في كانون الثاني 1936 أعلنت صحيفة «دار اليوم»: «بعد مفاوضات طويلة مع دير الرستيفوني استطاع السادة المحترمون بولتشيك نتنئيل وحبيب الحصول على الساحة التي توجد أمام مبنى الكيرن كييمت في رحافيا كاستئجار لمدة 99 سنة. هناك اهمية كبيرة لاقامة المبنى المذكور من اجل المحيط العربي. بدلا من الجدار المرتفع للدير سيكون هناك مبنى مع حديقة جميلة يربط المدينة مع منطقة رحافيا الجميلة: البيت سيكون باسم «رأس رحافيا».
تمت اقامة هذا المبنى بالفعل، وهو يوجد اليوم وراء مكتب البريد في شارع الكيرن كييمت في رحافيا وهو محاط بحديقة جميلة للورود. ولكن الـ 99 سنة ستنتهي، وهي مدة الاستئجار، بعد 18 سنة. وساعة الرمل الآخذة بالتناقص تقض مضاجع السكان الذين يعيشون في هذا المبنى. بعد معركة ضد البيروقراطية ومبادرات العقارات، اضطر معظمهم إلى بيت شققهم بنصف السعر، وآخرون قرروا البقاء حتى النهاية المريرة التي ستكون في سنة 2034، وعندها سيضطرون إلى اخلاء منازلهم دون أي مقابل. «هكذا تكون توفيرات ثلاثين سنة من العمل قد ذهبت هباء»، قال البروفيسور جدعون فرويدنتال الذي عاش جده في المبنى منذ اقامته. وهو نفسه قام بشراء شقة فيما بعد. «هذه هي الشقة التي أردت أن أموت فيها. ولم يخطر ببالي أنني سأبيعها. أنا ارتبط بهذا المبنى. فهو بالنسبة لي البيت».
ولكن ما يحدث في «رأس رحافيا» هو فقط مقدمة للعاصفة الاقتصادية والعقارية التي ستزعج في العقود القادمة مئات العائلات التي تعيش في القدس. ولكن يجب فهم جذور القصة. يجب العودة إلى منتصف القرن التاسع عشر. في تلك الايام بدأت الكنائس في القدس، ولا سيما الكنيسة اليونانية الارثوذكسية، بشراء الاراضي خارج البلدة القديمة. الباحث اسرائيل كمحي من معهد القدس هو الوحيد الذي يملك خارطة كاملة لملكية الكنائس للاراضي في القدس. ونظرة على الخارطة القديمة ستكشف المناطق الواسعة التي تملكها الكنائس.
عندما أقيمت أحياء رحافيا والطالبية وغيرها، فيما بعد، بدأت الكنائس بتأجير الاراضي التي بملكيتها لمدة 99 سنة. واغلبية الصفقات تمت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. ومن هنا فان الاتفاقات ستنتهي مع عام 2050. وحسب القانون وقرار الحكم في قضية مشابهة في حيفا، فان اصحاب المنازل لا يستحقون أي تعويضات ـ الارض والمبنى عليها يعودان بشكل تلقائي إلى ملكية الكنيسة أو من استطاع الحصول على تمديد اتفاق الايجار. هذا خلافا للارض التي يتم استئجارها من الدولة أو الكيرن كييمت، التي يتم تجديد مدة استئجارها بشكل اوتوماتيكي مقابل سعر رمزي.
حسب التقديرات المحافظة فان مئات العائلات في القدس تعيش في مناطق تم استئجارها من الكنائس، وبقي لها 20 ـ 40 سنة إلى أن تضطر للتنازل عن المنازل. الكيرن كييمت حاولت في السابق، وكذلك الدولة، حل هذه المشكلة مع الكنائس والحصول على تمديد مدة الاستئجار أو شراء الاراضي، لكن هذه المحاولات فشلت. وكانت المحاولة الابرز لحل المشكلة كانت في سنة 2000 عندما قام محتال باسم يعقوب رابينوفيتش بخدعة أقنع بها الكيرن كييمت بأن تدفع له ملايين الدولارات مقابل الحصول على تمديد مدة الاستئجار لجميع اراضي الكنيسة اليونانية في غربي القدس. وتبين فيما بعد أنه في اثناء التوقيع بمشاركة مبعوث الكيرن كييمت، المحامي يعقوب فنروت، والبطريرك اليوناني، لم يكن هناك أي توقيع: رابينوفيتش هو الذي وقع والبطريرك هز برأسه. وتبين فيما بعد أنه اعتقد أنهم جاءوا للاطمئنان على صحته وتهنئته بالعيد.
الاراضي بقيت بملكية الكنيسة التي لا تسارع إلى عقد الصفقات مع دولة اسرائيل خشية من اعتبار المؤمنين العرب بأنها متعاونة. هناك استثناء واحد وهو كما يقول يعقوب بير، المختص بالعقارات وأملاك الكنيسة في القدس، هو نجاح الدولة في منع الاضرار باحترامها القومي ـ نجحت قبل عشرين سنة في شراء الارض التي بنيت عليها الكنيست.
هذا لا يعني أن الكنيسة تريد ادارة هذه المناطق بنفسها. الكنائس التي لا تريد أن تظهر وكأنها تخلي الناس من بيوتهم، تفضل بيع هذه التفاحة لمستثمرين خاصين. خلال صفقتين كبيرتين قامت الكنيسة اليونانية ببيع اجزاء كبيرة من الاراضي في غربي القدس لاشخاص خاصين. هذه الصفقات لم تحل مشكلة السكان بل فاقمتها. واحدى هذه المشكلات هي مبنى «رأس رحافيا» ـ حيث أنه بعد أقل من عشرين سنة سيتم أخذه من السكان.
اغلبية السكان في «رأس رحافيا» هم أبناء عائلات مقدسية عريقة وثرية ومعروفة، وكانوا يعرفون عن المشكلة التي تتعلق بمنازلهم، وقد حاولوا حلها. «في الثمانينيات كان اقتراح لتمديد مدة الايجار لمئة سنة اخرى»، قال فرويدنتال، «كان المبلغ في حينه 5 آلاف دولار للغرفة، لكن ذلك لم يتم لأن البعض لم يرغبوا في الدفع، حيث كان هناك الشيوخ الغير معنيين بالتمديد».
في سنة 2000 كانت محاولة اخرى لادخال مقاول من اجل بناء طابق اضافي على السطح، ومقابل موافقة السكان يتكفل بتمديد الاستئجار مع الكنيسة. وقد أجرى السكان مفاوضات مع اربعة مقاولين، أحدهم كان موشيه عيدان، وكان يبدو أن الموضوع ينجح، ولكن قبل سنتين ونصف وصلت رسالة دراماتيكية تقول إن ثلاثة من المقاولين الاربعة تراجعوا عن الخطة، والرابع، عيدان، نجح في الحصول على استئجار الارض لـ 200 سنة اضافية، لكنه لا يريد الاستمرار في خطة البناء. عيدان وضع السكان أمام خيار صعب، إما شراء المنازل بـ 50 ـ 60 في المئة من قيمتها، أو أن يشتروا منه الاستئجار لمدة 200 سنة بمبلغ مشابه. وخيار ثالث هو أن يبقوا في المبنى، ومع مرور الوقت ستنخفض اسعار الشقق ويزداد سعر الاستئجار إلى أن يصبح سعر الشقة صفر بعد 18 سنة، ويضطرون هم واولادهم إلى ترك المنازل بدون مقابل.
عيدان هو رجل عقارات ومعروف في حركة شاس في القدس. وقد حصل على الايجار من رجل اعمال آخر وقع الاتفاق مع الكنيسة. صحيح أنه يرفض الاعلان عن مبلغ الصفقة، لكن أحد المطلعين على التفاصيل يقول إن قيمة الصفقة مع الكنيسة بلغت 1.2 مليون دولار، أي يكفي أن نبيع الايجار إلى 3 من بين 32 ساكن (مقابل 400 ألف دولار لكل واحد)، ويعيد المبلغ الذي قام بدفعه. واذا لم يفعل أي شيء فسيكون المالك الوحيد للشقق الفاخرة في رحافيا بعد 18 سنة، بقيمة عشرات ملايين الشواقل. «أنا لا أطرد أي أحد إلى الشارع»، قال عيدان للصحيفة، «في اسوأ الحالات سيكونون مستأجرين. صحيح أننا اشترينا الصفقة، لكن هناك حدود لم نتجاوزها، نحن يهود ولن نخرج أي أحد من منزله، أنا لا أستغل أي أحد، وأنا أطلب مبلغ معقول».
حسب اقوال عيدان فقد وصل السكان إلى هذا الوضع لأنهم لم يتحدوا. «لو اتحدوا واجروا مفاوضات مع الكنيسة لكانوا نجحوا. هذا هو غباء الناس»، وأضاف أن «من لا يقوم بالصفقة اليوم هو مسكين ويجب علاجه».
وحسب اقواله، اتصلت احدى السكان وهي تبكي. «قلت لها لماذا تبكين؟ فقالت إنها تريد ابقاء البيت للاحفاد. فقلت لها لا يجب أن تبقي هنا بالقوة، قومي ببيع البيت وسيكون لك ما تعطينه للاولاد». ويعترف عيدان أنه قام بعقد صفقة جيدة، وأن هناك فرصة حتى لو كانت صغيرة بأن تقوم الدولة بسن قانون يعيد لاصحاب المنازل حقهم في الارض، لذلك فقد قام بمخاطرة.
شركة «رأس رحافيا» التي انشأت المبنى وهي تملك حتى الآن 8 شقق فيه، يديرها المحامي يونتان تسفي الذي قاد محاولة انقاذ الشقق عن طريق صفقة البناء فوق السطح، التي فشلت. وحسب اقواله، لولا العقبات البيروقراطية التي وضعتها بلدية القدس أمام المصادقة على خطة البناء، ولولا الصعوبات التي وضعها بعض السكان، لكان يمكن التوصل إلى اتفاق وحل هذه المشكلة، ولكان الجميع استفادوا.
إن قضية «رأس رحافيا» هي السنونو الاول. ففي العقود القادمة سيمر سكان آخرون في نفس القضية. «نحن غير مستعدين لأن تكون الكنيسة سلاح يهدد السكان»، قال مسؤول في احدى الكنائس للصحيفة. ولكن سعي الكنائس لبيع الاراضي لاشخاص خاصين لا يساعد السكان. «قالوا لي في الكنيسة إنهم لا يريدون أن ينشر تقرير يقول بأن الكنيسة أو الدير تسببا في اخلاء السكان»، قال بير، «اذا فهم ينقلون الامر إلى اشخاص خاصين يقومون بالعمل القذر». عيدان يقول إن ممثل الكنيسة قال له إنها لا تريد اجراء المفاوضات مع كل ساكن ـ والنتيجة هي جنة عدن للمقاولين الذين يملكون الاموال ومستعدون للاستثمار من اجل الانتظار 20 ـ 40 سنة، حيث سيحصلون في النهاية على مبالغ طائلة تقدر بأضعاف اضعاف الاستثمارات.
وليس بعيدا عن «رأس رحافيا» في الطرف الاخر لدير راستيفون تنتظر «حديقة رحافيا»، وهي مكان سكني كبير تم استئجاره بعد رأس رحافيا بسنة، حيث بقي له 19 سنة. وتسكن اربعين عائلة هناك. وحسب اقوال بير كانت في السابق محاولات لاتحاد السكان، لكنها فشلت. وكان هناك بعض رجال الاعمال الذين اهتموا بشراء الاستئجار من الكنيسة. ولا يعرف السكان ضد من ستكون معركتهم.
هآرتس 3/6/2016