استراتيجية «الجهاديين» تهدف لتحطيم الدولة الحديثة وتهيئة الظروف للمواجهة مع الغرب… والأردن ولبنان في خطر… وعلى إدارة أوباما أن لا تركز على الانتصارات الآنية

حجم الخط
1

لندن- «القدس العربي»: يواجه تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا مرحلة حرجة من ناحية تأمين الموارد المالية لما يطلق عليها «الخلافة». وذكر تقرير بريطاني أعدته لجنة فرعية مختارة للشؤون الخارجية في مجلس العموم أن مشاكله المالية نابعة من استمرار الغارات الجوية على منابع النفط التي تشكل عصب اقتصاده وبسبب استهداف المسؤولين الماليين الكبار.
وأكد التقرير على أهمية الدور الذي يجب أن تلعبه بريطانيا في مساعدة المجتمع الدولي على خنق مالية الجهاديين. وذكر التقرير أن دور بريطانيا «ضعيف مقارنة مع الإمكانيات المتوفرة» ودعا الحكومة لزيادة الجهود وتشغيل الخبراء الذين يمكنهم تحديد واستهداف مصادر تمويل التنظيم.
ورغم مشاركة طائرات سلاح الجو الملكي في غارات عليه في العراق وفي سوريا، منذ كانون الأول/ديسمبر 2015 حيث قامت بضرب عصب اقتصاد التنظيم النفطي إلا أن التقرير الجديد يظهر أن لدى بريطانيا قدرة على قيادة الجهود الدولية لعزل التنظيم وتجفيف منابعه المالية خاصة وقف جمع التبرعات من المتعاطفين معه، ومنعه من استخدام النظام المصرفي المحلي الرسمي وغير الرسمي.
وجاء في التقرير «من أجل مناسبة مشاركتها لما يمكنها القيام به، على المملكة المتحدة التأكد من عمل الخبراء في القطاعين العام والخاص معاً وبفعالية والتعاون مع الحلفاء في الخارج والاستفادة من الخبرات».
وقال رئيس اللجنة جون بارون «لقد تضررت مالية التنظيم بسبب جهود التحالف ولكن هناك حاجة لبذل المزيد، وعلى ما يبدو فمساهمة بريطانيا ضعيفة مقارنة مع إمكانياتها». وقال إن «تنظيم الدولة ينتعش في الدول التي أوهنتها الحروب. ويجب على الحكومة العراقية التأكد من عدم قيام أو تتمكن هذه المنظمة الإرهابية من الحصول على موارد مالية عبر الأنظمة المالية الداخلية «.
وأضاف أن «حكومة المملكة المتحدة في وضع جيد لمساعدة العراق كي يطور قدراته لمواجهة مالية تنظيم الدولة».
وتعتمد هذه الجهود على منعه من استخدام النشاطات المالية المحلية والدولية. وعليه فهناك حاجة ماسة كي تقوم الحكومة البريطانية بتسريع عمليات التجنيد والتأكد من الاحتفاظ بخبراء يعرفون التعامل مع التقاليد المالية المحلية.
وجاء في التقرير أن الوضع المالي للتنظيم هلامي «ومن المحتمل أن يقوم مع تراجع موارده النفطية والضريبية البحث عن مصادر تمويل جديدة. ومن هنا فعلى بريطانيا قيادة الجهود الدولية من أجل تحديد مصادر الدعم هذه ولعب دور منهم في مجموعة مواجهة مالية تنظيم الدولة التي تترأسها حالياً الولايات المتحدة وإيطاليا والسعودية».
ودعت اللجنة دول التحالف لاستهداف آبار النفط بشكل أكثر كثافة رغم المخاوف من صعوبة إصلاحها حالة توقفت الحرب.
وقالت اللجنة إن الطريقة الوحيدة لوقف استغلال تنظيم «الدولة» للسكان المحليين واقتصادياتهم تكون عبر إنهاء احتلاله لمناطق واسعة في كل من سوريا والعراق واستعادتها».

دول الخليج

وفي تقرير لصحيفة «الغارديان» معلقة على ما ورد في تقرير اللجنة البرلمانية الفرعية جاء فيه أن أعضاء اللجنة دعوا الدول السنية لفرض قيود على مواطنيها ومنعهم، بمن فيهم أبناء العائلات المالكة من دعم وتمويل الجهاديين.
ووصف التقرير وضعهم بقوله إنهم لجأوا إلى «أساليب العصابات والإتاوة» التي قدموها عبر شكل من أشكال الضريبة كي يحصلوا على المال. وفي فقرة تقول صحيفة «الغارديان» إنها مثيرة للجدل جاء فيها إن وزارة الداخلية السعودية أصدرت تشريعاً في آذار/مارس 2015 حظرت فيه على المواطنين تقديم الدعم لتنظيم «الدولة».
وهو قانون متأخر كما تقول اللجنة عن قرار بريطانيا مثلاً التي صنفت تنظيم «الدولة» جماعة إرهابية في حزيران/يونيو 2014.
ونقل التقرير عن وزير الدولة في الخارجية البريطانية توبياس إلوود قوله إنه من الصعوبة بمكان معرفة الطريقة التي تعمل فيها العائلات المالكة في السعودية ودول الخليج.
وفي جواب على إمكانية تبرع أعضاء في العائلات الحاكمة لمنظمات إرهابية، أجاب «إنه أمر غامض، فعندما يكون هناك شخص قريب من العائلة الحاكمة وهو متبرع غني، فمن المحتمل حدوث هذا».
وعلق دان تشاغ، الموظف الكبير في الخارجية قائلاً «من الصعوبة بمكان أن تعرف التمويل الحقيقي للحكومة عندما تكون تتعامل عائلات حاكمة وأمراء أثرياء وأمور من هذا النوع. ولم تكن استراتيجيتنا تقوم على التأكد ممن يفعل هذا أو لا يفعله بل منع وصول التمويل إلى داعش. وكان هذا هو المهم وهو ما كنا نركز عليه».
وأوصت اللجنة الحكومة بـ «للعمل مع شركاء محليين في المنطقة للتأكد من أن لديهم القدرات على تطبيق القوانين المحلية بدقة بطريقة تمنع وصول التمويل إلى تنظيم الدولة، وعليه لن يستفيد من أية تبرعات في المستقبل».
وبخلاف ما ورد في التقرير فقد نفت العائلات الحاكمة في دول الخليج أن تكون قد دعمت تنظيم «الدولة» وأكدت على أنها تعمل مع الجماعات المصممة على نهاية حكم الإرهاب له.

زيادة جديدة

ويتزامن التقرير مع إعلان وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن إرسال أعداد إضافية من الجنود الأمريكيين للمشاركة في العمليات العسكرية في العراق.
ففي زيارة مفاجئة إلى العراق قال وزير الدفاع آشتون كارتر أن الجنود وعددهم 560 سيعملون انطلاقاً من قاعدة القيارة الجوية التي تبعد 65 كيلومترا عن مدينة الموصل آخر معاقل الجهاديين في العراق.
وكانت القوات العراقية قد استعادت القاعدة يوم السبت وستتخذها كنقطة انطلاق للتقدم نحو المدينة التي مضى على سيطرة التنظيم عليها عامان. وأشارت دراسة أعدتها شركة «إي أتش أس» إلى أن التنظيم فقد ربع أراضيه في العراق وسوريا خلال الـ 18 شهراً الماضية. وعوض عن هذه الخسائر بحملة تفجيرات في الخارج رأى فيها المسؤولون الأمريكيون، خاصة بريت ماكغيرك، المبعوث الدولي الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة» الذي قال إن الحملة الرمضانية هي علامة ضعف.
وترى جيسكا لويس ماكفيت وكريستوفر كوزاك في مقال مشترك نشره موقع مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن العكس صحيح، أي أنها علامة قوة. فرغم خسائره الأخيرة فلا يزال قوياً وأنه قادر على تنفيذ استراتيجيته الدولية القائمة على إضعاف الدول الحديثة وتوسيع الخلافة وإشعال حرب قيامية مع الغرب.
ولن تستطيع الولايات المتحدة هزيمة «الدولة الإسلامية» وحماية أراضيها إن لم تقم بتأطير استراتيجيتها بطريقة تنافس استراتيجية تنظيم «الدولة» عالمياً بدلاً من التركيز على النجاحات التكتيكية في العراق وسوريا. ويقول الكاتبان إن استراتيجية تنظيم «الدولة» محلية ودولية. فهو يخوض حملات متداخلة في مساحات جغرافية متعددة.
فحملته المحلية تركز على توسيع خلافته عبر منطقة الشرق الأوسط ودمج جماعات مقاتلة تسمح له بزعزعة استقرار المنطقة والسيطرة على أراض جديدة.
أما حملته الدولية فتعمل على تحضير الظروف من أجل حرب قيامية بين الإسلام والغرب. ويبدو أن صناع القرار الأمريكي لا يلقون بالا لرؤية التنظيم ورسائله الكبيرة المتعلقة بتغيير العالم ويفضلون التركيز على النجاحات الميدانية في العراق وسوريا.
ولكن التنظيم يتصرف من نقطة قوة، فهو لا يعمل على البقاء في هذين البلدين ولكن من أجل الإزدهار في العالم على المدى القريب. وبناء عليه فمن الخطأ التقليل من رؤيته الدولية. صحيح أن التنظيم خسر أراضي كبيرة في سوريا والعراق، وهي معارك مهمة تعتبر مقدمة لهزيمته.
ولكن ماكغيرك وغيره من المسؤولين عادة ما يستخلصون نتائج من الانتصارات التكتيكية في الوقت الذي كان عليهم التركيز على التحديات المقبلة. فمن الخطأ الإفتراض أن تنظيم «الدولة» خسر المعركة العسكرية لأنه لم يستطع استعادة أي من المدن التي خرجت عن سيطرته.
ففي معظم الحالات اختار مقاتلوه الإنسحاب بدلاً من القتال حتى الموت- وهو تعبير عن قدرة تحكم وحسابات عسكرية ونية للحفاظ على قوته من أجل عمليات المستقبل.
ويعلق الكاتبان أن إدارة باراك أوباما تسيء فهم العمليات الكبيرة التي ينفذها الجهاديون وترى أنها علامة ضعف. وفي الحقيقة فحملة رمضان الحالي لا تختلف عن الحملة السابقة والفرق هو في سعة مساحتها وأثرها القاتل.
ويشيران إلى أن «الدولة الإسلامية» دائماً ما كانت «قوة هجينة» والعمليات التي تؤدي لقتلى بالجملة علامة على حملات رمضان.
وتكيف التنظيم من خلال دمج أساليب الحرب القتالية التقليدية في قواعد الحرب عام 2014 حيث سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا. ولا يزال يحتفظ بهذه القدرة من خلال الانسحابات التكتيكية ومواصلة الدفاع عن مدينة منبج السورية.

حس كاذب

ويرفض الكاتبان النقاش الذي يرى أن التنظيم على حافة الهزيمة. وتفكير كهذا يمنح الإدارة حسا بالأمن الكاذب. فالطريقة التي يخوض فيها الجهاديون الحرب في ساحات المعارك منطقية ومتوقعة ومتكيفة من أجل خلف الظروف للمرحلة المقبلة بعد رحيل الأمريكيين من المنطقة.
فقد قام التنظيم بزعزعة وهز الأنظمة الضعيفة في المنطقة، أي دول الجوار، فهجومه الكبير في بغداد والذي قتل فيها عدداً كبيراً حقق أهدافاً سياسية.
ويقول الكاتبان إن صناع السياسة يفشلون في فهم أن عمليات التنظيم المحلية والدولية تهدف لخدمة طموحاته العليا وأبعد من مجرد الدفاع عن مناطقه في العراق وسوريا.
فهجماته في تركيا وبنغلاديش والسعودية والأردن ولبنان ومصر لم تكن رداً على خسارته مناطق أو محاولة لتوسيع مجاله. فهو يقوم ببناء قدراته في هذه البلدان وتمثل الهجمات جزءا من استراتيجية موجودة من قبل لتوسيع الخلافة وتمددها في كل أنحاء العالم الإسلامي.
ولو نجح التنظيم بإضعاف هذه الدول ودفعها للتركيز على أمنها المحلي على حساب المعركة الأوسع ضده فإن التحالف لا معنى له.

تفكيك الدول

ويرى الكاتبان أن خطة التنظيم تقوم على محاولة تحطيم الدولة الحديثة بطريقة تتبع الواحدة الأخرى.
وبعض هذه الدول مثل الأردن. ويتعرض هذا البلد ولبنان لمخاطر الانهيار تحت وطأة الضربات الإرهابية وموجات اللاجئين وانسداد الافق السياسي.
وهاجم التنظيم كلا البلدين في فترة رمضان. ومن هنا فالخطر باق ولا مجال للشك. وعلى الولايات المتحدة العمل على الحد من طموحات التنظيم الإقليمية لا التقليل من أهمية الجماعات الجهادية- السلفية ومحاولة فصلها عن التنظيم.
وفي هذا السياق اعتبر ماكغيرك أن المنظمات التي ارتبطت به كانت موجودة معتبراً أنها ليست جزءا من الحرب المعادية للتنظيم، مع أن الحقيقة تشير إلى كونها جزءا من الرؤية الدولية له.
وبناء عليه فتنظيم «الدولة»، وخلافاً لنظرة إدارة أوباما لم يضعف ولا يحاول التعويض عن خسائره من خلال الهجمات الخارجية، خاصة الهجمات الخارجية. ويبدو أنه يكسب المعركة ضد استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة.
فحملاته الخارجية هي في النهاية جزء من خلق ظروف الحرب بين المسلمين وغير المسلمين. وقد ينجح لأنه ليس القوة الوحيدة الهادفة لحرف الانتباه نحو حالة الاستقطاب الكبرى. ويعرف التنظيم أن عملياته في الغرب ستترك أثرها على الجماعات المسلمة هناك وستؤلب السكان ضد المهاجرين، في وقت تواجه في أوروبا أزمة لاجئين. وفي ظل صعود الجماعات المحلية والمعادية للمهاجرين فإن حالة الاستقطاب ستزيد.
وستتداعى التحالفات العسكرية، بشكل يعمل على حرف التحالفات الدولية مثل الناتو. ولا تزال الولايات المتحدة القوة العظمى في العالم لكنها غير قادرة على وقف الانحراف في النظام العالمي ولصالح تنظيم «الدولة».
ومن هنا وعندما يركز صناع السياسة في الغرب على المعارك الفردية في العراق وسوريا فإنهم يتجاوزون الرؤية الأشمل للتنظيم. ومع أن الانتصارات الأخيرة ضده مهمة وحقيقية إلا أنها ستتبخر في حالة عدم توفر فكرة واضحة لدى التحالف حول ما يجب عمله في المرحلة المقبلة. فلا أحد في المرحلة الحالية راغب بالحديث عن إعادة إعمار العراق وسوريا مع أن شيئاً من هذا القبيل مطلوب.
وإلا فهاتان الدولتان ستعودان لنقطة الصفر لحظة انتهاء الحرب. وقد يختفي التنظيم ويعيد بناء صفوفه ويشن حرب تمرد بعد تعلمه من أخطاء الماضي.
وربما استفاد تنظيم «القاعدة» المنافس له وملأ الفراغ وسيطر على الفضاء الجهادي السلفي الذي وجد له تربة خصبة في الدول السنية. ويعتقد الكاتبان أن هناك ضرورة لقيام الولايات المتحدة بتغيير استراتيجيتها المعادية لتنظيم «الدولة» وبناء رؤية دولية. وعليها الاعتراف بأهمية التهديد الذي تمثله الجماعات الجهادية- السلفية المحلية والتي ربطت نفسها بتنظيم «الدولة» والتي تسمح له بالعمل على المستوى العالمي.
وهي في حاجة إلى تطوير استراتيجية موازية لمنع القاعدة الإستفادة من الفراغ. وأهم من كل هذا فيجب على الولايات المتحدة التكيف بطريقة ماهرة وأفضل من تنظيم «الدولة». وإن لم تفعل فستكتشف بعد أيام عدة أنها فعلت الكثير من الأشياء الصحيحة ولكنها تأخرت يوماً وتخلفت عن إنفاق ما يكفي في عالم انقلب رأساً على عقب.

استراتيجية «الجهاديين» تهدف لتحطيم الدولة الحديثة وتهيئة الظروف للمواجهة مع الغرب… والأردن ولبنان في خطر… وعلى إدارة أوباما أن لا تركز على الانتصارات الآنية

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية