استراتيجية تركيا الجديدة في سوريا: محاربة تنظيم «الدولة» وحماية اللاجئين عناوين ضرب الوحدات الكردية ووقف زحف قوات الأسد

حجم الخط
1

اسطنبول ـ «القدس العربي»: التقدم المتسارع الذي حققته قوات النظام السوري بغطاء جوي روسي في البلدات القريبة من الحدود التركية، بالتزامن مع التهام الوحدات الكردية مزيداً من البلدات التي تعتبرها تركيا «مناطق محرمة»، دفعت بدوائر صنع القرار السياسي والأمني في أنقرة إلى العمل على وضع خطط إستراتيجية جديدة في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل انقلاب الأمور لصالح النظام السوري وحلفائه وخاصة المسلحين الأكراد الذين ترى فيهم تهديداً لأمنها القومي.
الإستراتيجية الجديدة وإن لم يعلن عنها بشكل صريح بدت ملامحها واضحة في خطابات كبار المسؤولين الأتراك لا سيما رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو الذي شدد في عدد من التصريحات الأخيرة على أن بلاده ستعمل على حماية اللاجئين السوريين لوقف تدفقهم إلى الأراضي التركية، وذلك عقب إعلان الحكومة أن قدرتها على استيعاب اللاجئين وصلت إلى حدها الأقصى بوصول عددهم إلى قرابة 3 ملايين.
حيث قال داود أوغلو، الأحد: «إنه وفقاً لقواعد الاشتباك، وبموجب القرارات التي اتخذنها سابقاً، بشأن منع تدفق اللاجئين نحو تركيا، وتأمين بقائهم في بلادهم بشكل آمن، ردت قواتنا (الأحد)، على العناصر التي تشكل تهديداً علينا في أعزاز (في محافظة حلب في الشمال السوري) ومحيطها وفقاً لقواعد الاشتباك»، وأكد تصميم بلاده على «اتخاذ التدابير الضرورية لحماية حدودها، واللاجئين المتوجهين نحو أراضينا، بل وحماية وجود المعارضة، التي تقاتل ضد كل من النظام السوري، والتنظيمات الإرهابية، وأيضاً للحيولة دون ارتكاب تلك التنظيمات تطهيراً عرقياً بحق السوريين».
كما أن خطوة الحكومة التركية بإقامة مخيمات وتقديم المساعدات لعشرات الآلاف من اللاجئين على الجانب السوري من الحدود، تبدو وكأنها رسالة للعالم أن الإستراتيجية التركية الجديدة في التعامل مع اللاجئين هي توفير مناطق آمنة لهم داخل الأراضي السورية وأن أنقرة لم يعد باستطاعتها تحمل أعباء اللاجئين من دون أي تحرك من المجتمع الدول لمطالبها المتكررة بضرورة إقامة منطقة آمنة.
ووصل الغضب التركي في هذا الجانب إلى أن قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مخاطباً الأوروبيين والعالم أن «الأتراك ليس مكتوباً على جباههم أغبياء»، مطالباً العالم بوقف إعطاء الدروس بالإنسانية لمن استقبل 3 ملايين لاجئ، والعمل على إيقاف المجازر التي ترتكبها روسيا ونظام الأسد لإنهاء مأساة اللاجئين، على حد تعبيره.
ويرى مراقبون أن الإستراتيجية التركية الجديدة تهدف إلى الالتفاف على المعايير الأمريكية والخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن في التعامل مع سوريا، بمعنى أن أنقرة ستحاور واشنطن باللغة التي تفهمها، وهي محاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» ومساعدة اللاجئين، بدلاً من مطالب تسليح الثوار بأسلحة نوعية وتوجيه ضربة للنظام السوري وهي المطالب التي واجهت رفضاً أمريكياً قاطعاً على مدار 5 سنوات من عمر الثورة السورية.
الخطوة التركية وإن كانت مدعومة سعودياً لا يمكن أن تتم بدون ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، فالطائرات التركية لم تتمكن من التحليق فوق الأجواء السورية منذ حادثة إسقاط طائرات حربية تركية مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا نهاية العام الماضي، خوفاً من انتقام موسكو التي نشرت منظومة إس 400 في سوريا، حيث اكتفى الجيش التركي في عملياته الأخيرة باستخدام المدفعية الثقيلة انطلاقاً من الأراضي التركية.
وللحصول على الضوء الأخضر الأمريكي كان لا بد للخطة التركية – السعودية الجديدة أن تكون تحت عنوان محاربة «داعش»، على الرغم من أن أنقرة رفضت مراراً وضع ثقلها في حرب تستهدف التنظيم دون النظام السوري باعتبار أنها ترى بأن نظام الأسد هو المسبب الأول للإرهاب وانه لن يتم القضاء على «داعش» بدون إزاحة الأسد.
لكن وتحت ضغط تقدم قوات الأسد والوحدات الكردية اضطرت أنقرة للقبول بهذا الخيار في محاولة لتحقيق جزء من أهدافها التي سيكون أبرزها طرد تنظيم «داعش» من المناطق الحدودية لتستلم إدارتها قوات من المعارضة السورية الموالية لتركيا بدلاً من أن تستعيدها قوات الأسد أو مليشيات موالية للنظام.
بالإضافة إلى ذلك فإن التحرك التركي ـ إن تم- سيضع حداً لتوسع الوحدات الكردية التي تتقدم بشكل سريع باتجاه مدينة أعزاز في حلب وضمان عدم اجتياز مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات والحفاظ على «المحرمات التركية» في هذه المنطقة.
هذه الإستراتيجية التي تسعى تركيا إلى بلورتها مع السعودية وأمريكا ستؤدي إلى وضع حد أيضاً لاستعادة الأسد مزيداً من المناطق في ريف حلب الشمالي، ومنعها من إغلاق الحدود التركية الممر الوحيد للمساعدات الإنسانية والعسكرية للمعارضة السورية وتوفير دعم غير مباشر لكتائب الجيش الحر الأمر الذي ربما سيساعد في تغيير المعادلة العسكرية على الأرض.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية