في سياق التحولات التي سادت القارة الأوروبية، والتي امتدت من القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن الثامن عشر، معتمدة مبادئ الميركانتيلية في اعتبار الذهب والفضة أساس القوة لأي بلد، ورفع الصادرات وتقليص الواردات بهدف تحقيق فائض في الميزان التجاري، وحماية الإنتاج عن طريق فرض قيود على الواردات، وإنشاء شركات تجارية ضخمة قصد التحكم في التجارة الدولية، وجدت أوروبا نفسها تختصر طريق البحث عن الغنى بالاعتداء على بلدان العالم وسرقة ثرواتها وخيراتها.
ومن هذه التحولات، الاقتصادية والانتقال التدريجي من الفلاحة إلى التجارة والخدمات، والاجتماعية نتيجة تراجع الطبقة «الفيودالية» (الاقطاعية ( ، والنمو التدريجي للبرجوازية، والسياسية التي أفضت لوضع أسس الدولة الحديثة في أوروبا والبحث عن مصادر الطاقة داخل القارة وخارجها لضمان استمراريتها.
هذا التفكير السادي كان محور المركزية الغربية وتنظيرات «تفوق» الرجل الأبيض، والذي جعل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية تعاني الاستعمار الأوروبي. ورغم انتهاء الاستعمار الأوروبي، وتراجع امبراطورياته، البرتغال، إيطاليا، ألمانيا، هولندا، إسبانيا، بريطانيا، فرنسا، إلا أن النزوع الاستعماري لاستغلال الشعوب الأخرى، لا يزال يملأ قسماً من تفكير الطبقات السياسية في بلدان الاستعمار هذه، فبريطانيا لا تزال تحتل «جزر المالفيناس» الأرجنتينية، التي تصر على تسميتها بـ«جزر الفوكلاند» رغم اعتراف الأمم المتحدة بسيادة الأرجنتين عليها، وفرنسا التي لا تزال تعتبر الشمال الإفريقي ملعباً لها، وامتداداً لإمبراطوريتها المزعومة، أما الولايات المتحدة، التي ورثت نزعة الاستعلاء والهيمنة الانكلوسكسونية، فلا تزال تحاول التحكم بالعالم وإخضاعه لمشيئتها، مسخرة المنظمات الدولية التي تعبر عن النظام الدولي في مرحلة مابعد الحرب العالمية الثانية، والذي كان للولايات المتحدة الدور الأكبر في وضع أسسه، وبخاصة الأمم المتحدة وهيئاتها الرئيسة، كمجلس الأمن، لخدمة مصالحها الأنانية، ولتغطية حروبها ومغامراتها العسكرية، ولحماية «إسرائيل» من أي محاولــة لعزلهــا أو مجـرد إدانتهــا وشجبهـــا.
لقد مارست القوى الغربية اللصوصية الكولونيالية، مستغلة التأخر الذي أصاب بقية العالم والذي جعلوا منه «عالماً ثالثاً»، متذرعة بذرائع واهية وبخرافة «الرسالة الحضارية للرجل الأبيض» في مساعدة البلدان المتخلفة للنهوض الحضاري، فنهبت ثروات البلدان النامية وأغرقتها بالديون والتخلف والتبعية، وتركتها عرضة لتدخلاتها، العسكرية وغير العسكرية، التي لم تحترم استقلال هذه البلدان التي اعترفت بها دول الاستعمار، وما التدخلات العسكرية الفرنسية في بلدان القارة الأفريقية، وآخرها التدخل المباشر في مالي عام2012 إلا نموذج.
واليوم تقود واشنطن، ضم فرنسا ودول غربية أخرى، ولم تلبث بريطانيا، بعد نيل حكومة كاميرون موافقة مجلس العموم، أن انضمت إليه، إضافة لحلفاء صغار، تحالفاً أخذ يوجه ضرباته الجوية والصاروخية لما قال إنه مواقع لـ «داعش» في العراق وسوريا، على خلفية الخطر الإرهابي الذي تواجهه هذه الدول، والذي استخدم وسيلة لتهيئة الرأي العام في هذه الدول وبقية العالم عن طريق وسائل الإعلام المسيطرة لخوض حرب غير متكافئة، لأن تنظيماً مثل «داعش»، أوجدته هذه العواصم الغربية، بمساعدة أنظمة عربية ودول إقليمية معروفة، ودعمته وحولته إلى وحش، قد يصل عدد مقاتليه، وبحسب أكثر التوقعات مبالغة، إلى خمسين ألف مقاتل، وبعتاد متواضع مقارنة بما تملكه القوى الغربية من ترسانات سلاح هائلة.
لقد كانت الضربات الجوية التي باشرتها واشنطن وبمساعدة القوات الكردية «البيشمركة» كافية لاستعادة الكثير من المناطق التي اجتاحتها «داعش»، بل ولوضع نهاية لهذا التنظيم، المصنع غربياً لتبرير تخلي الرئيس الأمريكي عن وعوده بعدم التورط في حروب جديدة.. فلماذا هذا الحشد الدولي؟، ولماذا تجاهل سوريا التي تواجه الإرهاب منفردة منذ سنوات، واستهداف أراضيها بالقصف، بذريعة الإرهاب في الوقت نفسه؟ ولماذا الحديث عن سنوات لمحاربة الإرهاب؟
الغاية، وببساطة شديدة، إعادة رسم خرائط المنطقة من جديد بعد إغراقها بفوضى بلغت الذروة مع «داعش»، بما يتوافق والأهداف الغربية والصهيونية، وللقضاء على كل المرتكزات الاقتصادية والاجتماعية لنهوض المنطقة وبلدانها، ولإبقائها أسيرة التخلف والفتن والاقتتال الأهلي، ورهينة الأزمات الدائمة التي تستنزفها، والتي تديرها عواصم الغرب، دون محاولة لحلها، ولتظل سوقاً لما يراد التخلص منه من أسلحة من أجيال سابقة.
محمدعياش ـ كاتب وإعلامي