ربما كان الفرح في واشنطن أكبر منه في يونغ يانغ، بعد إعلان كوريا الشمالية عن تجربة قنبلة هيدروجينية، بغض النظر سواء أكان الخبر صادقا أم كاذبا، فخبر كهذا يرسخ أقدام الولايات المتحدة في تلك المنطقة ويجعلها تمن بوجودها ذاك على اليابانيين والكوريين الجنوبيين.
المعادلة بسيطة؛ تصنع من الوهم خطرا وتبالغ في تضخيمه وأحيانا تصنع الخطر نفسه، إما بشكل مباشر أو بتركه ينشأ ثم يكبر مع القدرة على اجتثاثه ثم تحصد النتائج. فحتى الاتحاد السوفييتي السابق، كان لوجوده فوائد عديدة، فقد لبى الحاجة الأمريكية لعدو توحد حلفائها في العالم ضده، وكذلك تصرف أنظار شعبها عن كثير من القضايا وتوحده خلف قيادته لمواجهة الخطر الإستراتيجي الآتي من ذلك العدو. وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ابتدعت عدوا جديدا كان بمثابة السلاح الإستراتيجي لإعادة بسط سيطرتها على العالم، ولا يزال يحقق النجاح تلو الآخر؛ إنه فزاعة الإرهاب.
أتى «الربيع العربي» بشكل عفوي ومن دون سابق إنذار، لكن الأمريكيين وحلفاءهم عرفوا كيف يتعاملون معه بمنتهى البراعة، فجيروا سير الأمور لمصلحتهم ومصلحة إسرائيل، بعد أن كان ذلك الربيع يشكل تهديدا حقيقيا عليهما. ومع اضطرار الشعوب إلى رفع السلاح في وجه الأنظمة في ليبيا ثم سوريا واليمن والعراق، وجدت «القاعدة» فرصتها الذهبية التي كانت تبحث عنها منذ نشأتها، فدخلت في تلك الصراعات وحازت دعما شعبيا، بعد أن كانت توصف بالإرهاب. والآن تتقدم جبهة النصرة الصفوف في مواجهة جيش نظام الأسد الارهابي والميليشيات الطائفية الشيعية التي استقدمها النظام من لبنان والعراق وإيران… وكذلك توقفت «القاعدة» في اليمن عن القيام بعمليات ضد المصالح الغربية، وربما هذا ما دعا إلى تشكيل تنظيم جديد ليرفع راية الإرهاب ويتصرف كما يريدون في أمريكا والغرب؛ فكانت ولادة «داعش».
الآن يوحد خطر الإرهاب الشعب الأمريكي ليبقى خلف قيادته وينسى مثلا عشرات ترليونات الدولارات من الديون التي تثقل كاهل أكبر اقتصاد في العالم، الذي أصبح غير قادر على خدمتها، فأمسى الرئيس الأمريكي يرفع سقف الدين كلما دعت الحاجة لقروض جديدة، ليزداد الدين على الشعب الذي يتقاسم الديون بالتساوي، في حين تستفيد ثلة قليلة من أرباح الهيمنة الأمريكية على العالم، وكذلك ليتناسى أن البنك الاتحادي الأمريكي هو بنك خاص تملكه ثلاث عوائل لا تفعل سوى طباعة النقود وإقراضها للحكومة الأمريكية، كلما أرادت ذلك، وتصرف أنظارهم عن كون تلك العملية هي خرق للدستور الأمريكي، الذي يخول وزارة المالية الأمريكية فقط إصدار العملة. وكذلك يقف حلفاء أمريكا في كل دول العالم في صف واحد خلفها لمواجهة الإرهاب، فهم إما في ذلك الحلف أو ضده، ومن يتجرأ أن يكون ضده؟ خاصة أن القليلين من خصوم الأمريكيين كالروس والصينيين وحتى الهند هم أيضا يستخدمون الذريعة نفسها ليقمعوا الشعوب التي يحتلونها وهي في أغلبها مسلمة. كما يلهي ذلك الخطر جميع دول العالم أيضا عن التفكير بحقيقة ثرواتهم والدولار الذي يتعاملون به والذي تأتي قيمته من الثقة به فقط، تلك الثقة يؤمنها الجيش والقوة الأمريكية ولا شيء غيرهما، قوة الاقتصاد الأمريكي تأتي بالدرجة الأولى من الطلب العالمي على عملته، التي لا تكلفه سوى ثمن الورق الذي تطبعه عليه، فإذا انهار الاقتصاد الأمريكي هل سيأتي حرق تلك الأوراق بكمية من الدفء مماثلة لما يفترض أنها تحمله من قيمة؟
يبقى القاسم المشترك بين ضحايا الإرهاب أنهم مسلمون سنة، فهم الذين يتعرضون لإرهاب «داعش» بشكل مباشر من طرف، وكذلك يقاسون إرهاب الأنظمة التي تحكمهم من طرف آخر، لتكتمل فصول المآساة بتجرعهم الإرهاب الغربي، الذي يدعي مقاتلة «داعش» فتقــــتل غارات التحالف من المدنيين الأبرياء في سوريا والعراق ما لا تقتل من عناصر «داعش».
أما غارات الاحتلال الروسي فهي التي تقصم الظهر فهي تقصف المناطق المحررة في سوريا، ولا تزال تقتل عشرات المدنيين يوميا، ولا تكاد تهمس في أذن «داعش»؛ كما صرح مندوب روسيا في الأمم المتحدة بأنها لن توقف إرهابها ذاك حتى بعد وقف إطلاق النار بين المعارضة والنظام، والمفترض أن يحدث بالتزامن مع عقد مفاوضات جنيف-3 المرتقبة في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، حسب قرار مجلس الأمن 2245 الذي لا يقل وقاحة عن قرار تقسيم فلسطين. لدينا في سوريا مثل شعبي يقول «اللي بيجرب المجرب عقله مخرب». فإذا لم يقدر العالم على ارغام نظام الأسد على إدخال الخبز لعشرات الآلاف من المحاصرين في مضايا، فهل سيتمكنون من إلزامه بتطبيق الخطة التي سربتها وكالة الاسوشيتد برس.
دائما ما تغيب الحكمة عن ساسة الغرب عندما يكونون على رأس عملهم، ثم تظهر فجأة بعد تركهم السلطة، فقد اعترف بلير بخطئه الكارثي بالمشاركة في احتلال وتدمير العراق، الذي أدى لظهور الإرهاب، فلماذا لم يستفيدوا من الدرس العراقي؟ لا بل يقومون بتجربة أبشع وأقذر بسكوتهم عن جرائم وإرهاب نظام الأسد صنيعتهم وصنيعة إسرائيل. ما يحدث في سورية والعراق يوجه ليكون صمام الأمان لإسرائيل، فقد تحول الخطر الإستراتيجي الحقيقي الذي يواجه الأمة حاليا، من مواجهة العدو الصهيوني إلى مواجهة الإرهاب الطائفي، الذي تجد الأمة نفسها في سورية والعراق واليمن في صراع مباشر معه، حيث يستغل ملالي إيران الشيعة العرب تحت ذرائع طائفية لبسط سيطرتهم ونفوذهم على المنطقة. ولو حصل ما لا تريده إسرائيل وحلفاؤها الغربيون، وظهرت دولة في العراق أو ســــوريا خاصة، تعبر عن إرادة أبنائها ستجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع إيران وأزلامها ولن تتاح لها الفرصة لتلعب دورا ضد الاحتلال الصهيوني، ويتم بذلك إخراجها من مواجهة إسرائيل واستبدال الصراع العربي الإسرائيلي بالصراع السني الشيعي، الذي لن ينتهي إلا بإسقاط النظام الطائفي الإيراني، وهذا ما لن تسمح به إسرائيل وحلفاؤها الذين أمدوا إيران بالأسلحة خلال حربها مع العراق في الثمانينيات، رغم تحالفهم آنذاك مع الرئيس العراقي صدام حسين.
الشعوب العربية متدينة بطبيعتها وتميل لاختيار قادتها من خلفيات إسلامية، إذا ما أتيح لها ذلك، وهذا ما حدث في دول الربيع العربي التي جرت فيها انتخابات ديمقراطية، قبل أن تنتكس ويحدث فيها ما حدث، لكن حتى تلك النكسة زادت من شعبية الإسلاميين. ليس سرا وقوف الغرب وإسرائيل وراء الثورات المضادة؛ والسماح لإيران بالعبث في العراق وسوريا واليمن، في حين يتدخل أوباما نفسه وتقوم الدنيا ولا تقعد على دخول عشرات الجنود الأتراك إلى الموصل العراقية. الغرب والأمريكيون والإسرائيليون لا يريدون للإخوان المسلمين التيار الإسلامي الأكثر شعبية في العالم العربي – الذين يؤمنون بالديمقراطية على النموذج الغربي والحكم عبر صناديق الاقتراع – أن يمسكوا زمام السلطة في بلدانهم. الشباب في بلدان لا يحترم فيها القانون وتحكمها شريعة الغاب العربي لن يجد سبيلا لمواجهة أنظمة كنظام الأسد أو صالح إلا بالسلاح.
٭ كاتب سوري
بشار عمر الجوباسي