فجأة أصبحوا جميعهم أبرا منغيستو. حتى الآونة الاخيرة لم يعرف أحد تهجئة اسمه، وفجأة أصبح مصيره يهم كل إسرائيلي. يا للإسرائيليين الانسانيين المتضامنين. أليس هذا أمرا مؤثرا؟ شعب واحد. لقد أقيمت خيمة الاعتصام، وسيتم بعد قليل تعليق اللافتات الزرقاء والعرائض في الطريق ايضا.
فجأة بُعث اورون شاؤول وهدار غولدن، والجميع يتحدثون عن «مصير الأولاد» (الأموات). حتى إلى ما قبل اسبوع لم يهتم بهما الكثيرون ايضا. ولكن حينما يمكن استخدام مصيرهما من اجل الانقضاض على فرصة اتفاق معين، فإن إسرائيل تتجند. تستطيع اخراج منغيستو البائس وتقوم باحياء شاؤول وغولدن من عالم الاموات فقط من اجل افشال الاتفاق مع تركيا. المذيعون سيعرضون صورهم بألم مصطنع والسياسيون سيردون بأقوال مصطنعة.
كما يبدو، ليس هناك مهمة قومية لإسرائيل مثل معارضة أي اتفاق. فالشعب هو شعب الرفض، دائما الرفض، فقط مع الرفض. في دولة الـ لا، لا. يمكن الاعتماد على وسائل الاعلام التي تعرف كيف تؤجج الصراع على السياسيين الذين يتقنون التحريض: أغلبية الإسرائيليين سيكونون ضد. إنهم ليسوا اغبياء.
لو تم طرح اقتراح قصف اسطنبول وتدمير المسجد الازرق والبازار الكبير، بغض النظر عن السبب، لكان يمكن القول إن الكثيرين كانوا سيؤيدون. ولو كان الاتفاق مع تركيا شمل ايضا هبة مالية سخية لـ شييتت 13، لكانت الاغلبية عارضت ذلك. ولم تندلع هنا أي حرب أو أي هجوم أو أي اقتحام دون أن يكون لذلك اغلبية كبيرة مسبقا.
ستبقى الحرب دائما هي الخيار الاول بالنسبة لإسرائيل. حرب، لم لا؟ لكن اتفاق؟ ايضا السلام مع مصر لم يكن لينجح الآن. فعلى الفور كان سيتم اخراج السيناريوهات الفظيعة، و»الخبراء» يتحدثون عن المخاطر والدوافع الظلامية للطرف الثاني، القامة القومية تنتصب والاغلبية تقول «لا».
هكذا في الاتفاق مع تركيا، الذي توجد فيه فقط فائدة لإسرائيل ولا يوجد فيه أي ضرر. بدلا من السعادة، إسرائيل تعبس وجهها. بدلا من دعمه يحاولون افشاله. بدلا من الاستفادة القصوى منه يتم تقليصه.
عمل اصلاحي متأخر لسلوك عنيف، وقح وغبي يتم اعتباره تنازلاً، لكن التنازل غير موجود في قاموس غير الأغبياء. الدولة التي تتاجر بالجثث ويتنافس وزراؤها فيما بينهم من يعذب اكثر العائلات الفلسطينية الثكلى، تتجرأ على الحديث عن فظاعة حماس التي تحتجز جثتين. الدولة التي تصرفت شرطتها بشكل عنيف جدا تجاه الاثيوبيين، فجأة تهتم بالاثيوبي الذي في غزة. هذه ذروة التلون.
الاتفاق مع تركيا كان يجب أن يفرح كل إسرائيلي. كان يجب أن يذهب رئيس الحكومة إلى أنقرة ويوقع عليه بمراسيم احتفالية. دولة اسلامية تتصالح مع إسرائيل؟ وما الذي نريده أكثر من ذلك؟ ولكن لا. افيغدور ليبرمان ضد. لهذا فان نفتالي بينيت ايضا ضد، وموشيه كحلون غير مُعرف بعد، واسحق هرتسوغ أعلن بأنه ضد. والاستطلاعات؟ تتفجر بالمعارضة. ويعرف اصحابها ما الذي يفعلونه.
فتركيا لا تهمهم ولا إسرائيل ايضا. إنهم يضعون اشارة في منطقة معينة ويرسلون التهديد إلى الفضاء: انظروا كم من الصعب المصادقة هنا على اتفاق مع تركيا، وتعلموا كم هو غير ممكن تمرير اتفاق مع الفلسطينيين، هذا هو العنوان الفرعي الحقيقي للمعارضة.
إن من حقهم أن يعارضوا، من حق القطيع أن يسير كالاعمى نحو العزلة. ايضا العودة إلى انطاليا لم تعد مغرية – الرفض فوق كل شيء. ومن المبالغ فيه توقع أن قلب الإسرائيليين يتفطر ألما بسبب ما يحدث على بعد مسافة سفر قليلة من البيوت في القفص الكبير في العالم، حيث تجرى التجارب على البشر.
لكن الدب الصغير لـ «لا، لا» الإسرائيلي، الذي دائما تكون غريزته الاساسية «لا»، يجب أن نسأله ايضا: أين «نعم»، بحق الجحيم، أينن»عم»؟.
هآرتس 30/6/2016