اختلاف طعم العمليات الإرهابية في الفضائيات العربية… وحينما أبكت الموسيقى علي جابر

صناعة الترفيه في عالم الفضائيات، صناعة ضخمة ومدرة للملايين، وهي قديمة يصل تاريخها إلى حدود مسارح روما. لكن في عصر التلفزيون، صار لتلك الصناعة إمبراطوريات ضخمة وخبراء محترفون يطورونها بتسارع مطرد مع تطور «أو تشوه» ذائقة المشاهد، فما كان يدهشك على التلفزيون قبل عشر سنوات صار نوستالجيا مضحكة أحيانا اليوم.
طبعا، لا أبرىء بعض صناعة الترفيه من أجندات محكمة الصنع غاياتها أصلا توجيه الذوق، على الأقل إن لم يكن إفساده، وبرامج الترفيه في الفضاء العربي تتفاوت بين المدروس المحكم والمحترف أو التافه المطلق على عواهنه، وفي المحكم والمحترف فإن فضائيات عربية محددة هي التي يمكن الحديث عنها في هذا المجال، وبلا شك، فإن شبكة «أم بي سي»، هي الأولى في صناعة الترفيه في العالم العربي، وحضورها في صناعة الأخبار والاعلام الإخباري، ليس بقوة قدرتها على صناعة الترفيه، وربما أصدق ما قيل من أنباء إن الشبكة باعت «محطة العربية» إلى الشركة السعودية للأبحاث والنشر، فـ»أم بي سي»، سيدة صناعة الترفيه بلا منازع.
أعتقد أن أسباب النجاح كثيرة، لكن من بينها هو طاقم العمل الاحترافي والمؤهل في الشبكة، ولعل شخصية مثل علي جابر، الذي استطاع أن ينجح بترويج لقب «عميد» لذاته غير المتواضعة أبدا، هي من أهم أسباب نجاح صناعة الترفيه فيها، وأتخيل الرجل وراء تخفيف الجدية السياسية المباشرة والمفرطة في القنوات، مع جرعات رسائل سياسية ذكية مكثفة تخاطب اللاوعي العربي لتترسخ، لأن الوعي العربي أشبه بطناجر تيفال، لا يلتصق بها شيء أبدا.
علي جابر، الذي اختار شخصية «سيمون كويل» البريطاني الشهير في كل برامج الترفيه الأمريكية والبريطانية، ليجسد الجدية والقسوة في لجنة الحكام، لم يستطع في لحظة حقيقة موسيقية أن يخفي دموعه أمام عازف كلارنيت كويتي، أكد قبل أن يبدأ عزفه على لجنة التحكيم أن لا تتأثر كونه كفيف البصر، لكن هذا مستحيل، فالمعجزة يا سيدي أنك كفيف وتحلق بنا على كل هذا العلو المرتفع.
الموسيقى الجميلة والساحرة، تبكي الحجر، وها هي هي تجاوزت ذلك، فقد أبكت علي جابر نفسه.

ألوان الدم على الشاشات العربية

لكن الأحد الدامي، والذي شهدته مصر، وطغى مشهد الدم فيه على كل مساحات الرؤية الممكنة، كان إثباتا جديدا على حجم الزيف في الوعي العربي، ومتابعة بشيء من التعمق في وسائل الإعلام تجعلك تكتشف دور الفضاء العربي التلفزيوني و«الإنترنتي» بحجم التضليل الذي يمارسه بل بتزييفه للوعي وتشويهه أيضا.
فها هي محطة تبرر القتل برده الى سياسة الحكومة المصرية، وأخرى ترى أنه بريء من الدين والإسلام، فيما يرى برنامج على محطة دينية أنه عقاب من الله، بينما تعرض محطات مصرية قوة المصريين في المحن بحيث ترى سيدات مسلمات ورجال دين مسلمين يتبرعون بالدم لأشقائهم من الضحايا الأقباط.
إذا منظر الدم هو الشائع منذ حرب العراق الى الآن وقبلها في فلسطين والعراق، وكل شاشاتنا تقطر دما، لكن ألوان الدم للأسف الغائر تختلف من شاشة الى أخرى!

دول معجون الأسنان

وفي العودة إلى صناعة الترفيه، فإن تلك الصناعة ليست بريئة من تمرير الرسائل الذكية، وهي لا تخلو من ترويج أي شيء حسب السعر والأجندة.
من هنا، فلا أرى في الإعلانات التلفزيونية تلك السذاجة في العرض، التي كانت سمتها سابقا، الإعلان التلفزيوني تطور إلى صناعة ترفيه بامتياز، لكن مع قدرات سحرية خارقة توقع المشاهد في المنتج أحيانا، فلا يخرج من تأثير السحر إلا بإخراجه محفظته وتفعيل حجاب «فك السحر» عبر شراء المنتج، فيبطل السحر، وينتهي مفعوله، يا سبحان الله.
هذا في ما يتعلق بالإعلان الذكي، والمشغول عليه بعناية لكن المفارقة أن بعض المنتجات، لم تستطع حتى اليوم الخروج من كليشيهات وقوالب مكررة في الإعلان عنها، حتى صرنا نحفظها عن ظهر قلب، مثل أغلب دعايات مساحيق الغسيل، فكلها تتحدث عن أطفال تتسخ ملابسهم باللعب، ومسحوق غسيل عادي ينتصف الشاشة مقابل مسحوق «أويلي شو أصيل» الخارق، وننتهي ببياض مطلق على قطعة قماش أمام قماشة أقل بياضا، بفضل الحبيبات الفوشية التي تخترق الأنسجة وتذيب الأوساخ.
وكذا في دعايات معاجين الأسنان، فكل دعاية لمعجون أسنان (على اختلاف أنواعها وأسمائها) تبدأ بطبيب أسنان يظهر اسمه على الشاشة بمريوله الأبيض ويوصي بالمعجون إياه، وينتهي الإعلان دوما بعبارة (معجون الأسنان الذي يوصي به أطباء الأسنان حول العالم).
كل المعاجين أوصى بها أطباء الأسنان حول العالم…
وكذلك.. الدول أحيانا، يتناولها الإعلام الخبيث كمعاجين أسنان، ويتم الترويج لها بالطريقة نفسها.
وكمعاجين الأسنان أيضا، هناك دول يوصي بها وصاة رأس المال في العالم.
دول بالفلورايد لأوطان أكثر بياضا وإفلاسا.

من يتحكم في من التلفزيون أم المشاهد؟

ظاهرة أخرى، لفتت انتباهي، في عالم التقنية الفضائية والتلفزيونية. وهي تلك الأجهزة الحديثة التي تمكنك من إعادة ما تشاهده أو إمكانية تسجيله وأحيانا عرضه بسرعات متفاوتة أو حتى أخذ صورة عالية الجودة للقطة التي تريد، كل هذا في «ريموت» واحد!! وأنت مستلق على أريكتك ببساطة.
فيما مضى، أيام ما قبل الفضائيات، لو فاتتك حلقة من مسلسل، ولم تجهز الفيديو تلك التجهيزات المعقدة لتسجيل ما تريد على شريط قد تحتار ساعات للتضحية بما عليه للتسجيل فوقه، فإنك تلجأ لصديق لم يفته ما فاتك، فيشرح لك التفاصيل ويشتعل خيالك ويعمل لحظتها كمخرج وفني إضاءة وصوت واستديو كامل.
اليوم..أنت بكل خمول يمكنك أن تتحكم في المحتوى التلفزيوني، أو أن المحتوى التلفزيوني يتحكم فيك. ويبدو أن الأخير هو السائد، رغم التطور الهائل الذي نشهده!
إعلامي أردني يقيم في بروكسل

اختلاف طعم العمليات الإرهابية في الفضائيات العربية… وحينما أبكت الموسيقى علي جابر

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية