لندن ـ «القدس العربي»: قبل 2.500 عام كتب المنظر الصيني المعروف صن تزو حكمته «إعرف عدوك»، والفيديو الأخير للجهاديين هو دليل على أنهم يفهمون الحكمة القديمة للحرب. ويدفع هذا الواحد منا على التفكير وليس لأول مرة أن تنظيم الدولة يفهم الحكمة أفضل من الحكومة البريطانية وجيشها الذين فشلا في تحقيق أهدافهما طويلة الأمد ضد التنظيم حسبما تقول صحيفة «الغارديان» في تعليق لها على الفيديو الأخير الذي أصدره التنظيم وقدم فيه «جون الجهادي الجديد».
وكما قدم التنظيم أمرا آخر أثار الجدل وهو استخدامه لطفل يعتقد أنه ابن جهادية معروفة لها علاقة بمقتل جندي بريطاني قبل عامين. ففي آخر شريط لـ «الدولة» تحدث فيه رجل بلهجة إنكليزية صافية ويصور إعدام خمسة من الأشخاص اتهموا بالتخابر مع بريطانيا وساعدوا في اغتيال المتحدث السابق باسم والمعروف بجون الجهادي أو محمد إموازي. وتعلق الصحيفة قائلة إن بث الشريط يوم الأحد جاء في وقت صحيح حيث تأكد التنظيم من حصوله على تغطيات إعلامية في بداية العام الجديد وبعد انتهاء موسم الاحتفالات والعطلات في الدول الغربية، وقد حقق الغرض.
وكما تقول «صمم لإحداث الصدمة والتخويف واستفزاز المشاهد». وجاء مشهد القتل وظهور طفل يتحدث الإنكليزية ويهدد بالقتل من أجل تأكيد حس الصدمة على المشاهد الغربي. وترى الصحيفة أن الفيديو يقدم لنا عدداً من الأمور المباشرة وغير المباشرة. فالرسالة الرئيسية والمهمة هي أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يمارس عمله كالمعتاد رغم ما تعرض له من هجمات في الآونة الأخيرة. ورغم أنه يجب التعامل مع كلام ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني بجدية عندما قال يوم الاثنين أن الفيديو «يعبر عن يأس» من قوة جهادية في تراجع مستمر إلا أن الأدلة التي تثبت كلام كاميرون غير واضحة.
تفاؤل مفرط
فالفيديو ما هو إلا تذكير بأن الحكومة البريطانية ومزاعمها حول قرب هزيمة التنظيم متفائلة إلى حد كبير. ففي العراق خسر تنظيم الدولة معظم مدينة الرمادي ولكن مقاتليه لا يزالون يخوضون معارك فيها. وبالمثل يواجه التنظيم ضغوطاً مستمرة في سوريا وخسرعددا من أهم قادته ولكنه لم يخسر سوى مناطق قليلة. ويحاول تعزيز قواته في ليبيا حيث سيطر يوم أمس على بلدة جواد. وفي أوروبا لا يزال الخوف من تنظيم الدولة قائماً وهو ما وضح من التوتر و»النرفزة» التي شابت احتفالات السنة الجديدة في باريس وبروكسل وميونيخ.
أما الرسالة الثانية فتتعلق بموضوع الفيديو والذي يتعلق بإعدام خمسة «جواسيس» لتعاونهم مع البريطانيين وتقديم معلومات لمصادر في تركيا. وسواء صح هذا الكلام أم لم يصح فهو إثبات على قدرة التنظيم على القيام بعمليات استخباراتية مضادة ومن خلال التنصت على الصحافيين المواطنين وإرسال فرق موت إلى جنوب تركيا. ويقترح الفيديو أن تنظيم الدولة لا يزال ناشطا وفعالا ولهذا فمن يقوم بالتخابر ضده يواجه خطرا محتوما. وتعتقد الصحيفة أن الفيديو صمم لتخويف الخائفين، ليس لانه استخدم وانتهك براءة طفل صغير بل ومن أجل اجتذاب السذج أيضا. وتحذر الصحيفة من الوقوع في شراك دعاية الجهاديين ففي الوقت الذي لا يمكن لمجتمع حر فرض تعتيم على أشرطة فيديو التنظيم، حتى في ظل القوانين الجديدة للإنترنت إلا أن مجتمعا ذكيا يجب أن لا ينخدع بلعبة الإرهابيين وبدون تفكير.
وتطالب والحالة هذه الإعلام الحر بممارسة نوع من السيطرة على نفسه. وإن كان من حق المنظمات منع الأشرطة نظرا لأنها غير مناسبة للذائقة العامة. ويجب أن تكون حذرة من تمجيد القتلة العدوانيين بدون قصد. ويجب أن يتحرى الإعلام ويكون حذرا من توفير مساحة ومكبر الصوت للجهاديين أو يقوم بتكبير صوت المعروفين منهم وهو الخطأ الذي وقع فيه الإعلام في تغطية «جون الجهادي» أو محمد إموازي. وتقول الغارديان «عندما نفتح أمواج الأثير لهذا الفيديو فنحن نخاطر بتكرار نفس الخطأ ونقوم بالمهمة نيابة عن الإرهابيين».
جزء من الرعب
فهؤلاء يعتقدون أن الدعاية التي ينشرونها هي جزء من الرعب الذي يؤمنون به ويستحضرونه في آيديولوجيتهم كما يقول مارتن شولوف بمقال له في «الغارديان». وكتب يقول «في داخل صفوف تنظيم الدولة هناك عدة تصنيفات للأعضاء الذين يحتلون مناصب سامية: قادة يقومون بالتخطيط للمؤامرات والمعارك وقادة بكاميرات ومكبرات صوت يقومون بتوثيقها». وبهذه المثابة لا تختلف رتبة مسؤولي الدعاية عن بقية القادة في التنظيم الذي أتقن الإعلام. فخلافاً للتنظيمات الإرهابية السابقة والمنافسة له استطاع تنظيم الدولة تشكيل رسالته عبر وسائل الاعلام. ولا يختلف الشريط الأخير الذي هدد بريطانيا مباشرة عن أشرطته السابقة التي تؤكد على موضوعات ظلت حاضرة في دعايته منذ عام ونصف العام. فالفيديو الأخير مصمم للمتحدثين بالإنكليزية ولكن هناك أشرطة صدرت بالفرنسية والعبرية والروسية من كادره الذي جاء من كل أنحاء المعمورة.
وأهم ما يميز إعلام الجهاديين الجديد هو تأكيده على رسالة التهديد من أشخاص عاشوا في بريطانيا. والمثير فيها أنها تمت عبر تقنية عالية، وتم تصوير الفيديو من عدة زوايا واستخدمت فيه عدة مفاهيم تقنية حولت البربرية إلى مشهد من مشاهد تلفزيون الواقع. وقدم المنشقون عن التنظيم ومن بقوا معه في الداخل تفاصيل عن الجهود التي يبذلها الجهاديون في إدارة الإعلام، حيث لديهم برنامج وشبكة تنافس أي شبكة إعلامية. ونقلت صحيفة «واشنطن بوست» قوله إن هناك أكثر من 100 عنصر مهمتهم هي تغطية المعارك والمذابح وأي شيء يستحق العرض. ويطلق على كل مسؤول لقب «أمير» حيث يتلقى تعليمات مكتوبة تمرر إليه عبر سعاة بريد وتخبرهم بضرورة وجودهم في أماكن معينة وساعة محددة.
وفي العادة لا يعرفون ماذا سيصورون. ويتم تصوير مشاهد الإعدام بعد التدرب عليها حيث يقرأ القتلة والضحايا من شاشة أمامهم ما أعده لهم كتاب متخصصون في هذا المجال. ويضيف شولوف إنه لا يتم تجاوز أي ملمح في عملية التصوير. ويخطط المخرجون كيفية وضع الكاميرات وزواياها، ويقوم المحررون بكتابة النص ويتأكد المترجمون من ترجمة النص للغة الثانية بطريقة دقيقة. وفي مرحلة ما بعد التصوير يتأكد المنتج من أنه أنتج نسخة وثائقية صادمة ومشذبة وفي النهاية يتأكد مسؤولو وحدة تكنولوجيا المعلومات من نشر وتوزيع الفيديو على وسائل التواصل الإجتماعي.
ونقلت «الغارديان» عن أحد أعضاء التنظيم السابقين في العام الماضي قوله إن القيادة في الرقة عادة ما تفوض مسؤولي الإعلام قرارات عملياتية خاصة وقت تنفيذ عمليات الإعدام أو نشر التهديدات. فقد أجلوا التصوير بسبب عدم توفر الضوء المناسب «هل تصدق» كما قال العنصر السابق. وأضاف «يدرسون أيضا المشاعر والمزاج العام، وهنا تعتبر مساعدة الأجانب مهمة. ويعرفون الدورة السياسية في بلادهم ويمكنهم تقديم نصيحة عن توقيت التصوير والتأثير» الذي سيتركه على الرأي العام في بلادهم.
ولاحظ الكاتب كيف تزأمنت أشرطة فيديو التنظيم مع الحملات العسكرية الجديدة ضده. فشريط فيديو الأحد هو رد على توسيع الحكومة البريطانية هجماتها إلى سوريا. وسبق هذا شريط فيديو تصدى لقرار روسيا التدخل العسكري في سوريا. وأصدر الجهاديون عدداً من الأشرطة بالفرنسية في أعقاب الهجمات المنسقة على باريس. وكل هذه الأشرطة قللت من قيمة الذين يهاجمون تنظيم الدولة رغم خسائر التنظيم في القادة والارأضي.
الكتيبة الأجنبية
ويقول شولوف إن الفيلق الأجنبي الذي انضم للتنظيم هو المسؤول عن عملياته الإعلامية مع أن المحاربين العراقيين القدماء لا يزالون يسيطرون على القيادة ويحتلون المناصب المهمة فيه. فسلسلة أشرطة الرعب التي ينتجها الأجانب هي جزء من هوية الرعب الكأمنة في آيديولوجية الجهاديين. ويقول عضو لا يزال على علاقة مقربة مع التنظيم «لقد تعلموا الكثير.
لم يكن يعرف الزرقاوي الإعلام، وكان ردهم في الماضي بطيئاً ولم يكونوا يعرفون الأزرار التي يضغط عليها في النفسية الغربية». ويضيف «لقد أحبوا الفيلم الذي عملوه لحرق الطيار الأردني، وعرضوه على شاشات كبيرة في الرقة. وكل فروعه بدأت تعمل نفس الشيء، وبدأت ليبيا بعمل نفس الشيء. ويمزحون فيما بينهم حول حصول أفلامهم على جوائز».
الطفل
وتميز الفيديو الجديد بصورة طفل عمره 5 أعوام اسمه عيسى دير. وشجب جد الولد استخدامه في الفيديو والمدى الذي ذهب إليه التنظيم الإرهابي وقال إن الطفل استخدم كدرع بشري. وكشف عن اسم الأم وهي خديجة دير 24 عاما، بريطانية اعتنقت الإسلام وغادرت إلى سوريا عام 2012. وقال والدها صاندي دير إن حفيده لا يعرف شيئا واستخدم في الدعاية. ويعتقد أن هناك 35 طفلا بريطانيا يعيشون فيما يطلق عليها الخلافة. وكشف في الوقت نفسه عن اسم جون الجهادي الجديد وهو من شرق لندن ومن عائلة هندوكية اعتنق الإسلام. ويدعى سيدهارتا دار انضم سابقا لجماعة «المهاجرون» وسجن بتهم الإرهاب لكنه خرج من السجن بكفالة واستغل هذا الوضع حيث هرب إلى سوريا عام 2014. ونقلت صحيفة «التايمز» عن أصدقاء لدار قولهم إن لهجة الرجل المقنع في الفيلم تشبه الطريقة التي يتحدث بها مع أن شقيقته قالت في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أنها الصوت يشبه صوت شقيقها لكنها ليست مقتنعة أنه هو الذي ظهر في الفيلم. وحدد محللو أصوات لهجة دار الذي يعرف أيضا بـ «أبو الرميسي» تشبه لهجة سكان جنوب إنكلترا مع أن دار نشأ في منطقة وولثمستو في شرق لندن. وبالنسبة لعيسى فقد عاشت والدته في لويشام- جنوب لندن والتي كانت من أولى النساء البريطانيات اللاتي يذهبن إلى سوريا.
وتنتمي إلى عائلة من أصول نيجيرية وتزوجت من جهادي سويدي يلقب بأبي بكر. ولا يوجد رقم محدد لعدد العائلات البريطانية التي غادرت إلى سوريا. ولكن هناك عشرات من العائلات التي ذهبت إلى هناك، مثل عائلة منان من لوتون والتي يبلغ عدد أفرادها 12 شخصا والتي أكدت وصولها إلى سوريا للإنضمام إلى تنظيم الدولة في تموز/ يوليو الماضي ويطلبون من المسلمين الآخرين فعل الشيء نفسه. ويعتقد أن هناك عائلة أخرى وهي عائلة أصف مالك وسارة كيران وأطفالهما الأربعة وأعمارهم تتراوح بين العام والسبعة أعوام ذهبت إلى سوريا بعد مغادرتها لبيتها في بيركشاير في أبريل / نيسان الماضي. ويشجع المتوطوعون القادمون على احضار عائلاتهم معهم لأن التنظيم يحاول بناء جيل من الأطفال بلا حدود وليس لهم ولاء لبريطانيا ولا لسوريا، وهذا نوع جديد من الأشخاص الذين لا يحملون الجنسية.
تجنيد الأطفال
وعلى العموم فاستخدام التنظيم الأطفال في دعايته ليس جديدا، فهم يمثلون «أشبال الخلافة» وهم الجيل الجديد الذي سيواصل مشروع الدولة. وناقش الكاتب جيمس هاركن في صحيفة «دايلي ميل» أن بداية تنظيم الدولة في سوريا لم تكن عسكرية بل وقام في عام 2013 باحتلال المدارس. وأرسل التنظيم دعاته إلى مدارس حلب حيث استخدموا المال وقوة الحجة لإقناع الموظفين بتعليم الطلاب أفكار الجهاديين. وبالترافق مع جهوده التعليمية قام التنظيم بإنشاء ملاجئ أيتام خاصة أن الحرب الأهلية في سوريا خلفت وراءها أيتاما وعائلات لم تكن قادرة على إطعام أطفالها علاوة عن توفير الطعام للأيتام وهو ما أدى إلى ترحيب الناس بالملاجئ التي أنشأها الجهاديون لرعاية الأيتام. وناقش هاركن أن التنظيم لا يتعامل مع جهوده الإنسانية لرعاية الأطفال كأعمال خيرية بل كجزء من بناء جيله الجديد الذي لن يعرف عندما يكبر سوى دعايته وما لقنه إياهم. ونقل الكاتب عن معارض سوري راقب عملية السيطرة على المدارس «المجتمع السوري ينتج نوعا جديدا من المتطرفين يصعب التكهن بما سيفعلون. هذه تجربة جديدة – وعندما يذهب بعضهم لأوروبا وأمريكا ويفجرون أنفسهم، لا تسألوا لماذا؟».
ويشير هاركن إلى أن بعض المدارس تستخدم كمعسكرات تدريب ولهذا فليس من الصعب على الأطفال اللعب بالبنادق ويستغل مدربوهم هذه الحقيقة. ويكتب هاركن قائلاً إنه كان أول أول صحافي غربي يلتقي عام 2014 بصبيين كرديين عمرهما 14 و16 عاما كانا قد هربا من معسكر تدريب حيث كانا محتجزين مع 184 فتى آخر. وقالا إن المدرسين ليسوا سوريين ويتعاملون أحيانا بوحشية ويضربون الطلاب، ولكن الأكل كان أفضل مما تستطيع عائلاتهم أن توفر لهم. ويقوم الجهاديون بتقسيم الأطفال إلى مجموعات مؤلفة من خمسة ويعينون على كل مجموعة مسؤولا، بطريقة تشبه التسلسل الهرمي للجيش ويخلق نوعا من الانضباط. وشعر أهالي الأطفال الأكراد بالقلق بسبب التغيرات التي طرأت على أطفالهم لدى العودة من تلك المخيمات. ويتراوح سن الأطفال في هذه المخيمات من 7 إلى 15 عاما وتخبر عائلاتهم بأنهم لن يرسلوا إلى الجبهة ولكن يستخدمون في العمل على الحواجز والحراسة. وبسبب الخسائر الأخيرة للجهاديين فقد تم ترفيع عمل الأطفال وهم يستخدمون في كل ملامح العمل العسكري. وبحسب معارض من حلب فليس غريبا مشاهدة جثث مراهقين بعد وقوع المعارك فالتنظيم لا يرسل فقط البالغين لخوض المعارك وهناك حالات موثقة لعمليات انتحارية لم يزد عمر منفذها عن 12 عاما.
لم يتوقف
وتقول صحيفة «التايمز» إن تدفق الجهاديين الشباب من بريطانيا لمناطق الحرب في العراق وسوريا لم يتوقف منذ ثلاثة أعوام. وحددت قوات الشرطة والإستخبارات هوية 750 شخصا ممن انضموا إلى ما يطلق عليها «الدولة الإسلامية». وعاد نصف هؤلاء إلى بريطانيا وتحاول الاستخبارات الداخلية «أم آي فايف» مقابلة كل شخص يعود من الخارج لكن ضباطها يعترفون بأن بعض العائدين تسلل عائدا بدون أن يشعر به أحد.
وفي العام الماضي قالت الشرطة إنه تم سحب جوازات سفر 39 شخصا في الفترة ما بين 2013- 2014 . وقالت الصحيفة إن عددا من الشباب الذين عادوا أو تم وقفهم قبل السفر تم التحقيق معهم بدون اتخاذ إجراءات ضدهم. ومن الصعب إثبات أن وجهة هؤلاء كانت «الخلافة» خاصة عندما يتم اعتراضهم في تركيا. وحاولت المخابرات تجنيد بعض العائدين لمواجهة رواية التنظيم على الإنترنت. وقال قائد وحدة مكافحة الإرهاب في اسكتلند يارد، ريتشارد والتون إن الشرطة تريد استخدام الجهاديين الذين تغير تفكيرهم أو الذين عادوا ومن أدينوا بتهم إرهاب لدحض رواية التنظيم. وتمت إحالة البعض منهم على برنامج «بريفنت» الذي تحاول من خلاله الحكومة إصلاح فكر الشباب ومنعهم من الوقوع في حبال التشدد.
إبراهيم درويش