الإشكالية الرئيسية التي تطرح نفسها على الفكر الإنساني إزاء هذه الحالة الكابوسية التي يواجهها العالم قسراً عن كل البداهات، لا تزال تؤسس لثقافة العالمية وانتظارها المحتوم؛ فهي إشكالية التعارض بين مسيرة كل من المدنية الكونية والردّة نحو حضارة العنف المحسوم، أي إلى ما بين ضلعيْ براديغم التاريخ، الجيوفلسفي/ الجيوسياسي. إذ تقع القطيعة الكارثية في حدها الأقصى ما بين ضلعيْ هذا البراديغم بما لم تكن تتوقعه أيةُ جدلية تاريخية مهما كانت مأتمية سوداوية، بما يقرِّبُ من إنذار القيامة والهلاك الميتافيزيقي التام. فالأمبْطَرة هي شكل الدفاع الأعلى الذي تشهره صيغة الحضارة ـبما هي حد الأخصوية المطلقةـ في مواجهة صيغة المدنية، وقد شارفت هذه حدَّ الانفجار على المستوى الكوني، متخطية بذلك أركيولوجيا أداتية القوة، إلى مشارف جينالوجيا القوة القروية، أي قوة التمدن كفاية في ذاتها، كما لو أنها استكملت مشروعية نهاية التاريخ عبر استحقاق التطابق، وذلك حسب المفهوم الأصلي للكوسموبوليتيا، بين حدي سياسة المدنية nomos، والكونية cosmos، بما هي الوطن الأخير لمشروعية الهوي الإنساني عند ذاته ولذاته فحسب.
لا بد هنا أن نتوقف قليلاً حول ما تعنيه حضارة العنف المحض. فالماضي كتاريخ تسجيلي، وعبر استعراضه المتواصل لقصص الحضارات، كان سرده ينطوي على خطاب ذي معيار مزدوج. فمن ناحية كان يثبت، في قصة كل حضارة، قطبَ القوة المادية الذي ينشئ الكيان السياسي والعسكري، ومن ناحية أخرى يعرض لانتاجات القوى الأخرى الناهضة، الموصوفة بالإبداع والعلم والفن والعمارة وفي ثقافة الحياة الفردية والعامة. إنه السرد المعياري الذي يمكن أن يندرج تحت ضلعيْ البراديغم النمذجي وهما، المسار الجيوسياسي والمسار الجيوفلسفي. على أن تُفهم صفةُ السياسة هنا وفقاً لدلالتها العادية المتداولة، وهي تخص حركية البنية السياسية العسكرية للكيان القائم المتمثل طبعاً بالدولة، وشكل الحكم وصِيغ السلطة وعلاقاتها بالمجتمع ونظامه المؤسسي.أما ماذا يعني مصطلح الجيوفلسفي في هذا السياق، فهو يضم علاوة على مجمل النتاج الثقافي ودلالات توجهه، فإنه يريد أن ينفذ إلى عمق المتخيّل الترميزي العام، وفك شفراته الدالة على معالم الشخصية المفهومية لتلك الحضارة موضوع التمعين والتحليل. ولعل العنصر الأهم والدال المنعكس، الذي يهدف إلى تحصيله التاريخ التسجيلي، ليس هو التدوين الحدثي لقصة الحضارة، بقدر ما هو نوع التدوين الفلسفي الذي تشكله أركيولوجيا الفعل الحضاري نفسه، والكشف عن تميزه، وما يبين عن خصوصية علاقته بالعنف، الذي يعبر عنه حسب ابتكار هذه الحضارة أو تلك لطريقة تعاملها مع بربريتها الأصلية الكامنة في أصولها، ـ وما قبل تاريخها- ومدى قدرتها على تعديلها وإعادة صياغتها بما يغذي جدلية التفاعل المستمر بين الجيوسياسي والجيوفلسفي إيجابياً، دون طغيانٍ كثيف من أحد ضلعيْ هذا البراديغم على الآخر. وخاصة إن جاء من طرف: طغيان القطب الأول على القطب الآني، أي السياسي على الفلسفي.
والتاريخ ليس هو؛ في المآل الأخير سوى قصة هذه البربرية المستديمة عينها في صراعها مع ذاتها، وعبْر ما يجسده هذا الصراع من استعارات قد تأخذ أشكال التحولات المضادة للأصول البربرية شكلاً، وتسمى عندئذ هذه الإستعارات بظواهر الحضارة. لكنها في حقيقة أمرها لا يمكنها التشكل إلا بمقدار ما تستمد (قوة) هذا التشكل عينه من حيوية تلك البربرية التي دأبت على رسم الوجه الآخر للظاهرة الحضارية. فالبربري لن يكون أبداً مضاداً للحضاري إلا على مستوى التنظير والتجريد المتخيل. بل هو رديفه، ولا ينفك عن كونه سببَ وجود الحضاري نفسه؛ وإذا ما انعدم ذلك السبب لأمر ما من مَكْر التاريخ أو غبائه، فإنه لا طاقة للحضاري أن يقوم بذاته إلا إذا أتيح لبعضه النادر أن يخترق أركيولوجيته أو يعيد إنشاء تكوينه المختلف (الجينالوجيا خاصته). إنه يعيد تأسيس هويته في المختلف حقاً، ذلك الآخر الذي ليس هو سوى تكوين مستديم، جينالوجيا لا متناهية؛ حيثما ينهي الحضاري تحليقَه في دارته الخصوصية، يكسر قوقعة هويته، ويعيد (أَرْضَنَته)، توطّنَه في رحاب الكوني، وقد أمس وطنَ الهويّ الإنساني، أو مدينته المستحقة. إن قدرة الحضارة لأمة ما على الانتهاض ما فوق أصولها البربرية، والانفكاك من أسار تشكلها الخصوصي، أي اركولوجيتها، هي التي تسمح لها بالتحليق ما فوق معطياتها الطبيعوية (الأنثربولوجيا)، والالتقاء بالكوني، بالإنساني الخالص، ويؤهلها إلى استعادة أَرْضنتها reterritorialisation، أي توطّنها الجديد، كمدنية لذاتها، حسب مثال أثينا اليونان (سقراط محلقاً مع مثال الحرية كمعرفة كونياً، متقبلاً التضحية التزاماً بقانون المدينة ).
فاكتشاف الفلسفي بما هو البحث عن الحقيقة في ذاتها، وليست كوسيلة لسواها، جَعَلَ الفلسفيَّ طريقةَ حياة للفرد والجماعة، سوف يطلق عليها اسم سياسة المدنية. فهي التي تتيح تكوين جدلية صراع إيجابي مع تحولات الجيوسياسي من حولها، وبذلك يولد الترميزُ الذي سوف يُعطى لكل حضارة منفتحة على المدنية.
إن الحركة بين (المدينة) و (الكون) أو (العالمين) بمقدار ما توحي بالترحال الجغرافي، حسب المصطلح الجيوسياسي/الجيوفلسفي، فهي قد تجسد السياق المكاني؛ إذ لا بد لمفهوم العالمين، أو الكون من التجسيم المادي. لكن التجسيم مأهول بسكانه الأصليين المترحلين بدئياً قبل أن يصيروا مقيمين كذلك. والبشرية منذ عهودها الأولى كانت قطعاناً متنقلة. ومن المتداول أنَّ الإقامة والاستقرار لم يُعرفا إلا في وقت متأخر. فجرى تحديد الأوطان مع تحديد الملكيات الفردية أو المشاعية. أما التعلق بالحيز، أي بأضيق مساحة ممكنة فهو غريزة حيوانية. ومن (الحيز) يجيء إسم المصدر (الاحتياز).
وقد يكون للكائن الإنساني تعريفٌ آخر غير صفة العاقل السقراطية فحسب. إنه كائن احتيازي. وهو حيوان يستخدم يديه في القبض على الأشياء أو تعديلها. ورغم أن (الوطن) تعبير حديث ومتأخر، إلا أن (الاحتياز) قديم قدم الحيوان في الإنسان. والعلاقة بين الحيز والوطن تفيد في فهم العلاقة ـالفلسفيةـ بين الأركيولوجيا والجينالوجيا. فالحيوان يشغل حيزه، يبول حوله، فيرسم له حدوداً، ويصير الحيز امتداداً لجسد ساكنه. إنه شعاع لحمه وعظمه منتشراً حواليه. أما الوطن فهو انتماء تكويني ـ جينالوجي. وهو في الأصل (التاريخي) مدينة الوطن، ووطن المدينة؛ مساحته الجغرافية محدودة بما يشغله القوم من المكان. ولم يكن للبدوي العربي مدينة. بل كان له رَبْعٌ، وهي تلك البقعة التي ينبت فيها ربيع الكلأ، أو حيثما ينزل القَطْر وتتجمع مياه السيول العابرة. وبين الترحال عبر المرابع والإقامة لا تتغير الأمكنة فحسب، بل يكتسب المترحّل نفسه مفهوماً جديداً، وقد تصبح له وظيفة مختلفة، أو أداء مغاير. وهو المعنى الذي أبدع (دولوز) باستخدامه في أهم كتبه. لكن الدلالة الأعم هي التي يمكن أن يُبنى عليها منطلق نحو فلسفة للتاريخ مباينة للسائد من نظرياتها. ويمكن صياغتها كالتالي:
إن انتزاع الحضارة لذاتها من ما وراء امتيازاتها الأنثربولوجية، والانطلاق من الحد إلى البعد، إلى ما ليس له حد بعْدُ، ثم الرجعةَ إلى سلوك الاستيطان اختلافياً في الربع الأصلي، هو الشرط الأنطولوجي الذي يُيسّر للحضارة الواعدة كيما تمضي إلى أفق المدنية، دون أن تفقد خصوصيتها؛ إذ سوف تعاود استردادها، كما لو أنها اكتسبت تنويعاً على وحدة الكلي، كوجهة نظر في فهم المدنية والتعاطي معها من داخل حيزها، غير الاحتيازي، لكنها تنطق بذات مفرداتها وعباراتها. منذ أن طرحت أثينا سؤال الحقيقة في ذاتها وربطته بسؤال الوجود، بدلالة الكينونة، مع بارمنيد، وصولاً إلى الفلاسفة المؤسسين الكبار: سقراط أفلاطون أرسطو، فقد ولد السياق المدعو بالجيوفلسفي الذي سيصاحب السياق الجيوسياسي، أو الحداثي التاريخي المتجسد كنظام حياة وعلاقات اجتماعية. ثم لا تلبث أن تتنامى جدلية حضارية جديدة بين هذين السياقين، وقد وضعت حضارةَ اليونان، ومن ثم حضارة الغرب، على شفا المدنية، وفي ضواحيها دون أن تتحد معها نهائياً، وذلك طيلة ألفين وخمسمائة عام من إنتاج الحدث التاريخي العام وظله الفكري.
بحيث أمكن للمشروع الثقافي الغربي أن يعتبر نفسه هو نموذج ما يدعى بالشخصية المفهومية للإنسانية ضداً على /ومع البربرية دائماً. فليست المسألة هي أن يكون هذا المشروع قد يشكل مركّب الحصيلة الشاملة كمكتسبات صالحة لمختلف الحضارات للأمم الأخرى، بل في تحاشي خطابات المشروع العامة والعامية حول أسطورة التفوق الغربي وفرادته، واختلاق وهم العنصرية الأحادية سواء بالعرق والدم. أو بانتاج التقني أو النظام السياسي الاجتماعي أو سواه، ذلك أمر معروف منذ أن اختص الغرب بسيرة الفتوحات الشاملة لبقية العالم تقريباً، بدءاً من الغزو الصليبي الموجه نحو الجناح الآخر لقارة المشروع، أي المجال العربي الإسلامي، وصولاً إلى حقبة الاستعمار بحلقتيْه: الأوروبي التقليدي، والامبراطوري الأمريكي المعاصر، بل إن المسألة الفلسفية المركزية المتمتعة بالراهنية المطلقة إنما تدور حول نقطة الوصول، بالنسبة للتاريخ الإنساني الشامل، إلى حال الاستعصاء الأخير لجدلية العلاقة الملتبسة بين حدي الجيوفلسفي/الجيوسياسي، أو ما يمكن التعبير عنه بالقول التداولي المباشر، كما يلي:
كيف النفاذ من براديغم البربرية/الإنسانية كما عاشها التاريخ الكوني للكوكب متورطاً دائماً بين حضارة العنف، وكونية المدنية، بين تصنيم الهوية أو التطلع نحو الإنسية النقدية؟
ولقد طرحت «الأنوار» الجواب منذ أن سنّت شرعة حقوق الإنسان، كشعار جامع مانع لقبائل البشرية جميعها؛ يساعدها على اختراق هيكلياتها المتعضية على أصولها الأنثربولوجية، والشروع في الانفتاح الإرادوي الواعي على الهُويّ الإنساني، بما أنه أنيطت وتُناط به وحده وظيفةُ الدليل الأنطولوجي العلماني، على إمكانية إنتاج النقلات المتتابعة، داخل وفي سياق جينالوجيا المدنية عينها، وانطلاق جدليتها مع الكوني على أرضيةٍ من محايثة التاريخ، وفي أوان نهايته، غير المتناهية تماماً.
٭ مفكر عربي مقيم في باريس
مطاع صفدي