إسطنبول ـ «القدس العربي»: بعد خمس سنوات على المحاولات الدبلوماسية والتهديدات الكلامية التي لم تحقق أي شيء على الأرض، تبنت تركيا استراتيجية جديدة في التعامل مع التهديدات الأمنية وحماية مصالحها السياسية لتقليل الخسائر السياسية والأمنية الكبيرة التي تلقتها أنقرة في سوريا والعراق.
وتركز الاستراتيجية الجديدة على مبدأ «خوض الحرب في أرض العدو» والذهاب للتهديدات الأمنية على أرضها قبل مواجهتها في عمق الأراضي التركية، بالإضافة إلى حماية مصالحها السياسية ونفوذها بالمنطقة من منطلق «من يتواجد على الأرض يحصد نتائج لصالحه في طاولة المفاوضات».
ويبدو أن تركيا التي حاولت طوال السنوات الماضية الحفاظ على مصالحها السياسية وحماية أراضيها من التهديدات الإرهابية من خلال المساعي الدبلوماسية ودعم الحلفاء، توصلت إلى قناعة نهائية أنها لن تستطيع حماية أمنها ولا مصالحها بدون الزوج بقواتها بشكل مباشر في المعارك على الأرض وإلا فإن تراجع نفوذها في المنطقة سوف يتواصل لحساب المنافسين الإقليميين الآخرين في المنطقة وخاصة إيران التي تزج بميليشياتها بشكل مباشر في الحرب الدائرة في سوريا والعراق وتحقق مكاسب متواصلة على حساب النفوذ التركي.
وعلى مدى 6 سنوات من الثورة السورية، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك سلسلة طويلة من التهديدات اليومية ضد النظام السوري والميليشيات الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية، لكن اعتماد تركيا على حلفائها فقط دون التدخل بشكل مباشر في المعارك على الأرض لم يحقق لها طوال هذه السنوات لا إسقاط نظام الأسد ولا منع الوحدات الكردية عن التقدم غرب الفرات ولا هزيمة تنظيم «الدولة».
لكن ومنذ انطلاق عملية «درع الفرات» وزج الجيش التركي دباباته وجنوده إلى الداخل السوري بغطاء جوي، تستعيد أنقرة تدريجياً جزءا من نفوذها الكبير الذي فقدته طوال السنوات الماضية. فبعد أن تمكنت من تأمين الشريط الحدودي وطرد تنظيم «الدولة» وإبعاد خطر صواريخ التنظيم التي ضربت الأراضي التركية لفترة طويلة، تمكنت من وقف تقدم الوحدات الكردية إلى غرب نهر الفرات وطردتها من جزء من الأراضي العربية التي كانت تسيطر عليها ودمرت إلى حد كبير فكرة الممر الكردي الذي وصل إنشاءه إلى مراحل متقدمة، بالإضافة إلى عزمها إنشاء منطقة آمنة في المناطق المحررة تُمكنها من تفادي موجات لجوء جديدة وإعادة جزء من اللاجئين الموجودين في الأراضي التركي إلى داخل سوريا.
وعلى الرغم من أن التدخل العسكري التركي في سوريا لم يستند إلى القوة العسكرية فقط، وإنما جاء بتوافقات ـ غير معلنة التفاصيل ـ مع روسيا بشرط عدم المساس بالنظام، ومع أمريكا بشرط عدم المساس بالوحدات الكردية، إلا أن التواجد العسكري المباشر على الأرض منح أنقرة جانبا أوسع من المناورة تمثل مؤخراً في ضرب مواقع وحدات قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً وقتل قرابة 200 من عناصرها، بحسب إعلان رسمي لهيئة الأركان التركية.
وفي العراق، ساهم التواجد العسكري التركي في معسكر بعشيقة الذي لا يحتوى سوى على بضع مئات من الجنود الأتراك في تعزيز الموقف التركي من عملية الموصل، والحفاظ على نفوذها في أكبر المحافظات السنية العراقية القريبة من حدودها.
وعلى الرغم من أن من المبكر الحكم على مدى قدرة تركيا الحفاظ على نفوذها السياسي والعسكري في شمال العراق، إلا أن التواجد الفعلي على الأرض عزز موقف أنقرة التي وقفت في وجه قرارات وتهديدات الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية رغم إدارة التحالف الدولي والولايات المتحدة ظهرهم إلى أنقرة والطلب منها الخضوع لقرارات الحكومة العراقية بالانسحاب من معسكر بعشيقة.
وبدلا من أن تنسحب من الموصل، أكدت تركيا أن طائراتها انضمت إلى عملية الموصل بجانب قوات التحالف، وتمكنت من إشراك قرابة 3 آلاف من القوات السنية التي دربتها بالعراق «الحشد العشائري» في عملية الموصل بجانب القوات الكردية «البيشمركة». والجمعة، أكد وزير الدفاع الأمريكي من أنقرة على أهمية ومحورية الدور التركي في عملية الموصل والحرب على الإرهاب بشكل عام.
وفي لهجة تهديد غير مسبوقة، اعتبر نائب رئيس الوزراء التركي نعمان كورتولموش أن تعرض معسكر بعشيقة للهجوم لا يختلف أبداً عن تعرض أنقرة للهجوم، لكنه لفت إلى أنه لم يحدث أي تطور يزعج بلاده خلال مجريات عملية تحرير الموصل من قبضة تنظيم «الدولة».
وقبل أيام، أكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن «أي جهة تتخذ خطوات في المنطقة دون أخذ تركيا في الاعتبار ستكون ترتكب خطأ كبيرا»، مشدداً على أن بلاده «لا تهدف إلى غير إرساء السلام وتحقيق الاستقرار في المنطقة، وليعلم الجميع أننا نفعل ما نراه مناسبًا وقت ما نشاء ضد أي خطر يهدد بلادنا ودونما تردد ولا نحتاج لإذن من أحد».
وفي إشارة صريحة للاستراتيجية التركية الجديد، قال وزير الدفاع التركي، فكري ايشيق: «انتهى عصر الدفاع عن بلدنا من داخل حدودنا، وباتت أولويتنا تتمثل بسحق والقضاء على أي تهديد موجه ضدنا حيث يتواجد».
وفي إطار عملياتها الخارجية، كثف الجيش التركي خلال الأشهر الأخيرة من عمليات القصف التي باتت تتم بشكل شبه يومي ضد المواقع الخلفية لمسلحي حزب العمال الكردستاني في جبال شمال العراق، بالتزامن مع تواصل الأعمال العسكرية ضد المتمردين الأكراد داخل البلاد.
والجمعة، وصل وزير الدفاع الأمريكي، أشتون كارتر، إلى العاصمة التركية أنقرة والتقى الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس وزراءه بن علي يلدريم «لبحث التعاون بين البلدين وتطورات الحرب على داعش في الموصل، بعد أيام من بدء المعركة الحاسمة، والخلاف حول المشاركة التركية فيها»، بحسب وسائل إعلام تركية.
والجمعة، قال يلدريم إن «هناك تعهد للولايات المتحدة بإخراج الوحدات الكردية من مدينة منبج السورية، ووزير الدفاع الأمريكي أكد التزام بلاده بتعهدها، فلن يظل أي عنصر من (ب ي د/ ي ب ك) في منبج»، وهي خطوة إن تمت تعني تمكن أنقرة من تطهير غرب الفرات من جميع الوحدات الكردية وتوسيع المنطقة التي تخطط لإقامة المنطقة الآمنة بها شمالي سوريا.
إسماعيل جمال