على حد قول رئيس الوزراء ووزرائه فقد اندلع العنف بسبب التحريض: قادة الجمهور الفلسطيني يكذبون بشأن نوايا إسرائيل في الحرم. وبسهولة يستوعب اليهود هذا الزعم وهم يعتبرون اعداءهم كذابين بطبيعتهم، بل ثمة من يقول ان ثقافتهم تشوش قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والكذب. هذه ليست كل الحقيقة عن الكذب. فهو يسود في اوساط العرب، ولكن حتى لو كان لليهود تفوق قليل في قول الحقيقة، فقد ضاع تفوفهم هذا منذ زمن بعيد.
ثمة أكاذيب صريحة وثمة أكاذيب مركبة وملتوية. فمثلا، صرخة جموع المؤمنين للدفاع عن الحرم الشريف من اليهود الذين ينوون السيطرة عليه ليبنوا هيكلهم تقوم على اساس كذبة مخلوطة بالحقيقة. الحقيقة هي أن الموقف المعلن لحكومة إسرائيل تجاه الحرم لم يتغير منذ حرب الايام الستة، ولكن في نفس الوقت يعلن بعض وزرائها بان التغيير هو أمنيتهم وان الوضع سرعان ما سيتغير في أيامنا.
وخلف هؤلاء الوزراء يقف اليمين المسيحاني، الذي هو الاساس الاكثر خياليا في السياسة الإسرائيلية. ويفهم الفلسطينيون ما يفهمه مراقبون يهود ايضا: نتنياهو، الرجل الذي حذر من تدفق الباصات المحملة بالعرب نحو صناديق الاقتراع، هو الرمز اليساري في حكومته والمستقبل يكمن له من يمينه. وفي ضوء هذه الحقائق يمكن القول ان زعماء الجناح الشمالي للحركة الإسلامية يبالغون حقا في مخاوفهم، ولكنهم ليسوا كذابين.
يشبه زعم الحكومة بالنسبة لسبب اندلاع الاضطرابات الزعم الذي طرح بعد اندلاع الانتفاضة الاولى. في حينه شرح اندلاع العنف في أن محرضين فلسطينيين أشاعوا بأن سائق شاحنة يهودي دهس اربعة عمال في غزة بنية قتلهم. وبالفعل، كانت الحماسة في أعقاب الحادثة هي المفجر، ولكن برميل البارود كان قد تراكم على مدى زمن طويل. وكان بين العوامل اهمال السكان في غزة، استغلال المقدرات الهزيلة للقطاع في صالح مستوطني غوش قطيف، دعوات متواترة للترحيل، المعاملة المهينة للعمال الغزيين الذين يدخلون إسرائيل وشراء ارئيل شارون بيتا له في داخل القدس القديمة.
لقد تغيرت الظروف، ولكنها لا تزال متشابهة. فمن الفلسطينيين تنتزع اجزاء من البلاد هي آخر ما تبقى لهم منذ هزيمتهم في 1948. استقلالهم يبتعد، وضعهم الاقتصادي يتدهور، وسكان القدس العرب يميز ضدهم حسب كل مقياس تختارونه. ويبث العرب اكاذيب تكتيكية بينما يوقع اليهود ظلما استراتيجيا. في ساحة الاكاذيب ينبغي أن نسجل نتيجة متوازنة.
أتمنى لمؤرخ الثقافة الإسرائيلية، أن يكتب عن تطور ثقافة الاكاذيب. عليه أن يروي كيف أن الكذب والتضليل الضرورة التي لا مفر منها في الكفاح من أجل استقلالنا وأمننا، وجها نحو مواطني الدولة واصبحا نمط سلوك دائم. «من اجل بلاد إسرائيل مسموح الكذب»، قال اسحق شمير ولعله قصد الاعداء من الخارج وليس الخصوم من الداخل، ولكن هذا التمييز مرة اخرى لم يعد قائما.
عن التمييز بين الكذب الاضطراري من أجل الدفاع عن «الحقيقة الكبرى» وبين الكذب المغروس في الثقافة السياسية يمكن أن نحافظ عليه طالما كان ممكنا التمييز بين الخارج وبين الداخل وطالما كان الجمهور الغفير موحدا في مواقفه من طبيعة النزاع مع العرب. وما أن اصبحت وسائل الاتصال سريعة ومتغولة، لم يعد ممكنا الكذب على الاغيار وفي نفس الوقت قول الحقيقة لليهود. إذا لم تكن المؤسسة تريد للعالم أن يعرف، فعليها أن تكذب للمواطنين ايضا. وعندما تنكشف الحقيقة ينتشر استخدام الكذب كممارسة شرعية.
افترض أن المؤرخ سيقول ان حركة الاستيطان في المناطق المحتلة كانت تتميز بتشوش التمييز. رجالها، بالتعاون مع محافل تآمرية في المؤسسة السياسية، عودونا على ان الاحابيل لا تتم فقط في الحروب واعمال التضليل لا تستهدف فقط وضع العراقيل في وجه الخصوم من الخارج. ينبغي تضليل كل المعارضين، حتى لو كانوا نصف الشعب. ولقائمة الاضرار التي الحقها بنا الاستيطان في المناطق يجب أن تضاف ثقافة الكذب.
يديعوت 13/10/2015
يرون لندن