استثمار «حقل الدرة» البحري في نفق المجهول

حجم الخط
1

الكويت ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي تعيش فيه منطقة الشرق الأوسط حالة من الغليان، نتيجة الحروب والصراعات العسكرية التي يغلب عليها البعد الطائفي، تشهد العلاقات الدبلوماسية بين دولة الكويت والجمهورية الإسلامية الإيرانية أزمة قد تودي بالعلاقات بين البلدين إلى القطيعة.
فرغم الدور الإيجابي الذي لعبته الكويت في معالجة الخلافات بين الدول الخليجية وإيران، وحرصها على عدم انقطاع «شعرة معاوية» بين الجانبين، والجهود التي بذلتها السلطة الكويتية على أعلى المستويات من أجل التقريب والمواءمة بين الفرقاء على الضفتين الشرقية والغربية للخليج العربي، ومحاولة إيجاد هامش من الحوار على الساحة المشحونة
أطلت أزمة جديدة قد تعصف بالعلاقات الكويتية الإيرانية، إثر اكتشاف مخازن كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات لما يسمى بـ»خلية العبدلي» المكونة من 25 مواطنا وإيراني، المتهمة بالتخابر مع إيران وحزب الله لتنفيذ أعمال غير مشروعة في الكويت.
ولم تنحصر الأزمة في الجانب الأمني فقط، بل امتدت إلى الجانب الإقتصادي، بعد طرح الجانب الإيراني دراسات على شركات أجنبية للإستثمار في حقل «الدرة» البحري، المتنازع عليه بين ثلاث دول، الكويت وإيران والسعودية.
وعلى إثر هاتين القضيتين، اشتعل الشارع الكويتي بالمطالبات بقطع العلاقات مع إيران، واتخاذ إجراءات حازمة من قبل الحكومة الكويتية، للرد على ما يصفه الكويتيون بالإنتهاكات المتكررة من قبل الجانب الإيراني، والإعتداءات السافرة على السيادة الكويتية، فيما يجنح البعض إلى ضرورة التعقل والموضوعية في التعامل مع مثل هذه القضايا الحساسة، وعدم تحميل الحكومة الكويتية ما لا تحتمل، ولا سيما مع النظر إلى استحالة قدرة بلد صغير مثل الكويت على التصادم مع أحد أقوى الأقطاب في الشرق الأوسط.
وبين الضغوط الشعبية والسياسية الداخلية، والظروف الإقليمية والإقتصادية التي تمر بها المنطقة، تتعدد السيناريوهات المحتملة لما ستنتهي إليه هذه الأزمة، وأفق العلاقة بين الجانبين الكويتي والإيراني في قادم الأيام.

حقل الدرة .. ثروة تنتظر الترسيم

يقع حل «الدرة» أو كما يسميه الإيرانيون حقل «أراش» الذي اكتشف عام 1960 شمال الخليج العربي، على شكل مثلث مائي، يمتد من أسفل نقطة الحدود الثلاثية المشتركة بين الكويت والعراق وإيران، ويمتد جنوباً ليقع الجزء الأكبر منه مقابل ساحلي الكويت والمنطقة المحايدة الكويتية السعودية، كما يقع جزء مشترك من الحقل مع الجانب الإيراني، وقد توصلت الرياض والكويت لاتفاق بشأن الحدود البحرية بينهما العام 2000 وقامت شركة الخفجي بإرساء حق التطوير والإنتاج على شركة شل في عام 2012.
النزاع حول هذا الحقل يعود إلى الستينيات عندما منحت إيران حق التنقيب والاستغلال للشركة الإيرانية – البريطانية للنفط، في حين منحت الكويت الامتياز لشركة رويال داتش شل، وقد تداخل الامتيازان في الجزء الشمالي من حقل الدرة.
ومنذ ذلك الحين، بقيت القضية «نارا تحت الرماد»، وبعبعا تتجنب الأطراف الثلاثة الخوض فيه، إلا أن على ما يبدو فإن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها العالم هذه الأيام، وتعزيز الموقف الإيراني عالميا بعد توقيع مسودة الإتفاق النووي، دفع الشركات الإيرانية إلى الإفصاح عن تطلعاتها للإستثمار في هذا الحقل، وطرح دراسات على شركات أجنبية ليكون لها دور وحصة في هذا الطبق الغني بالذهب الأسود والغاز الطبيعي، حيث تقدر كمية الغاز الطبيعي القابلة للإستخراج بـأكثر من تريليون متر مكعب، فيما تقدر كمية البترول بأكثر من 350 ملايين برميل.
وفي 26 اب/أغسطس، إستدعت الخارجية الكويتية القائم بأعمال السفارة الإيرانية لديها، وقالت الخارجية إنها سلمته مذكرة احتجاج بسبب تقارير أشارت إلى قيام شركة النفط الوطنية الإيرانية بإصدار نشرة بشأن الفرص الاستثمارية النفطية في إيران متضمنة فرصا للاستثمار في أجزاء من امتداد حقل الدرة، الواقع في المنطقة البحرية المتداخلة التي لم يتم ترسيمها بين الكويت وإيران.
ونقلت وكالة الأنباء الكويتية الرسمية (كونا) عن مصدر مسؤول في وزارة الخارجية لم تسمه نفيه أن «يكون هناك تغيير في الوضع القائم والثابت لحقل الدرة النفطي الواقع ضمن المناطق البحرية لدولة الكويت».
وقال المصدر: إن وزارة الخارجية تقوم باتخاذ كافة الاجراءات الكفيلة بالمحافظة على حقوق دولة الكويت الثابتة في إطار حرصها على تعزيز علاقاتها على المستويين الاقليمي والدولي وبما يتوافق مع قواعد القانون الدولي.

حقوقنا من الثوابت الوطنية ولن نتنازل

وفي 2 ايلول/سبتمبر الجاري، صرح وكيل وزارة الخارجية الكويتية، خالد الجارالله بتلقي الجانب الكويتي وعدا من الجانب الإيراني، بالرد على مذكرة الاحتجاج التي قدمتها «الخارجية» للقائم بالأعمال الإيرانية، بشأن قضية «الدرة»، ونتوقع تسلم الرد قريبا.
وأضاف في تصريح صحافي مقتضب: «مطمئنون لهذا الرد»، رافضا الكشف عن المزيد من التفاصيل.
وكان الجارالله قال في وقت سابق إن الكويت تأمل بألا تكون هناك أزمة دبلوماسية مع إيران، وأكد أن هناك تنسيقا مع الجانب السعودي في التعامل مع هذه القضية، معتبرا ان تحرك الجانب الإيراني «خرق ومساس بحقوق الكويت والسعودية».
وأوضح أن بلاده تتعامل مع هذا الملف من منطلق الحرص على حقوقها، ولن تتنازل أو تتراجع عن ذلك، كونها حقوقاً ثابتة ووطنية، مشيراً إلى أنه لا وجود لقوات إيرانية في الحقل حتى الآن.
والجدير بالذكر أن دولة الكويت تعاني من شح الموارد بالنسبة للغاز الطبيعي، لدرجة إعلانها العزم على اللجوء إلى استيراد الغاز من قطر من أجل مواكبة الاستهلاك المتزايد للطاقة الكهربائية، وحاجتها الماسة إلى الوقود اللازم لتشغيل محطات توليد الطاقة التي تزمع إنشاء المزيد منها في السنوات القليلة المقبلة.
ورغم إكتشاف كميات كبيرة من الغاز الطبيعي في حقول الشمال الكويتية، إلا أن المشاريع التي كانت مطروحة لاستخراج الغاز هناك تعطلت بفعل عوامل سياسية، بعد أن حامت الكثير من الشبهات حولها.
ويرى مراقبون أن دخول المملكة العربية السعودية في القضية دعم موقف الكويت من إيران، كما يدعم موقف الكويت للتوجه إلى التحكيم الدولي من أجل حل جميع المنازعات الحدودية مع جاراتها الثلاث، العراق وإيران والسعودية، ولا سيما بعد مع إقدام السعودية على وقف الإنتاج المشترك مع الكويت في منطقتي الخفجي والوفرة، مما زاد من صعوبة التحديات الاقتصادية أمام الكويت في مواجهة التزاماتها.
رئيس مجلس إدارة الشركة الكويتية لنفط الخليج، الذراع الكويتية لإنتاج النفط في منطقة العمليات المشتركة بالمنطقة المشتركة بالتعاون مع الجانب السعودي، هاشم الرفاعي أكد ان الامتدادات النفطية الايرانية في حقل الدرة البحري للغاز ضئيلة ولا توجد مفاوضات بشأنها مع الجانب الإيراني بشأن مشروع مشترك لإنتاج النفط والغاز في المنطقة المذكورة.
وأوضح الرفاعي ان الكويت لم تتلق أي مفاوضات من الجانب الايراني في هذا الشأن حيث ان الكويت تقوم حاليا بالدراسات الفنية وحفر الآبار الاستكشافية بالتعاون مع الجانب السعودي ولم تقم بالإنتاج من الحقل بعد. وأضاف الرفاعي ان أي اتفاق بين الشركات حول هذا الحقل في الدولتين يجب ان يمر أولا عبر وزارتي الخارجية في الدولتين وفقاً لاتفاق سياسي ومن ثم البدء في دراسة الجوانب الفنية من الوزارات المعنية.
وبين ان هناك اتفاقا بين الكويت والسعودية بشأن تقسيم جميع الموارد الموجودة في هذه المنطقة بالمناصفة بين الدولتين.
بدوره، قال الخبير النفطي الكويتي د. خالد بودي إن حقل الدرة يعتبر من أكبر حقول الغاز في العالم، وترفض السعودية والكويت ان تكون لإيران حصة منه.
وأوضح أن جميع الأطراف تنتظر ترسيم الحدود في الجرف القاري المتنازع عليه من أجل الإستفادة من الحقل من جهته، وأوضح الخبير النفطي كامل الحرمي أن الموافقات الكويتية الرسمية يجب ان تسبق أي أعمال استكشافية أو تطويرية في الحقل.
ومن الجانب السياسي، رأى مدير المركز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان أن الخلاف بين إيران والكويت بشأن حقل الدرة النفطي يمكن حله عبر التفاوض بين البلدين، وقال إن إيران لا تنظر للكويت بدونية، كما أنها لا تنظر إلى دول الخليج على أنها دول صغيرة، بل إن طهران ترى أن أمن هذه الدول من أمنها.

إيران مدفوعة بنشوة الانتصار النووي

في المقابل، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت عبد الله الشايجي إن موضوع النزاع بين الكويت وإيران بشأن حقل الدرة موضوع قديم ويتكرر، وهو جزء من حملة إيران لفرض وجهة نظرها، خاصة أنها ظلت تتعنت في ترسيم الجرف القاري، وزاد ذلك التعنت بعد ترسيم الكويت هذا الجرف مع السعودية.
وأضاف أن إيران منذ توقيعها الاتفاق النووي مع الدول الكبرى ظلت -مدفوعة بنشوة هذا الانتصار النووي- تشاكس وتريد أن تكون اللاعب الرئيسي في المنطقة، وهي تنظر إلى دول الخليج على أنها دول ضعيفة.
ورأى أن إيران تريد فرض وجهة نظرها على الكويت بشأن حقل الدرة وترسيم الجرف القاري، داعيا الحكومة الكويتية إلى التنسيق مع السعودية في هذا المجال.
وعن كيفية حل النزاع بشأن حقل الدرة والجرف القاري، قال الشايجي إن الكرة الآن في ملعب إيران، وعليها إذا كانت جادة وصادقة أن تجلس مع الكويت، وأن تظهر سياسة حسن الجوار بعد الاتفاق النووي.
وأضاف «نحن في الكويت لا نريد أكثر من حقنا، وعلى إيران الجلوس معنا، وتكفينا الحروب بالوكالة، والحروب الساخنة والباردة، وعليها الجلوس للتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق ثنائي للترسيم».

منى الشمري وأحمد السلمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية