احياء الذكرى الستين لصدور مدونة الأحوال الشخصية: المرأة التونسية بين الاحتفال بانجازاتها والمطالبة بمزيد من الحقوق

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: احتفى التونسيون يوم أمس بالذكرى الستين لصدور قانون الأحوال الشخصية، أو مدونة الأحوال الشخصية كما تسمى في تونس. هذا اليوم التاريخي الذي حرر المرأة التونسية وأعاد إليها الريادة ومنحها حقوقا جعلها تتقدم مسافات كبيرة عن مثيلاتها في المناطق الأخرى.
وفي خضم الاحتفالات التي شهدتها البلاد على مدى أسبوع في كامل ولايات الجمهورية تحت شعار «تونسية وديما القدام» (تونس ودائما إلى الأمام) تنبعث أسئلة حارقة حول واقع المرأة التونسية وعما إذا كانت حققت بالفعل كل ما تطمح إليه من حقوق في كافة المجالات، وسط مطالبات مشروعة لإلغاء كل أشكال التمييز ضدها في مجتمع لا يزال يعيش هاجس الحداثة وتجتاحه صراعات اجتماعية ونفسية بين الموروث والمتجدد.
تذكر وزيرة المرأة والأسرة سميرة مرعي في ندوة صحافية عقدتها في هذه المناسبة مؤخرا ان أهم ما تم تحقيقه هو تقديم مشروع القانون الأساسي المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة إلى مجلس نواب الشعب من أجل المصادقة عليه، مبينة ان هذا القانون يكرس ما نص عليه الفصل 46 من دستور تونس الجديد بشأن التزام الدولة باتخاذ التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة.

نجاحات وتطلعات

تبين الاحصائيات الرسمية أن المرأة التونسية تمثل نسبة 26  ٪من السكان النشطين وهي متواجدة في كل الاختصاصات اذ تقارب نسبتها 42٪ ضمن الإطار الطبي و 72٪ في الصيادلة و29٪ في القضاة و31 ٪ في سلك المحاماة و34٪ في قطاع الإعلام. كما تبرز المرأة في التعليم لتبلغ نسبة تواجدها في الجامعات حوالي 60٪ خلال السنوات الجامعية الأخيرة، أما في المجال الاقتصادي وإدارة الأعمال فنجد أكثر من 20 ألف سيدة أعمال مستثمرة في مختلف القطاعات الزراعية والصناعية والخدمات.
فيما يتعلق بحضور المرأة في المجال السياسي ترى الناشطة الحقوقية والسياسية التونسية رئيسة جمعية «ارتقاء» النسائية ليلى الشابي في حديثها لـ «القدس العربي» ان المرأة استطاعت توسيع دائرة حضورها منذ سنة 1956 لتصبح ممثلة في أغلب المجالس التشريعية، حيث تشير الإحصائيات في ما قبل الثورة إلى كونها تمثل 20٪ من مجموع أعضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي و25٪ من مجموع أعضاء المجلس الدستوري. بيد ان هذه النجاحات التي حققتها المرأة التونسية والثورة التشريعية التي قامت بها دولة الاستقلال لتحرير المرأة واطلاق إرادتها، لم تستطع اخفاء جملة من الممكنات القادرة على تهديد هذه المكتسبات وأيضا الخيارات السياسية التي جعلت هذا المنجز التحرري مهددا بالارتداد. وقالت الشابي ان الدولة راهنت على سلطة القانون والتغيير الفوقي دون مشاركة حقيقية أو مساءلة عميقة للمخزون الثقافي للمجتمع الذي بقي حاضرا بالقوة والـفــعل متــمــثلا في سـلــوكــيات وممارسات معادية لحرية المرأة ورافضة لمبدأ إشراكها في صنع القرار.
وتعتبر محدثتنا ان تقييم التجربة الماضية يضع جملة من الرهانات. ودعت المرأة التونسية والقوى الديمقراطية إلى العمل عليها لتحصين المكاسب القانونية وتأصيل الثقافة الحقوقية معتبرة انه رهان يمكن تحقيقه خاصة بعد المناخ الذي وفرته الثورة التونسية، على حد قولها.

مكاسب دولة الإستقلال

وهي ترى أن مدونة الأحوال الشخصية في تونس مثلت حضنا تشريعيا لمنع كل أشكال الإنتهاك المادي والاجتماعي ومرجعا أخلاقيا لإطلاق إرادة المرأة والارتقاء بها إلى مستوى المواطنة.
وتضيف قائلة: «صحيح ان هذه المعارضة لم تستطع ان تؤثر أو تمنع الخيار التحديثي المقترح للنهوض بالمرأة التونسية، والذي عملت الدولة على دعمه وتأصيله في الذهنية الجمعية بسلطة القانون والسياسة الدعائية عبر القنوات الإعلامية والتعليمية والثقافية التي تحتكرها، إلا أن المحصلة أنها لم تستطع غلق ملف المرأة عندنا حيث بقيت سؤالا إشكاليا مفتوحا على ممكنات واحتمالات عديدة. وعليه فنحن الآن في حاجة إلى إعادة اكتشاف الإنجاز التحديثي لدولة الاستقلال والاصلاحات المنجزة في مجالي المرأة والنظام الأسري والاطلاع على السياق التاريخي الذي ارتبطت به كل الرهانات والإشكالات ذات الصلة بالمرأة التونسية، وأيضا إبراز التحديات التي فرضتها الثورة عليها فضلا عن الرهانات التي تجعلها طرفا رئيسيا ومشاركا فاعلا في هندسة المشهد السياسي والاجتماعي المقترحين للمرحلة التأسيسية المقبلة».

طيف بورقيبة

عن دور بورقيبة في تحرير المرأة تشير الشابي إلى أنه كتب على قبر بورقيبة «محرر المرأة وباني الدولة الحديثة» وهي عبارة اختزلت مشروع دولة الاستقلال التي بدأ تأسيسها منذ 1956 في تجاه تصفية الأرث التقليدي بمؤسساته ومنظومته التشريعية واستبعاد رموزه الاعتبارية مع العمل على وضع القواعد والآليات الدستورية والقانونية لتحقيق التماثل بين المجتمع والأفق الحداثي الذي راهنت عليه النخبة المؤسسة لمحاصرة التخلف وتحقيق الرقي الاجتماعي والذهني للمجتمع التونسي. ورغم المعارضة الاحتجاجية وحملة التخوين التي واجهتها دولة الاستقلال من قبل النخبة التقليدية وأيضا الثقافة الشعبية السائدة، تضيف الشابي، فقد استطاعت النخبة السياسية الصاعدة بقيادة بورقيبة فتح العديد من المداخل المهملة أهمها اصلاح التعليم وتوحيده من أجل مواكبة المتغيرات ومسايرة الوقت، وأيضا تطوير المنظومة التشريعية للمرأة في اتجاه القطع مع عقلية التمييز التي حكمت المجتمع التونسي قرونا.
وتؤكد أن النوايا المعلنة والتشريعات التي صاحبتها من أجل النهوض بالمرأة إذا وضعناها في سياقها التاريخي والرهانات المطروحة في ذلك الوقت تعتبر هامة وثورية قياسا بالوضع السابق وبالمقارنة مع وضع المرأة في كثير من الأقطار العربية. فبعد أكثر من نصف قرن من تاريخ إصدار المدونة تقف المرأة على نجاحات متعددة في العديد من المجالات حيث أصبحت المحرك الفاعل في الحقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي .

مكتسبات الثورة

لقد وفرت الثورة التونسية، بحسب الناشطة الحقوقية التونسية ليلى الشابي، مناخا مريحا لإطلاق الإرادات الفردية والجماعية وإثارة جملة من القضايا المسكوت عنها ومنها القضايا المتعلقة بالمرأة. ولئن حاولت بعض الأطراف، استغلال هذا المناخ الجديد لإحياء الثقافة التقليدية والمطالبة بمراجعة المكتسبات الحقوقية للمرأة، وعملت على القطع مع الاتجاه التحرري باعتباره السبب الرئيسي عندهم في حالة التفسخ الأخلاقي والتفكك الأسري، فإن القوى الديمقراطية والعديد من الحركات النسوية تحركت لمواجهة هذا التيار الماضوي، من خلال تعبئة الرأي العام في احتجاجات سلمية ووظفت كل الإمكانات الإعلامية والثقافية لتقوية المناصرة للدولة المدنية وحرية المرأة ومدونة الأحوال الشخصية و ذلك من خلال تعميق الوعي الحقوقي وتعرية الخطاب الارتدادي.

مبدأ التناصف السياسي ..انجاز آخر

ان أهم ما تحقق بعد ثورة 14 كانون الثاني/يناير/ هو تضمن الفصل 16 من القانون المنظم لانتخابات للمجلس التأسيسي لسنة 2011 إلزام مبدأي التناصف والتناوب بين النساء والرجال في القوائم المرشحة بهدف تعزيز تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار. وجاءت فصول في الدستور المقترح بعد الثورة لدعم هذا التوجه وتأصيل هذا الخيار التحرري، فقد نص الفصل 46 على أن «تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات. وتسعى إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة وتتخذ الدولة التدابير الكفيلة بالقضاء على العنف ضد المرأة».
وترى الشابي ان هذا المنحى يعتبر هاما لمنع الارتداد إلا أنه غير كاف لحماية الوعي الحقوقي وتأصيل مبدأ المساواة بين الجنسين داخل المجتمع. فهناك حاجة إلى دوافع ثقافية واجتماعية لتحصين هذا المنجز الحقوقي. وهو مدخل يفرض على كل الفاعلين السياسيين والناشطين في المجتمع المدني الانخراط فيه، وإلا اتسعت الفجوة بين النص القانوني والتطبيقي وبين المكاسب المثالية والتجربة القاسية التي تعيشها المرأة في الأسرة والعمل والشارع خاصة وأن التهديدات أصبحت جدية بعد اتساع دائرة الفكر الديني المتشدد وثقافة الكراهية التي تستهدف المرأة عندنا.
وأضافت ان عديد الأحزاب شهدت حضورا ذكوريا قويا مشيرة إلى ان الاتحاد العام التونسي للشغل رغم انه كان من الشركاء الفاعلين في إقرار مبدأ التناصف على مستوى القائمات الانتخابية ورفع شعارات عديدة لتمكين المرأة من احتلال مراكز القرار، إلا أن مؤتمره الثاني والعشرين الذي انعقد بعد الثورة استبعد المرأة رغم أن نسبة تواجدها في القطاعات الممثلة تفوق 48٪.
واعتبرت ان المعركة القانونية والدستورية حسمت بعد صدور الدستور والتوافق السياسي الذي جعل مكاسب المرأة قاعدة ثابتة ومرجعا قيميا مشتركا.

أبرز التحديات

عن أبرز التحديات التي تواجه المرأة تضيف: «المرأة مسؤولة عن حماية حقوقها وتأصيلها بالانضمام والمشاركة في الحياة العامة والانخراط في العمل السياسي والمدني وافتكاك موقعها في مراكز القرار بشكل يمكنها من مراجعة الإجراءات التمييزية المؤسساتية والتنظيمية. لذلك يجب أن تطور الجمعيات النسوية عملها وتخرجه من النخبوية بتوسيع جغرافية نشاطها خاصة في المناطق الداخلية والتواصل مع المرأة الريفية التي تمثل أكثر الشرائح عرضة للاضطهاد والتمييز». كما دعت إلى العمل على تطوير القنوات المنتجة للقيم والقيام بإصلاحات جوهرية في اتجاه تأصيل مبدأ الحقوق ونشر ثقافة التسامح وعدم التمييز بدءا بالمنظومة التعليمية والخطاب المسجدي والإعلامي.
ورأت ان الوضع الاجتماعي مرتبط ارتباطا وثيقا بوضع المرأة، إذ لا يمكن تحقيق مبدأ التسوية بين الجنسين دون إرساء منوال تنموي عادل وشروط عمل تحقق كرامة المرأة وتحمي إنسانيتها.

حقوق منقوصة ومطالب بالمساواة

من جهتها اعتبرت سيماء المزوغي الصحافية والناشطة في المجتمع المدني، أنّ ذكرى 13 آب/أغسطس هي تذكير لكل إمرأة تونسية بأن القانون حماها واعتبرها مواطنة مساوية للرجل، وأبعدها سنين ضوئية على ما كانت تتعرض له المرأة قديما في تونس من تمييز، فلم تعد بعد صدور مدونة الأحوال الشخصية، رغم نقائص هذا التشريع التونسي، مواطنة من الدرجة الثانية كما كانت في السابق.. كما أنّ مشروع القانون الشامل لمناهضة العنف ضد المرأة هو قانون ثوري، بحسب المزوغي وينصف المرأة التي تعرضت لظلم من المجتمع مؤخرا بعد بروز النزوع نحو التطرف لدى شريحة واسعة من التونسيين.
وتضيف قائلة: «لقد شهدت المرأة التونسية بعد الثورة محاولات لسحبها إلى الوراء، وتم إقرار بند في مشروع الدستور الحالي، سرعان ما تم التراجع عنه، اعتبرها مكملة للرجل، لكن تدخل نساء البلاد جعلها دستوريا مساوية للرجل لا مكملة له». وأضافت:»اليوم لم نعد نرضى ولو برفع بند أو ربع قانون يقزّم المرأة، الــيـوم نريد مــســاواة تامة في المــيـــراث، وهذا مطلب النــسـاء اليوم، كـــذلك نريد أن نرى النساء في مواقع صنع القرار، لذلك نحن نصرّ على مواصلة المشوار لأجل أن تكون المرأة كاملة الحقوق والواجبات».
ونبّهت المزوغي إلى تداعيات التعامل المناسباتي مع القضايا التي تهم المرأة قائلة: «لا بدّ من تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني للنهوض بالمجتمع عامة والمرأة خاصة. غير أننا نلاحظ أنّ هناك تعاملا مناسباتيا في تونس مع القضايا التي تهم المرأة عموما حيث تنشط الساحة الإعلامية مثلا بمواكبة نتائج تقرير رسمي ضد العنف أو مواكبة حملة من أجل التناصف أو تغطية حادث نقل عاملات في القطاع الفلاحي لكن بانتهاء الحدث نعود إلى البرامج النمطية والعادية والتي لا تحمل إرادة لتحقيق مشروع و بعث رسائل بديلة في إطار التوعية وتثقيف الرأي العام والعمل على إعادة تشكيله في اتجاه ثقافة المواطنة».
 
ما بين القانون والواقع

واعتبرت الناشطة في المجتمع المدني والقيادية في حزب «مشروع تونس» ليلى العياري ان أهم إنجاز تحصلت عليه الأسرة التونسية هو وضع قوانين وأنظمة تحمي حقوق المرأة والرجل والأبناء على حد سواء. وقالت ان تونس كانت سباقة عن كل الدول العربية في إصدار مدونة الأحوال الشخصية التي تضمنت عدة قوانين لتنظيم الأسرة وضمان حقوق المرأة. وأضافت في حديثها لـ «القدس العربي» ان المرأة حظيت في فترة الرئيس بورقيبة بالرفع من شأنها ولكن الكثير من النساء يجهلن كيفية الحصول على حقوقهن. وقالت ان هناك جهلا من قبل المرأة فيما يتعلق بحقوقها المدونة. وهذا حسب ـ العياري ـ يجعل هناك فارقا بين القانون والواقع فهناك العديد من النساء المضطهدات داخل البيت أو خارجه وهن لا يبخلن على مجتمعهم ببذل الغالي والنفيس في كل ما يخدم الوطن.

احياء الذكرى الستين لصدور مدونة الأحوال الشخصية: المرأة التونسية بين الاحتفال بانجازاتها والمطالبة بمزيد من الحقوق

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية