنطق القوة». على الهامش نتساءل: هل تصلح العبارة لفهم عموم الشخصية الروسية وليس فقط السوفييتية؟ إن ذلك يبدو منطقياً مع الدولة الروسية الحديثة التي ترفض الانصياع لصوت العقل وتستمر في سياسات لا تنجح إلا في تشويه صورتها وإظهارها بصورة الداعم الأكبر لجرائم النظام السوري.
كأن السبيل الوحيد لردع روسيا، سوفييتية كانت أو اتحادية، هو منطق القوة وليس أبداً الطرق الدبلوماسية والضغوط الناعمة التي لا تجدي. أما بالعودة إلى فكرة الاحتواء فنقول إن الاحتواء لم يكن فقط سياسياً واقتصادياً، بل كان بالدرجة الأولى ثقافياً. وعلى ذكر الثقافة فإننا لا نجد بداً هنا من تكرار الحقيقة التي يتجاهلها مثقفون كثر ورموز «تنويرية» عن عمد، وهي أن العمل الثقافي الغربي والأمريكي على وجه الخصوص، لم يكن أبداً محايداً، وكذلك ذلك الدعم السخي لبعض المنظمات والشخصيات الثقافية العالمية، وهو ما قررته دراسات أمريكية كالدراسة الشهيرة لفرانسيس سوندرز، التي صدرت عام 1999 بعنوان: «من الذي دفع أجرة العازف؟ السي آي ايه والحرب الثقافية الباردة».
وكما يقول المثل الإنكليزي «من يدفع أجرة العازف يختر اللحن»، وهو ملخص فكرة هذه «الحرب الثقافية الباردة» أي التحكم في القيم والتصورات، أو مضمون الحياة الثقافية وهو ما تم تطبيقه في الاتحاد السوفييتي سابقاً ويتم تطبيقه في جميع أنحاء العالم حالياً.
المخابرات الأمريكية التي تولت رعاية أنشطة ثقافية كبيرة وصل بها الاختراق في بعض الأحيان حد تمويل مؤتمرات شيوعية رسمية.. هذه حقيقة.. الولايات المتحدة كانت تنظر إلى الحرب مع السوفييت على أساس أنها «حرب عقول» بالدرجة الأولى وصراع أفكار، ولذلك لم تدخر وسعاً في صد هجمات الشيوعيين الثقافية التي كانت تحاول كل يوم بدورها اختراق المجتمعات الغربية وكسب أنصار جدد. إعادة قراءة هذه الأحداث ليس الغرض منه الفذلكة التاريخية المحضة، بل التفكر والاعتبار، خاصة أن مشاريع الاحتواء، ولاسيما الثقافية منها، ما تزال فعالة ومجدية لأنها توفر الكثير من الجهد، كما توفر المخاطرة بإعلان حرب ذات تكاليف أخلاقية ومادية يصعب تقدير حجمها.
سنتعلم من درس احتواء الاتحاد السوفييتي، الذي كان القوة الأكــــبر بعد الولايات المتحدة الأمريكية لما يقرب قرناً من الزمان، كيف ساهم نشر الأفكار الشعوبية والنزعات القومية واستغلال مفاهيم براقة، كحـــــق الإنسان في التعبير وحق المجموعات في تقرير المصيــــر، سنتعلم وسنرى كيف ساهم كل ذلك مع عوامل أخرى داخلية في تقويض بناء المعسكر الشرقي الذي كان يظن أنه سيبقى إلى أن يغير العالم فإذا به ينهار ببساطة كأي بناء هش.
الاحتواء الثقافي الذي خضعت له روسيا السوفييتية، والذي يخضع الغالب منا له للأسف، هو ذلك التدخل الناعم الذي ينخر الدولة المستهدفة من الداخل، ويجعلها تسلم نفسها وتستسلم لمن كانوا أعداءها، بل أكثر من ذلك يجعلها تؤمن أن الانتصار عليهم مستحيل وأن فكرة النضال ضدهم مهمة عبثية. لكل هذا فإن دراسة احتواء الدولة الشيوعية تكتسب في هذا التوقيت أهمية خاصة، علّنا نستفيد من دروس التاريخ التي تتكرر وتتشابه.
كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية