استدعاء الماضي… غياب التسامح

حجم الخط
0

تجتاح حمى متوالية الاستدعاءات والإحالات التاريخية والميثولوجية منطقة الشرق الأوسط، كما الحروب والصراعات الداخلية، أو ربما نتيجة الاستعصاءات الظاهرية الكبرى فيها.
ومرد ذلك إلى عاملين عدميين رئيسيين لا ثالث لهما، الأول يتعلق بصعوبة قراءة المشهد السياسي المعقد ومآلاته الأخيرة وما يستدعيه ذلك من خرافات وغيبيات غريبة عن الواقع، بينما يتعلق الثاني بمحاولات لي عنق الحقائق الجيوسياسية، وجرها عنوة باتجاهات انتهازية يسعى أصحابها إلى الاصطياد في الماء العكر واستغلال تحولات المنطقة الراهنة في سبيل تحقيق أحلام «وردية» فئوية ضيقة عفى عليها الزمن، على حساب مصالح الكتل السكانية الضخمة وأحلامها في بناء مجتمعات ديمقراطية تؤمن لمكوناتها كافة الحرية والكرامة والعيش الكريم.
في حراك سياسي من هذا النوع سمته البينة معاندة مسار التاريخ والمنطق الاجتماعي، تتشبث قوى وشخصيات محسوبة على تيار اليسار القومي العربي التقليدي بمقولات لم تنتج سوى الويلات والحروب ونظم الاستبداد وخسارة القضايا الوطنية والقومية تباعا، وسحق تطلعات الشعوب في الحرية والديمقراطية، بينما طغت على الممارسة السياسية للأقليات غير العربية مقولات وعقليات انتهازية أنانية، لا ترى في هذه التحولات سوى فرصة ذهبية، ربما لن تتكرر، لتحقيق أحلامها القومية والفئوية خارج إطار الخريطة السياسية لدول المنطقة، التي يعلم الجميع أنها ترسخت على هذا النحو بإرادة غير عربية، لا بل إنها فرضت بالقوة والاحتيال على شعوب المنطقة.
هذان التياران، بالإضافة إلى تيار التعصب الديني والمذهبي، على اختلاف منطلقاتها الفكرية ونوازعها السياسية حد التناقض، حيث تحجب غمامة الأيديولوجيا الحقيقة عن عيون اليساريين «القومجيين» والمتعصبين، بينما تعتمد الأقليات استراتيجية ثقب جدار السفينة من الداخل للنجاة بالنفس، يلتقيان في منتصف الطريق ويتقاطعان في محطات كبرى عديدة، أبرزها إعاقة التحولات الديمقراطية في بلدان المنطقة، وزيادة كلفها المعنوية والمادية وزمنها حد الجنون، وحرفها عن مساراتها ومآلاتها الطبيعية، التي من شأنها، في حال تحققها، أن تؤمن ما يلزم من أدوات سياسية سلمية ومشروعة للمشاركة في تحديد ملامح المستقبل السياسي لجميع فئات المجتمع ومكوناته القومية والمذهبية وتياراته الفكرية والسياسية، لا سيما أن الصراعات البينية المحتدمة بين القوى المتصارعة تقوم على معادلة صفرية لا غالب ولا مغلوب فيها، لأنها، بكل بساطة، ستظل تعيد إنتاج نفسها إلى ما لا نهاية، إن لم يصر إلى اعتماد خطاب مدني شامل ساعة البحث عن مخارج لها.
أما القاسم المشترك الذي يجمع بين التيارات الثلاثة، فيتمثل في عدم رؤية خلاصها في استحقاق التغيير السياسي الديمقراطي، ما يدفعها إلى اللجوء إلى جملة من الاستدعاءات التاريخية السياسية والدينية الخرقاء، التي طواها النسيان، ولم تعد تشكل أرضية صالحة لمناقشة هموم الحاضر وتحديد معالم المستقبل، أو أنها تستدعى في ظروف غير مؤاتية وحوامل غيبية غير ناضجة وسياقات تتعارض مع سياقات استحقاق التغيير السياسي لتتحول، بشكل آلي، إلى حالات عرجاء من الاصطفاف تصب، في نهاية المطاف، في بوتقة أنظمة الاستبداد، التي تتقن جيدا كيف تضع العربة أمام الحصان، وتستغل هذا الخطاب التجزيئي الضيق لصالح بقائها في السلطة بغض النظر عن الأثمان القاتلة التي يمكن أن تدفع في لظى هذه الحمى الفتاكة والمفككة لكل الخطاب الذي تتبناه القوى المعارضة لتلك الأنظمة والعاملة على اسقاطها.
هنا يتساوى خطاب الجماعات الاسلامية المتشددة ويتماثل مع خطاب الجماعات والأحزاب الكردية والعربية القومية، من خلال نشوء منظومة عملاقة من الاصطفافات المنحرفة التي تبطن عمليا آليات عمل الثورات المضادة مثلما تشي بانعدام الايمان بآليات العمل الديمقراطي، الناشئة من رحم التغيير السياسي المنشود لتجد نفسها، من حيث تدري أو لا تدري، مستنقعة في وحل آليات عمل نظم الاستبداد نفسها، التي شكلت على مر التاريخ العقبة الرئيسية الكأداء أمام ممارستها الحرة لمفردات خطاباتها على تنوعها، مغفلة بذلك الباب أمام مجمل التحولات المجتمعية التي خضعت أو أخضعت لمعطيات واقع جديد وباتت تشكل جزءا من عجلته في السراء والضراء.
هذه الممارسة السياسية لا تختلف كثيرا في مآلاتها وأدواتها عن عمليات السطو على التاريخ ومفرداته، ولا تبتعد كثيرا عن حمى اخضاع هذا التاريخ بجانبه السياسي والفكري لعمليات قيصرية، سرعان ما تلتهب ندوبها وتشعل بؤر الصراعات ذاتها من جديد، في متوالية تجتر نفسها بلا نهاية، لا لشيء إلا لأن صيرورة التاريخ لا ترتد إلى الوراء، وإن حدث وارتدت في بعض مواضعها، فإنها تفعل ذلك بصورة عابرة، لا تلبث أن تكشف عن ضرورة استحداث آليات جديدة مبتكرة وغير تقليدية، تكفل لمكونات المجتمع كافة ممارسة حقوقها الدينية والقومية وحتى الطبقية بأشكال أرقى وأكثر حضارية، بعيدا عن العقد التاريخية وفخاخ التاريخ الفتاكة الكثيرة، التي باتت تشكل أوحالا تشوبها قذارة نزعات عمياء لا تجلب للشعوب سوى الويلات والحروب، مثلما تبدو عاجزة تماما عن رفع المظلوميات المتراكمة عبر التاريخ عنها، لا بل إن هذه المظلوميات، على مشروعيتها وضرورة التضامن مع أصحابها، لا تستخدم، في هذه الحالة، إلا بوصفها أدوات سياسية مشبوهة، الغاية منها تحقيق مشاريع سياسية حزبية أو فئوية ضيقة سرعان ما تتوالد من رحمها مظلوميات جديدة، وهكذا..
طبعا، هذه ليست دعوة مثالية لانصهار الحضارات والثقافات في بوتقة واحدة، لعلمنا باستحالة ذلك على ضوء توق الشعوب لتحقيق ذاتها القومية دائما، لكنها صرخة تدعو للارتقاء بأدوات التعايش بين أبنائها واحترام موروثاتهم الحضارية، دعوة لتشييد مجتمع التسامح الإنساني، وللاستفادة من تجارب شعوب أخرى اكتوت بنار الصراعات والحروب الأهلية، ودفعت أثمانا باهظة لا تصدق، قبل أن تعتلي قيم التآخي والتسامح فيها سلم الأولويات في البناء الاجتماعي، وتحل محل الأحقاد ولغة الثأر والانتقام، في متوالية نقيضة السيادة فيها لدولة لقانون والحياة الديمقراطية.
قد تبدو دعوة من هذا القبيل أقرب إلى الطوباوية في ظل احتدام الصراع في منطقة الشرق الأوسط المساط بأنهار من الدم البشري وبسيول من الكراهية ومشاعــــر الانتقام، وبغياب لغة العقل والتعــــقل، وقد تبدو المعجزات السبيل الوحيد للخروج من مجموعة الأزمات الطاحنة، التي تعصـــف بشــــعوبه، كل ذلك صحيح وله مسوغاته ومنطقه، الذي لا يمكن اغفاله، لكن من قال إن دعوة مثل دعوة الفيلسوف الفرنسي فولتير (1694 – 1778) للتسامح ونبذ التعصب كانت دعوة واقعية في زمن استبداد تحالف الكنيسة مع الدولة والتطرف الديني وانعدام أجواء التسامح والإخاء بين البشر.

٭ كاتب فلسطيني

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية