باريس – «القدس العربي»: لم تنجح اجتماعات باريس بشأن الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في إقناع وزراء خارجية 23 دولة عربية وغربية شاركوا فيها بالقبول بتوزيع الأدوار بشكل دقيق فيما بين دولهم، ليتم ترحيل ذلك إلى الاجتماع المقبل الذي ستحتضنه العاصمة البحرينية المنامة.
وقال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس في ختام مؤتمر باريس إنه تم الاتفاق على عقد مؤتمر مماثل في البحرين لبحث وسائل وطرق قطع الإمدادات والتمويل عن تنظيم «داعش».
وجاءت اجتماعات باريس عقب مؤتمر جدة الذي يندرج هو الآخر تحت لافتة مكافحة الإرهاب، حيث وقع وزراء خارجية عشر دول عربية على التزامات بمكافحة «الإرهاب» و»داعش» و»جبهة النصرة» على جبهات تشمل لبنان وسوريا واليمن والعراق وليبيا بإمرة واشنطن. وبدت الهوة سحيقة بين الدول الغربية والعربية من جهة وروسيا من جهة أخرى بعد أن نجحت الولايات المتحدة في ثني باريس عن توجيه دعوة بالمشاركة إلى إيران في وقت كانت فيه الخارجية الفرنسية قد ربطت اتصالات على أعلى مستوى بالجمهورية الإسلامية تمهد لحضورها المؤتمر. وتعمد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الحضور بشكل متأخر إلى القمة الباريسية حيث كان آخر من وصل إلى القاعة الكبرى في مبنى الخارجية الفرنسية حيث عقد المؤتمر، وشوهد وهو يتوجه نحو أقصى جانب في الصفين الأولين المخصصين لوزراء الخارجية في وقت كان فيه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند يوشك أن ينهي خطاب الافتتاح الرسمي.
وبعد انتهاء الاجتماعات المغلقة لوزراء خارجية الدول المشاركة في قمة باريس بشان أمن وسلامة العراق، كان لافروف أول من يغادرها، بعد أن عرض عليها مقترحاً روسيّاً لعقد مؤتمر دولي يقدّم دراسة شاملة لمكافحة التطرّف والإرهاب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحت رعاية مجلس الأمن الدولي وبمشاركة ايران وسوريا، وهو ما لم يحظ بتجاوب المشاركين في المؤتمر.
وقال مصدر دبلوماسي حضر الاجتماعات المغلقة لـ»القدس العربي» أن لافروف أبلغ المجتمعين في باريس بأن التدخل العسكري الغربي والعربي لمحاربة «داعش» داخل سوريا خط أحمر، داعيا إليهم بضرورة المرور عبر مجلس الأمن الدولي.
لافروف دعا أيضا إلى الابتعاد عن المعايير المزدوجة في محاربة تنظيم «داعش»، مؤكّداً أنّ موسكو تدعم التحالف الدولي ضدّ هذا التنظيم إذا كان تحت راية الأمم المتحدة وبمشاركة إيران وسوريا، محذرا في الوقت ذاته أنّ بعض الدول المشاركة في مؤتمر باريس تتحمّل مسؤوليّة تنامي قدرات «داعش».
وأبلغ وزير الخارجية الروسي المجتمعين في باريس بأن استبعاد عوامل مهمة من التحالف الدولي ضد «داعش» يؤثر في تفاقم المشكلة، مطالبا الدول التي أعلنت انضمامها للحلف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة بالعمل أولا على التدقيق بتمويل النشاط الارهابي وتدفق الأسلحة ومناقشة قضية بيع المنظمات الإرهابية النفط من الحقول التي تسيطر عليها لتمويل نشاطها.
أما العراق البلد المعني أولاً بمكافحة «داعش» بعد سوريا، فقد شارك الروس توجساتهم، حين أكد الرئيس العراقي فؤاد معصوم أن أي تحرك للقضاء على تنظيم «داعش» يجب أن يضم إيران، موضحاً أن «بين العراق وإيران حدود بطول حوالي ألف كلم، وإيران قدمت لنا مساعدات إنسانية وعسكرية منذ بداية هجوم داعش».
ولم يجد الرئيس العراقي فؤاد المعصوم حرجا في كلمة الافتتاح التي ألقاها في مؤتمر باريس إلى جانب نظيره الفرنسي في الثني على دور إيران وشكرها رغم غيابها عن الاجتماعات الباريسية، فاندفع يعدد فضائلها على العراق ما جعل وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل يعبر عن انزعاجه بطريقة أثارت فضول الصحافيين من ما أسماها أحد مساعديه «مبالغة المعصوم في مدح إيران».
أما بريطانيا فقد أكدت قدر المستطاع عن رغبتها بتعاون ايران مع الخطط التي وضعها «الائتلاف الدولي» ولو من خارجه، وقال وزير خارجيتها فيليب هاموند انه «لطالما كان غير مرجح ان تصبح ايران عضوا كاملا في الائتلاف، لكن اعتقد ان علينا مواصلة الأمل في تأييد ايران الخطوط العريضة لمشروعنا».
وتوجهت الأنظار أكثر إلى وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، في ظل الموقف الألماني غير المتحمس للمشاركة في أي تدخل عسكري دولي في العراق، وفي ضوء إعلان مساعدة للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بوضوح أن حكومة ألمانيا لن تشارك في ضربات جوية اقترحت الولايات المتحدة شنها على تنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم «داعش».
وشدد شتاينماير على ضرورة عقد تحالف موسع من دول المنطقة وبقية دول العالم وضرورة دعم حكومة بغداد التي تسعى لإشراك التنظيمات الدينية في العراق في العملية السياسية، قبل أن يستدرك قائلا «الحل العسكري وحده لن يكون العنصر الذي سيحسم النجاح في مواجهة ميليشيات التنظيم».
وسلمت فرنسا التي بدأت حربها على «داعش» من خلال قصف مقاتلاتها من نوع رافال أهدافا للتنظيم شمال شرق العراق بأن الحرب على «داعش» لن تنجح على الأمد القصير، حين قالت على لسان وزير خارجيتها لوران فابيوس إن»محاربة هذا التنظيم بشكل فاعل سيستغرق وقتا، ويستلزم القيام بعمل شامل، إلى جانب دعم الحكومة العراقية الجديدة في مواجهة هذا التنظيم الإرهابي، التي تعمل منذ الانتخابات على استيعاب كافة الأطياف وتحقيق الوحدة في العراق».
وتحدد البحرين موعدا لانعقاد المؤتمر الدولي المقبل للحرب على «داعش»، وينتظر أن يتم ذلك خلال الأيام القليلة المقبلة بالتوافق بين الدول المشاركة في اجتماعات باريس مع إبقاء المجال مفتوحا لمشاركة مزيد من الدول ممن ترغب في الإنضمام إلى الجهود الدولية للحرب على «داعش».
وفي تصريح لـ«القدس العربي» في باريس قال خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزير الخارجية البحريني بأن بلاده تتطلع لأن تأخذ الدول العربية دوراً قيادياً في الحرب ضد الجماعات الإرهابية لما فيها تنظيم «داعش.»
وأضاف «نعتقد أن مساعينا الدولية والعربية للقضاء على «داعش» يجب أن تكون عبر ثلاثة محاور وهي المحور العسكري، ومحور التمويل، والمحور الأيديولوجي، لما يرتكبه هذا التنظيم من جرائم بشعة في حق المدنيين في العراق وسوريا من كافة الطوائف والأديان، ونحن في مملكة البحرين على استعداد لاستضافة مؤتمر دولي لمكافحة تمويل الإرهاب».
وفي رده على سؤال بخصوص محدودية القرارات المعلن عنها في مؤتمر باريس وهل يمكن أن يتكرر ذلك خلال الاجتماع المقبل في البحرين؟ قال الوزير البحريني «القضاء على «داعش» وفكر «داعش» يحتاج إلى وقت وتركيز واهتمام وليس مجرد الخروج ببيان وموقف وإقامة مؤتمر من دون تحقيق أمر إيجابي على أرض الواقع».
وبدت المملكة العربية السعودية أكثر الدول العربية تحمسا للقضاء على «داعش» واعتبر وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل أن التهديد الذي يمثله التنظيم قد تجاوز في جغرافيته العراق والشام وبات يشكل خطراً يهدد الجميع ويستدعي محاربته.
وأضاف أن «تحدي «داعش» الذي تواجهه الحكومة العراقية لا يعدو كونه شكلاً من أشكال الإرهاب العابر للحدود والقارات والذي فرضته جملة من المعطيات الفكرية والسياسية والأمنية التي تجتاح منطقتنا والتي وفرت لهذا التنظيم أرضية خصبة استغلها لتحقيق مآربه ومآرب من يستفيدون منه تحت غطاء الدين الإسلامي الذي هو براء منهم وأفكارهم وأفعالهم».
غير أن مفاجأة مؤتمر باريس لمحاربة «داعش» جاءت من تركيا حين أبلغ وزير خارجيتها مولود جاوش أوغلو وزراء الخارجية المشاركين فيها أن بلاده لن تشارك في أي تدخل عسكري ضد «داعش» تجنب أي انتقام ضد 49 من رعاياها مازالوا عالقين في شباك التنظيم حين سيطر على القنصلية التركية في الموصل، قاصرة جهدها على ما هو «إنساني» صرف.
وتحاول أنقرة تجنب أي اختلال في التوازنات الإقليمية وبالتالي تتحفظُ على مسألة تسليح الحكومة العراقية ومآلات ذلك على التوازن المذهبي على حساب السنة.
خطط الحرب الدولية ضد تنظيم «داعش» ستنتقل هذه المرة إلى نيويورك، فبعد مؤتمري جدة وباريس وقبيل مؤتمر المنامة، سيعقد مؤتمر ثالث حول خطر «داعش» على هامش الدورة التاسعة والستين للجمعيّة العامة للأمم المتحدة، التي افتتحت أعمالها في الولايات المتحدة في ظل وجود أكثر من أربعين مداخلة، تقدّمها إما دول متأثرة بالوضع بصورة ما، أو معنيّة بتقديم مساعدة اقتصاديّة، وأمنيّة وإنسانية.
ويبقى السؤال القائم في ظل هذه التطورات هو كم عدد المؤتمرات التي يجب عقدها لترتيب التحالف الدولي والبدء عملياً بالحملة العسكرية لإنهاء وجود «داعش» في ظل محدودية الضربات الجوية المنفذة حتى الآن؟
محمد واموسي