استراتيجية محاربة «داعش» ما لها وما عليها

حجم الخط
3

ثمة تحول دراماتيكي حدث لدى ادارة الرئيس باراك اوباما خلال الاسبوعين الماضيين، فقبل شهر فقط كان من الصعب على اي مراقب للرئيس اوباما وسياساته، التأكد من مدى تصميمه على محاربة تنظيم «داعش». فقد قال الرئيس أوباما نفسه في 7 آب/اغسطس الماضي:»لن أسمح بأن تنجر أمريكا لحرب جديدة»، ثم زاد على ذلك بعد عشرة أيام، محدداً الهدف الأمريكي في حده الأدنى باحتواء «داعش». لكن ابتداء من اوائل الشهر الجاري بدأ خطاب الادارة الامريكية يتغير، وعلى وجه التحديد بعد قمة الحلف الاطلسي في ويلز صرنا نسمع من أوباما أنه سيسعى الى «تقليص ثم تدمير» التنظيم الذي وصفه بأنه يمثل «خطراً محدقاً». ويبدو ان هذا التحول حصل في سياسة الولايات المتحدة ازاء «داعش»، بعد إقدامها على قطع رأسي الصحافيين الأمريكيين في سوريا، وتحديه الصارخ لأوباما بدعوته للرد. ولكن الحق يقال إن مسؤولي الإدارة الأمريكية، وحتى قبل عمليتي قتل الرهينتين، كانوا قد بدأوا يرسخون في الاذهان أن تنظيم «داعش» وتوحشه يمثل بالفعل خطراً محدقاً على حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، وأنه قد يتحول إلى مصدر حقيقي للإرهاب ضد أوروبا والولايات المتحدة.
التحول في مقاربة السياسة الامريكية ازاء «داعش» أضحت تتجه نحو تشكيل تحالف دولي للراغبين في محاربة هذا التنظيم المتوحش. واضحت هذه المقاربة تتجه بالنظر لهذا التنظيم ليس كمجرد شبكة إرهابية كبيرة فقط، وإنما هو أقرب في إمكانياته إلى «دولة» ناشئة تحاول ترسيخ ذلك الواقع، من خلال أيديولوجية وهيكل بيروقراطي وإيرادات ضريبية وقدرات ومتطلبات عسكرية محددة. ويمتلك التنظيم سيطرة على مساحات شاسعة، تمتد على طول الحدود العراقية السورية، بينما يهيمن على مدينة كبرى في كلتا الدولتين، وخطوط اتصال ومناطق عملياتية على الحدود، يهدد من خلالها بالتوسع وضم مدن أخرى، مثل محافظة الأنبار المتاخمة للعاصمة العراقية بغداد.
ولذا اتجهت السياسة الامريكية الى تشكيل تحالف دولي يشبه من حيث الشكل التحالف الذي شكله الرئيس جورج بوش الابن بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول 2001، ولكن في كل الاحوال سيكون التحالف الجديد مختلفا من حيث المهام والجوهر عن التحالف السابق؛ اذ انه لا يتضمن خوض حروب برية او اجتياحات من قبل الجيش الامريكي او جيوش الحلفاء الغربيين. والسؤال الذي يطرح نفسه هل باتت لدى ادارة اوباما استراتيجية لمحاربة «داعش»؛ بينما سبق للرئيس اوباما قبل اسابيع قليلة الاعتراف بانه لا يملك استراتيجية، واذا كانت هذه الاستراتيجية قد بدأت تتبلور الان فما هي عناصرها، ثم هل هي قادرة فعلا على هزيمة «داعش»؟
من الواضح ان هذه الاستراتيجية ليست كاملة التخطيط، وان مؤتمر باريس الذي عقد هذا الاسبوع يستهدف تحديد المهام بين شركاء تحالف الراغبين لمحاربة «داعش»، سواء المتعلقة بالمشاركين في العمليات القتالية او الذين سيقومون بدور محوري في الجهود الاستخبارية، فضلا عن مهام التمويل، والقتال على الارض. وحتى الان على ما يبدو فان هذه الاستراتيجية ستوكل مهمة القتال على الارض للقوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية، وقوات يجري تشكيلها على نحو متسارع من قبل سكان المدن الخاضعة لسيطرة «داعش» في شمال وغرب العراق، وهي مدن في اغلبيتها السكانية سنية، وبالتالي يتم تشكيل أفواج من مقاتلين اطلق عليهم تسمية «الحرس الوطني» من سكان هذه المدن، تكون مهمتهم المساعدة في قتال «داعش» وطردها من هذه المدن، وبالتالي تولي قوات الحرس الوطني الذي يجري تشكيله مهمة مسك الارض بعد طرد «داعش» منها. ويعتبر ان تشكيل حكومة جديدة في العراق وقيامها بمبادرات حتى الان، قد لقي رضا من الرأي العام العراقي من شأنه ان يشكل الرافعة التي تدفع بتكامل هذا التوجه في العراق. اما بالنسبة لسوريا فإن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة «داعش» يسعى إلى دعم المعارضة المعتدلة، بما يؤهلها للقتال على جبهتين، ضد «داعش» والنصرة والمتشددين من جهة، وضد النظام من جهة أخرى.
ويكتنف هذه الاستراتيجية التي هي قيد التبلور العديد من عناصر الضعف، في المقدمة منها ان التحالف الدولي يضم دولا متضاربة المصالح ولا تتفق بالضرورة على السياسات نفسها، كما ان حجر الزاوية في استراتيجية القتال تعتمد على الحكومة العراقية الجديدة، التي جاءت ولادتها قيصريا نتيجة صعوبة توافق السياسيين العراقيين وتضارب مصالحهم وتضادها في احيان كثيرة.. كما ان عددا لا يستهان به من الفريق الحكومي العراقي لا زال مرتهنا لنفوذ ايران، وايران باتت احد الساعين لعرقلة التحالف لمقاتلة «داعش».. فضلا عن ان الجيش العراقي الذي تولت واشنطن تدريبه وتجهيزه هو نفسه الذي سلم الموصل ومدناً اخرى من دون قتال الى «داعش». كما ان من بين نواحي الضعف التي تعاني منها استراتيجية مقاتلة «داعش» هي ان استهداف المناطق التي تسيطر عليها «داعش» في سوريا بضربات جوية امريكية وغربية لا يقابله وجود حليف على الارض، اذ أنه حتى قوات المعارضة السورية المعتدلة هي اصلا لا تثق بامريكا والحلفاء بعد كل الخذلان الذي حدث طيلة السنوات الثلاث الماضية. والواضح ان الجهد الاستخباري والجوي سيكون على عاتق امريكا وحلفائها في الاطلسي، وهي دول لا تريد ان تتورط في قتال بري على الارض؛ ويبقى الحسم في هذا القتال هو للمقاتلين على الارض وليس للضربات الجوية. كما ان هذه الاستراتيجية تعتمد في بعض عناصرها على الانظمة العربية التي هي أصلا مختلفة في ما بينها، واكثر من ذلك ان التوحش والارهاب الذي تمثله «داعش» هو نتاج ثقافة لا زالت تحفل بها المنطقة العربية. كما ان المنطقة نفسها وفرت التربة الخصبة لانتاج الفكر الجهادي المتطرف والتعصب الأعمى، اذ أن العلاقة الوطيدة بين الديكتاتوريين والجهاديين لم تنقطع أبداً في منطقتنا. كما ان عوامل عديدة تزدهر بها احوال المنطقة العربية ساهمت بتغذية وجود «داعش»، وهناك قسط كبير من الصحة بشأن قول المسؤولين المصريين لوزير الخارجية الامريكي جون كيري، ان «داعش» ليست هي التحدي الوحيد الذي يستحق وضع «استراتيجية» مدروسة جيداً لمحاربته في المنطقة.
يكمل كل ذلك؛ الاخطاء التي يمكن ان ترتكبها واشنطن وحلفاؤها في اطار مقاتلة «داعش»، ولنتذكر تجربة الحرب على الارهاب والحربين على العراق وافغانستان، وفي هذه العجالة يجب ان ندرك ان نوري المالكي وحكمه ربما كان من بين اهم الاسباب التي مهدت لسيطرة «داعش» على الموصل وغيرها من المدن، ولكن علينا ان نتذكر أن المالكي اصلا كان مدعوما من امريكا ومن ادارة اوباما نفسها.. واكثر من ذلك، فان المالكي نفسه هو نتاج نظام اشرفت على تأسيسه امريكا وبريطانيا خلال سنوات احتلال العراق. وفي الاصل ان تنظيم «القاعدة» الذي تمثل «داعش» تطورا له لم يكن فاعلا وموجودا في العراق قبل الاحتلال الانكلوامريكي عام 2003.
وبعبارة اوضح ما هي الضمانة الا تتكرر هذه الاخطاء او اخطاء اخرى على شاكلتها وما الذي يمنع واشنطن والغربيين من ترك المعركة قبل انتهاء المهمة او متى شعروا ان الخطر صار يبتعد عنهم، لاسيما ان هناك مسؤولين امريكيين وغربيين لديهم قناعة راسخة بان «داعش» تختلف عن «القاعدة»، في انها لا تروم توسيع نطاق فعلها الارهابي الى امريكا والغرب، وتقول ليزا موناكو، مستشارة أوباما حول الإرهاب، انه حتى الان أبدت «داعش» رغبة في مهاجمة الأمريكيين في الشرق الأوسط، إلا أنها لم تعلن نيتها التمدد خارج المنطقة، وهو ما توضحه، بقولها :»لم نتلقَ حتى اللحظة أي معلومات ذات مصداقية بأن «داعش» تخطط لضرب أراضينا». ويبدو ان قلق امريكا من «داعش» متأت من انه يمثل تهديدا حقيقيا لحلفاء امريكا في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى ما تقدمه من تدريب وخبرة قتالية للمجندين في صفوفها من أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا.
والشيء الجيد في استراتيجية محاربة «داعش» انها تتضمن فهما اعمق لمشكلة الارهاب والتوحش في المنطقة، فأمريكا وبعض الحلفاء من دول المنطقة تؤمن ان نمو وازدهار «داعش» ومثيلاته في دول المنطقة متأت من بيئة سياسية اسهمت في ذلك، ولذلك يجب الا تتم محاربة «داعش» بالوسائل العسكرية فحسب، وانما ايضا يجب ان يقترن العمل العسكري بعمل سياسي متسارع سواء في العراق او في سوريا، من اجل تفكيك الازمات التي شكلت حواضن وبيئة صالحة لازدهار «داعش» واخواته. والسؤال المطروح هو هل يكفي هذا الفهم؟ أم انه يتطلب العمل البناء لتحويل الفهم الى خطة عمل طويلة الامد تعمل على الحد من النفوذ الايراني في المنطقة وتحجيم ادواته، سواء المليشاوية وكذلك نزاعاته الطائفية. فهل امريكا والعرب قادرون على تحقيق ذلك؟ سؤال يبدو آن الاوان لمواجهته.

٭ كاتب وصحافي عراقي

عصام فاهم العامري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية