قامت القوات الإسرائيلية بالانسحاب من قطاع غزة. في الوقت نفسه يستمر نتنياهو في مكابرته وإطلاق الوعود، مثلما سبق أن وعد كثيرا، بتوسيع العملية العسكرية. ولقد طلب مرارا من الإسرائيليين الاستعداد لفترة من الحرب، طويلة. أيضا، هناك انقسام حاد في مجلس الوزراء الإسرائيلي الموسع «كما في المصغر «على قرار الانسحاب أو القيام بتوسيع العدوان. الانقسام الحاد انصّب أيضا حول المدى الزمني للحرب. الاخيرة هي عنوان النقاشات داخل الشارع الإسرائيلي.
سبق لنتنياهو أن طلب من كيري التوسط لوقف إطلاق النار مع الفلسطينيين، في الوقت الذي يعطي فيه الوعود بالعكس من ذلك. إسرائيل أعلنت هدنة لمدة 7 ساعات الاثنين 4 أغسطس/آب الحالي، ولم تلتزم بها. قبلها جرى الاتفاق على هدنة لمدة 72 ساعة وبضمانة أمريكية من خلال كيري، ودولية من خلال الامين العام للامم المتحدة، وما كادت تلك الهدنة تعلن، حتى قامت إسرائيل بخرقها، إنه التقليد الذي تعودت عليه إسرائيل، بأنها فوق كل اتفاق وخارج أي مواثيق دولية ولا يجري عليها تطبيق العقوبات. أخيرا وافقت إسرائيل على هدنة لمدة 72 ساعة تبدأ الثلاثاء في الثامنة صباحا، 5 أغسطس الحالي، ومن المحتمل جدا ان تقوم بخرقها. لولا الضوء الاخضر الأمريكي للحروب الإسرائيلية، ولما تمارسه فيها من مذابح وتنكيل فاشي بالفلسطيــنيين، لفكــرت آلاف المرات قبل قيامها بشن الحرب.
المهم للإدارة الامريكية هو مصلحة إسرائيل وأمنها وعدم إدانتها، هكذا تصرفت أمريكا مع مشاريع قرارات في مجلس الأمن، والهيئات التابعة للأمم المتحدة تحمل الإدانة للكيان. القيادة الإسرائيلية على المستويين السياسي والعسكري، تميزت بالانقسام على الخيارات في الحرب. كل هذه المظاهر هي دليل ارتباك حقيقي لدى رئيس الوزراء ووزرائه وقادة جيشه وأجهزة أمنه، مثل الإسرائيليين جميعا، فمعظمهم يرى أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها، بما في ذلك تدمير الأنفاق.
على صعيد آخر لو أن إسرائيل كانت واثقة من إمكانية تطبيق عقوبات عليها، لإبادتها الجماعية للفلسطينيين ومجازرها ضدهم وتنكيلها بهم، وحتى ضرب المدارس التابعة للأمم المتحدة، لكان لها شأن آخر في عدوانها واساليبها الهمجية في القتل. بالفعل ليس منتظــــرا أن تجـــري عقوبات دولية من قــــبل محكمة الجنايات الدولية عليها «حتى لو جرى اتخاذ قرار بذلك في المحكمة» ولا معاقبة إسرائيل من قبل المجتمع الدولي بسبب جرائمها، جرّاء الضغوطات الأمريكية التي ستمارس على هذه الدول حتى لا تلتزم بتنفيذ قرار المحكمة، هذا مع أهمية نوايا السلطة الفلسطينية باتخاذ خطوة الانضمام للمحكمة.
القيادة الإسرائيلية وأمام الإخفاق في تحقيق أهداف الحرب، خاصة البرية منها، وعدم تحقيقها لأي نجاحات حقيقية تسعى للوصول إليها، وهذا ما اعترف به نتنياهو في تصريح حديث له، يوم الثلاثاء 5 اغسطس، اتهم فيه قادة جيشه بالتقصير، في حقيقة الأمر يدرك أن الحرب التي شنها على القطاع لم تسفر سوى عن قتل المدنيين الفلسطينيين، وجدت نفسها من وجهة نظرها مضطرة للاستمرار في الحرب وخرق الهدن، هذا ما عكسته وتعكسه الصحافة الإسرائيلية في غالبيتها. هذا أيضا دليل ارتباك يشير أيضا الى ارتباك نتنياهو وحكومته، قتل عدد كبير من أفراد الجيش واضطرار إسرائيل إلى إخفاء المعلومات الحقيقية عن الخسائر، ثم الإعلان عن أسر ضابط في القوات الخاصة من قبل الفلسطينيين، ثم تم في أقل من أسبوع، التراجع عن ذلك، وجرى إعلان مقتله.
إسرائيل في معظم حروبها لم تتعود على تقديم خسائر من دون ثمن سياسي وإنجازات تقنع الشارع الإسرائيلي بكل هذا العدد من القتلى، وبصوابية الهدف الذي من أجله جرى شن الحرب، لذا هي بحاجة الى إنجازات، وهذه غير متوفرة، من أجل أن تحفظ ماء وجه قياداتها وتقنع بها القيادة شارعها.
في إسرائيل بدأ الحديث أيضا عن أهمية تشكيل لجنة تحقيق، وإلكين أحد أشد متطرفي الليكود ومنافس نتنيــــاهو على رئاسة الحزب، وعد بتشكيل اللجنة لمساءلة نتنـــياهو وحكومته، للبحث في الحرب الحالية وهذا أيضا يفاقــــم من حدة الارتبــاك.
نتنياهو لا يريد أن يتحمل النتائج التي ربما ستتوصل إليها اللجنة في حالة تشكيلها، واحتمال بالتأكيد تثبيت تقصيره شخصيا وحكومته ووزير دفاعه فيها. هذا يتناقض مع شخصيته الصهيونية بامتياز التي يتفاخر دوما بها، فهو يعتز بأنه من تلاميذ جابوتنسكي وهرتزل وبن غوريون، وبأنه من أكثر رؤوساء الوزارات الذين عملوا الكثير من أجل إسرائيل. لقد بدأت صورة إسرائيل تهتز على الساحة الدولية بفعل بشاعة جرائمها وإرهابها.
جملة القول، ان القيادات الإسرائيلية كما الشارع، مثلما الحكومة، وقفت كلها مرتبكة في العدوان بالنسبة لاتخاذ وجهة نظر واحدة، أو حتى الإجماع حول قرار واحد في ما يتعلق بالعدوان. إن هذا دليل ضعف حقيقي أولا. ثانيا ما كانت هذه الحالة تتحقق لولا صمود شعبنا ومقاومته في القطاع.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد