اختيار التجريدية: حداثة الغرباوي أم حداثة الشرقاوي

حجم الخط
0

نقف عند أهم منعطف فني عرفه المغرب، مع الفنانين التشكيليين الاستثنائيين أحمد الشرقاوي والجيلالي الغرباوي، هذا الأخير الذي اختار وبداية منتصف القرن الماضي، بشكل واعٍ وحرّ الانزياح إلى التجريدية، كمنطلق ومنتهى جمالي لأعماله الفنية، وهو الذي سبق وصرح بذلك لمجلة «أنفاس» سنة 1967. فاختيار الغرباوي للتجريد هو اختيار لتأسيس مسار خاص ورؤية/عالم خاص به. وكان اختيار الجيلالي الغرباوي للتجريد، كما يؤكد الناقد محمد الشيكر، كبديل جمالي ووسيلة، من جهة، للتحرر من رقابة الأكاديمية والاتجاهات والإثنية والغرائبية الاستشراقية التي أسبلت ظلالها على الذائقة التشكيلية أثناء المرحلة الكولونيالية، كما توسلت بمكانته الفنية للبحث عن ضوء. بالموازاة مع تجربة الغرباوي ظهرت «تجربة أحمد الشرقاوي رائد الحداثة التشكيلية في المغرب -على حد تعبير الناقد الجمالي نور الدين فاتحي- التي تمحورت حول إفراغ الرمز من مدلوله ثم تفجيره على مساحة اللوحة، اعتمادا على الألوان الزيتية الشفافة أحيانا، والمتعاكسة أحيانا أخرى، إلى حد التضاد بين الأبيض والأسود. كما الحال في أعماله المنجزة بالحبر الصيني على الورق». فقد عرف المغرب بروز أول الأعمال الفنية التي تنتمي لما نسميه الفن الحديث في المغرب، مع الفنانين التشكيليين المغربيين الجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي، 19532 و1952 على التوالي. أعمالهما التي يمكن تصنيفها ضمن خانة الأعمال التجريدية الغنائية.
يمكننا بعد أن نُصنف أعمالهما ضمن خانة الفن التشكيلي التجريدي، فأعمال الغرباوي إلى جانب أحمد الشرقاوي، تصنف أولى الأعمال التي أسست للفن المغربي الحديث، إذ جاءت تتبنى هذا التيار داخل مربعها الأيقوني، مما ترتب عنه في بادئ الأمر سوء تلقي لأعمال هاذين الفنانين الاستثنائيين، وما تمّ إنصافهما إلا بعد رحيلهما عنا.

في البدء: عن الحداثة والتراث

قد لا تعني الحداثة في شمال افريقيا والشرق الأوسط أكثر من كونها استهلاكا وإعادة إنتاج المنتج الغربي. ومماثلته على أرضنا الثقافية والاقتصادية والسياسية وكذا الفنية.. في تمظهرها العام. كأننا وهذا أمام عملية إعادة الإدماج فقط، لا هي عملية استدماج وتطوير وتغيير..! وهذا ظاهر بشكل واضح في أعمال بعض الفنانين التشكيليين في المغرب. سواء لكونهم من خريجي المدارس العليا الأوروبية، غير ملمين بالثقافة والفن المغربي (والعربي)، أو خريجي بعض المؤسسات الفنية بالداخل، غير المهتمة أو تعتقد بالقطيعة مع كل ما له علاقة بالثقافة العربية. أو هُم يتوهمون أن الحداثة في أعمالهم تكمن في مدى قَطعهم مع الثقافة الأم وموروثها «الجمالي» وانصرافهم عنها إلى حداثة تحاكي الأوروبية بامتياز.
لا نقصد بالموروث الجمالي، أبدا، كل أثر السلف، بل إنما هو عندنا كلّ ما له علاقة بتلك الرؤية الخلاقة للعالم، للمحسوسات والماديات.. أي كل ما ينصرف ليلمس الحس الرهيف في الذائقة الإنسانية الطامحة للتجدد واحتواء العالم، عبر طابع جمالي، والارتقاء والتسامي بالذات والفرد، عند القدامى.. وأليست الفردانية إحدى أساسيات الحداثة؟
يقترن التراث في الأغلب الأعم بالماضي أو لنقل يكتسي في أغلب الأحيان دلالة الماضي. غالبا ما نخال البحث حفرا في الماضي وإحياء له وهذا لا يتعدى الفهم البسيط والساذج للتراث. وعلى العكس من ذلك التراث هو ما يساءلنا في الحاضر وما يلاقينا في المستقبل. ليس التراث مساءلة ماض مضى بل راهن ومستقبل.
إن كانت الحداثة لا تعني المكوث في عباءة الماضي، وسرواله الضيق فهي لا تعني أيضاً القطيعة معه. إن الماضي هو «حضور دائم» في الحاضر والمستقبل. إنه مقياس تحديد مستوى تقدمنا من عدمه.

الشرقاوي: الإرهاصات الأولى للحداثة

ولد أحمد الشرقاوي سنة 1934، وتوفي سنة 1967 بعد عملية جراحية لاستئصال الزائدة الدودية، ليرحل عن الساحة الفنية المغربية في بداية حداثتها بشكل تراجيدي. لهذا يمكننا أن نؤطر أعماله ما بين سنتي 1960 و1967، هذه الأعمال التي تشكل وثيقة تاريخية لعملية التحديث التي عرفها الفن المغربي. أعماله الغارقة في الأصالة والتراث، من رموز وعلامات والوشم وكليغرام calligramme الخط. يقول الخطيبي عن أعماله أنه «ليس قمة في أعمال الشرقاوي من تعبيرية تجريدية، ولا من لطخة أو حركية وإنما ثمة صرامة الخطوط والعلامة التي تغدو شكلا ولونا. إنها وحدة في التأليف وتوازن ونقاء وتعديل مستمر للجموع في أسلوب لم يكف عن التوضُّح فيما هو يعمق رهافته. وبما أن الشرقاوي اشتغل كاتبا عموميا في الدار البيضاء فقد خبر مهنة الخط العربي وممكناته. لكنه في الستينيات دخل في بحث شكلي وكتابي تصويري مبتور جدا». وكتبت عنه الناقدة نيكول بونتشارا قائلة: «تتميز لوحات الشرقاوي بكونها بقايا آثار مسجلة في هضاب عليا لا تراها سوى الطيور، أو كموتيفات على راحة اليد أو الكعوب، هي بمثابة طقس غريب مليء بالحياة والحبور. وليس هينا قراءة هذه العلامات، إنها لا تقول غير ذلك الوجود الذي لها في اللوحات. الألوان الدافئة وحركية الخطوط ترحل بنا نحو الصحراء، ترينا السماء الزرقاء التي خلف حدائق الواحات. النقطة تصير الكلمة الخالقة، والخط بدائيا وبليغا يمنح قوة الولادة، والفراغات الداخلية مضمخة بجو صوفي يحبل ببذرات ساخنة كالأجرام». وليس هناك شهادة ولا وصفا للوحات الشرقاوي أبلغ من هذا القول لعلم من أعلام الفن المعاصر واحد أئمته انه الفنان بول كلي حيث يقول:»ان الشرقاوي يعزف بالألوان دونما تكلف ولوحاته تشكل اوركسترا يتحكم فيها كما يريد. وبذلك أعطى الدليل على أن العالم ليس مبنيا على إيقاع النفس، وإنما هو مبني على تفهم الحياة وطبيعتها».
ينتمي الشرقاوي إلى عائلة معروفة بانتمائها للتصوف، من طرف أبيه، وينتسب إلى أمازيغ الأطلس المتوسط، من طرف أمه. إنبهر هذا الفنان بالتقشف في اشتغاله، وبالتصوف في رؤيته. فيختار الشرقاوي علاماته، ويؤولها ويغيرها ويولّمها قبل أن يضعها فوق قماشاته، ليجعلها مبهَمة غير مقروءة، مجردة من المعاني، وممتلئة بالحياة. من ثم يقوم بمسح لوحة ألوانه، عبر مختلف تدرجات اللون الواحد، مغيّرا ألوانه داخلها، ليجعل الألوان تتداخل فيما بعدها، مشكلة والرمز الذي يكبّره كيفما شاء على مساحة القماش، والسند. مستندا على حركية خاصة، بالفرشاة، مما ينتج عنه توالد متعدد للمعاني والتأويلات للشكل داخل العمل عنده. بعد الاشتغال على الألوان الغامقة في بداياته، ذهب الشرقاوي في مراحله الأخير إلى استدراج ألوان فاتحة ورموز جديدة داخل عمله، مازجا بين الألوان، في تناغم غنائي، مع تلك الرموز الموظفة، ليدخل في عوالمه الصوفية. فتحت تجربة هذا الفنان الأبواب نحو إبداع مجدد وحداثي، وسحبت الفن المغربي نحو مساءلة ذاته والبحث عن أساليب مغايرة، والتأسيس لفن مغربي أصيل، يُدرج تراثه في حداثته.

غربة الغرباوي: تأسيس الحداثة الفنية

«في الخارج يمكنني أن أتقدم وأنتج في عملي أكثر من هنا، إذ ثمة محيط يساعد على ذلك: جمهور مهيأ، متاحف، نقاد، تجمعات وحركات يمكن أن نجد موقفنا منها. أما في المغرب، فما زال علينا أن نخوض المعركة لفرض فننا، وخلق حركة تهتم به، ولكن هذه المعركة لن تكون إلا بطيئة لأن الظروف العامة ليست ديناميكية». (الغرباوي، أنفاس 8/7.) هكذا عبّر الجيلالي الغرباوي (1930-1971) عن تلك الغربة التي عاشها داخل وطنه الأم. إذ وُجد ميتا في مقعد بـ «شان دو مار» سنة 1971.
يأتي مؤرخو ونقاد الفن في المغرب، إلى اعتبار أن الفن الحديث انطلق مع الغرباوي والشرقاوي، وأن الغرباوي رسم لوحته التجريدية الأولى سنة 1953. وهذا الاختيار للتجريدية يعدّ مؤسساً للفن مغربي جديد، فن مغربي معاصر، يأخذ من التراث منطلقا له، لا هو يعود له عودة حنين، بل هو استدراج وتفكيك وتأثيث للوحة. لوحة الغرباوي التي يقول عنها الشاعر الفرنسي في تدقيق عميق «الخطوط منطلقة ومحلقة، كما لو كانت مسكونة بحركة إلهام هواء مباغتة، وهي ليست مخطوطة بطريقة مبتذلة وبعناء وبشكل مكتمل، ذلك هو ما يكلمني وما يأخذ بجوارحي». عبر هذا الوصف الدقيق يضعنا ميشو داخل عوالم الصباغة والرموز في لوحة الغرباوي. فعلى خلاف مجايليه فإلى جانب اشتغاله على الرموز والعلامات المغربية ركز الغرباوي بالخصوص على ضربات الفرشاة. يقول الناقد هوليداي باورز أنه وعلى الرغم من عمله في مجالي النحت والرسم الزيتي، فهو معروف على الأكثر لألوانه الحية وضربات فرشاته العنيفة في رسم تجريدات إيمائية على القماش والورق والخشب. تمثل أعمال الغرباوي الأولى الأسلوب التجريدي الهندسي نسبياً أو تركز عليه، لكن من السهل التعرف على أعماله الأخيرة من خلال النمط الثابت المتمثل بأعمال تجريدية طليقة تركز على حركة الفرشاة. تبرز اللوحات عمداً أثر يد الفنان وغالباً ما تبدو عليها بنية بارزة من جراء طبقات الألوان السميكة مما يسلط الضوء على تفاعل الألوان والخطوط بالإضافة إلى الجسم المادي للرسم الزيتي بحد ذاته.
يقال عن الغرباوي أنه فنان حركي، أي فنان مشدود إلى الرؤية المباشرة والدوارة والعاصفة، والدخول السريع في اندفاعية الألوان. ويقول الناقد السوسيولوجي عبد الكريم الخطيبي، هكذا يحوّل الغرباوي ألمه (الذي كان عميقا وكبيرا) إلى صور و»تجريد غنائي» إلى درجة غدا معها المكروه الذي صاحبه واضحا أمام أعيننا. إنه تحول يتحقق بفضل ملاءمة فورية بين الرؤية والحركة واللون. وفي لوحاته الغواشية على الورق، نظل معجبين بالقوة الجامحة والصمت المخملي، والطقوس السحرية للصدفة والتخلص من وطأة الفتنة، والعافية التشكيلية المنفصلة عن الماضي. وبهذا الصدد قال الغرباوي: «لقد شكل التراث بالنسبة لي رافدا بصريا أكيدا. فلا يمكن أن ننفلت من بيئتنا. لكننا لا يمكن دائما وصف ما نحمله في داخلنا. لقد ظل عملي الشخصي دائما مجهودا باتجاه المجاوزة وإمكان تجربتي أن تخدم أيضا الصانع والفنان الحديث».
بهذا يكون المغرب قد خطى خطواته الأولى نحو تحديث فنه. إلا أن الغرباوي رمز هذا التأسيس، لم يكن له أن يعيش طويلا ولا سعيدا.
عاش الغرباوي متنقلا منذ بداياته بين المغرب وفرنسا، لاحظه مارسيل فيكير٬ وهو رسام فرنسي كان يعمل محافظا للمتحف ومفتشا للآثار التاريخية٬ فرأى فيه صبيا موهوبا٬ فأوصى به أحمد الصفريوي٬ الذي أرسله في منحة دراسية إلى مدرسة الفنون الجميلة في باريس. حيث درس الرسم أربع سنوات ألحقها بسنة قضاها في أكاديمية جوليان. غير أن عودته إلى المغرب، 1955، وإقامته أول معرض فني هناك، سيعرف عدم اهتمام عدد كبير من النقاد، مما سيترك في نفسيته تأثرا كبيرا. إذ ستلقى أعماله رفضا واضحا، آن ذاك. دفعته معاناة الغربة إلى المغرب سنة 1960. ولكنه سيعود إلى فرنسا سنة 1971، هناك حيث سيُعثر عليه ميتا في مقعد عمومي، السنة ذاتها. إلا أن أعماله لم تلق اهتماما إلا بعد وفاته، إذ صارت تضاهي كبرى الأعمال العالمية قيمة ومبيعا، فيكون الغرباوي ذلك الفنان المؤسس لحداثة بلاده، عاش غريبا ومات غريبا.

عزالدين بوركة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية