مع اقتراب عملية تحرير مدينة الموصل من نهاية آخر فصولها، وبانتظار النتائج التي ستخلفها على الوضع الداخلي العراقي، تستمر حالة غموض المشهد العراقي المقبل مع استمرار الصراع السياسي والجغرافي بين العرب من جهة، وبين العرب والكرد من جهة أخرى، الأمر الذي بات يهدد وينذر بمشكلات سياسية خطيرة، قد تؤثر على التوازن الإقليمي ووحدة العراق، نتيجة للاشكاليات الناتجة عن تدخل الدول المجاورة في مستقبل هذه المدينة العربية، والتجاوز على ثوابت الدولة الوطنية العراقية وخطوط سيادتها.
وفي خضم هذه الأحداث الملتهبة، المرتبطة بعملية تحرير مدينة الموصل، يبقى السؤال الأول الذي يهم الشارع العراقي منحصراً في سياق ما ستؤول إليه الأمور بعد طرد عناصر هذا التنظيم من مدينة الموصل، والمخاوف المشروعة من المشاكل والأزمات المحتملة المقبلة لمرحلة ما بعد التحرير، بعد السيطرة التامة على المدينة وقصباتها، إذا أخذنا بعين الاعتبار الرفض الكردي الانسحاب من محيط مدينة الموصل والإصرار على ضم مناطق عديدة في محافظة نينوى للإقليم الكردي، ضمن ما يسميه الزعماء الكرد «حدود الدم» والبدء بعملية الاستفتاء لشرعنة انفصال الإقليم محليا ودوليا، في الوقت الذي تتصارع تركيا وإيران لرسم خريطة المنطقة المقبلة حيث تقترب إيران عن طريق مشاركة مستشاري الحرس الثوري مع قوات «الحشد الشعبي» من إكمال تمددها نحو الحدود الدولية بين العراق وسوريا، وتستمر تركيا في تعزيز تواجدها في شمال العراق، عن طريق دعمها لقوات «الحشد الوطني» ومتطوعي «أبناء نينوى» لبسط سيطرتها على جبل بعشيقة والمناطق المجاورة لمدينة الموصل.
وبمعزل عمّا إذا صحت هذه التوقّعات أم لا، يبدو ان الحكومة العراقية عازمة من خلال تصريحات رئيس الوزراء على إصلاح وإعمار المدينة المنكوبة، والعمل على طمر منابع الإرهاب الذي ما زال يهدد العراق ومجتمعات العالم بأسره. ولكي تتوافق هذه التصريحات الرسمية مع الحاجة الماسة لمجتمع مدني متسامح، يسعى رئيس الوزراء حيدر العبادي على ما يبدو إلى تصحيح مسار المشهد السياسي والاجتماعي لمرحلة ما بعد استعادة الموصل، من خلال التأكيد على الالتزام بالتعايش السلمي بين المكونات العراقية، وإقامة علاقات جيدة مع المحيط الإقليمي والدولي على المستويات السياسية والاقتصادية.
فثمة رؤية حكومية جادة تم طرحها من قبل حيدر العبادي لعراق ما بعد تنظيم «الدولة» تتمثل في دراسة وتنفيذ نقاط متصلة ببعض، في ظل حوار جدي بين جميع المكونات لقيام مصالحة مجتمعية لعراق ما بعد تحرير الموصل، هدفها إعادة الاستقرار وتعويض النازحين المتضررين، من خلال عدم السماح بعودة الحالات والمظاهر الشاذة التي كانت سائدة في العراق في مرحلة ما قبل احتلال التنظيم للمدن.
وثمة إرادة رسمية لعراق ما بعد تحرير الموصل، لتعزيز أواصر التعايش السلمي مع جميع الشركاء، واحترام مقدساتهم وحصر السلاح بيد الدولة، وعدم رهن إرادة العراقيين بالخارج في ما يخص القضايا والمصالح الوطنية، والعمل بإرادة وطنية وقرار عراقي مستقل، ومحاربة الفساد وإبعاد مؤسسات ودوائر الدولة عن التدخلات السياسية والمحاصصة، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص والاعتماد على العناصر الكفؤة لإدارة العمل باستقلالية ومهنية.
وعلى الرغم من أهمية هذه الروى وإرادة العبادي في العمل على تنفيذها، بيد إنها قد لا تتعدى في مضمونها سوى حزمة من الأمنيات، إذ لم يتم معالجتها جذريا بموضوعية ووطنية بعيدة عن التأثير الإقليمي والأحزاب العراقية السائرة في الفلك الخارجي، الذي يعتبر السبب الرئيسي لوصول البلد إلى هذه الحالة من التشرذم والتفتيت، نظرا لطبيعة الواقع الاجتماعي المتأثر بأجندات الدول العالمية والإقليمية، التي قسمت العراقيين أثنياً وقومياً. الأمر الذي يجعل من الصعوبة تنفيذ هذه الرؤى والنوايا الطيبة لإعادة العراق إلى حالته الطبيعية، خاصة وان القوى العالمية والإقليمية كانت فتحت أبواب الصراع على مصراعيها بين كافة الأطراف العراقية، حيث أضحت معركة تحرير ثاني أكبر مدينة عراقية، مدخلاً لتمرير الاستراتيجيات الغربية والإقليمية، وفرصة لكسب المصالح والأطماع العارية من الحد الأدنى من الشرعية والعقلانية، لحقوق بلد عرفه التاريخ مهداً للحضارة الإنسانية، ومثال في تطور نشوء الأوطان والأمم.
من هذا المنطق، قد يصبح من الصعوبة ان تغلق عملية تحرير الموصل أبواب الصراع السياسي المذهبي والقومي، إذ لم يوقف التدخل الخارجي في الشؤون العراقية والدعم الإقليمي لأطراف الصراع المذهبي من الأحزاب الشيعية والسنية، وعلى غرار ما يعمل في الوقت الحاضر، لعقد مؤتمر بغداد للقوى السنية الذي يحظى بدعم دول الخليج العربي وتركيا لتأسيس مرجعية سياسية للعرب السنة في العراق أسوة بالمرجعية الشيعية التي تدعمها إيران، وما يحمله هذا التقسيم السياسي الطائفي المُعلن من سلبيات وغموض على مستقبل العراق. إذ سيحاول تحالف القوى السنيّ، تشكيل مجلس يتولّى القيادة في المحافظات ذات الغالبيّة السنيّة (الأنبار، نينوى، صلاح الدين، كركوك وديالى) وإعداد نظام داخليّ لهذا المجلس، وهو ما يوحي بالرغبة في تحقيق إقليم سني ذي حكم ذاتي، على غرار إقليم كردستان العراق ومن ثم قد يطالب العرب السنة بحكم أنفسهم، بعيدًا عن السلطة المركزية في بغداد في حالة تجدد الخلافات ورفض إيران سحب قوات الحشد الشعبي التابع لها من مناطقهم.
يبقي أمل رئيس الوزراء العراقي الوحيد، لنجاح خريطة الطريق التي رسمها لعراق ما بعد تنظيم «الدولة» في وقوعها ضمن خرائط الأجندة الأمريكية وتحت إشراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الرغم من خطورة الأجندات الأمريكية المعلنة المتعلقة بتقسيم العراق، على الرغم من سعي الولايات المتحدة من خلال مشاركتها الحيوية في عملية تحرير الموصل إلى إبقاء استمرار ارتباطها بمشروع بناء الدولة العراقية، وتثبيت الوجود العسكري في العراق لمواجهة أي طموحات إيرانية على حساب النفوذ والمصالح الأمريكية، التي تسعى الإدارة الأمريكية مجدداً إلى تثبيتها من خلال المشاركة والإشراف على معركة تحرير الموصل، في محاولة لمحاصرة النفوذ الإيراني وتحجيمه مستقبلاً، عن طريق ممارسة الضغوط على الحكومة العراقية للقبول باستمرار الوجود الأمريكي في العراق بذريعة إعادة إعمار المدينة وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي التي عززها خطاب الرئيس دونالد ترامب الخميس الماضي في وارشو في «أن الولايات المتحدة تبحث بعد تحرير الموصل عن حل سلمي لا يعزز أجندة إيران ولا يسمح بعودة التنظيمات الإرهابية».
وهذا يعني في المستقبل الدخول في صراع جديد، من خلال البدء بالعمل بنظام الأقاليم والسماح للعرب السنة في تكوين إقليمهم أسوة بالكرد، على نحو يتوافق مع «دستور البلاد» الذي سوف يسمح للأقاليم العراقية بحق الاستفتاء ومن ثم تقرير المصير، وكما يراه السفير الأمريكي لدى بغداد في مؤتمره الصحافي الأخير، لحل القضية الكردية، في «إن أي تقرير للمصير يجب أن يجري وفق الدستور والقوانين العراقية والتفاهم بين حكومتي بغداد وأربيل» وهذا ما قد يفتح أبواب الصراع من جديد بين المكونات الثلاثة الرئيسية حول المناطق المتنازع عليها في الموصل وكركوك.
لعل التحدي الأكبر الذي سيواجه حيدر العبادي بعد تحرير الموصل، هو بناء دولة المواطنة الحاضنة لكل العراقيين، والعودة إلى الانتماء الوطني، بغض النظر عن الولاءات المذهبية والقومية. من هنا تبدو رؤى رئيس الوزراء العراقي، لعراق ما بعد تنظيم «الدولة» أكثر تعقيداً وغموضاً، نظرا لشراسة الأجندات الخارجية وأطماعها التاريخية، ناهيك عن التعقيدات الأخيرة الحاصلة في التحالفات للدول الإقليمية وأثارها المقبلة على المشهد السياسي والاجتماعي العراقي.
أمير المفرجي