استشهد الطيار الكساسبة وهو واقف كشموخ قلعة الكرك الشماء

حجم الخط
1

■ تضاربت التحليلات مؤخراً حول «المغزى الحقيقي» و»الرسالة الفعليّة» التي أراد داعش أن يوجهها للأردن والأردنيين، من خلال الطريقة البشعة والمُستنكرة التي تم من خلالها المساس بالطيار الأردنيّ الشهيد معاذ الكساسبة. وكرد على هذه التحليلات نقول إنه ليس هنالك أي رسالة مباشرة أو غير مباشرة يستطيعُ تنظيمٌ إرهابيّ بحجم داعش أن يوجهها للأردن شعباً وملكاً وحكومةً.
فالأردن بأهله الأطياب وأرضه المباركة، التي تضربُ جذورُها عمقَ التاريخ الإسلاميّ هو أكبر من كلِ الإرهابيين ولو اجتمعوا. هنالك فقط صورة بربريّة تشمئز منها النفوس، تمثلت باستقواء حفنة من المجرمين على شبل أردنيّ هو أسير حرب له بحكم القانون الدولي وقيم الإسلام السمحة، حقوقٌ لا يجــوز الاعتداء عليها مهما كانت الظروف.
وبعكس الصورة «التخويفيّة» التي أراد هذا التنظيم الإرهابي بثها للأردنيين، فلقد ظهر الملازم أول معاذ كأسدٍ حقيقيّ في قفصِه الحديدي، فالأسود هي التي تُحتجَزُ في أقفاصٍ حديديّة. واستقبل هشيم النار ولهيبها في قفصه واقفاً كوقوف أشجار زيتون فلسطين «الرومانيّة» الصلبة التي امتدت جذورُها لمئات الأمتار عقب مئات السنين من الشموخ والعطاء، إلى أن امتدت لها يد الغدر والعدوان بإشعال النار فيها من قطعان المستوطنيين الإسرائيليين.
وعلى الرغم من حملات التسييس لهذا الحدث الأليم، الذي مس كل أردنيّ بشكل شخصيّ، فلم يجن هذا التنظيم الإرهابيّ غير سخط الأردنيين ووحدتهم في تصميمِهم على لفظِ هذه الفئة التكفيريّة المُجرمة، التي تدثرت بالدين الإسلامي الحنيف الذي هو منها ومن إرهابها براء. هذا الحدث الأليم وضع الأردن اليوم أيضاً في صُلب ما يجري في المنطقة، وجَلَبَ تعاطفاً دولياً سينعكسُ وبشكل إستراتيجي على المدى القريب والمتوسط ليزيد من مقدرة الأردن العسكرية والاقتصاديّة وتعزيز دوره الجيوسياسي.
بالتأكيد أن هيبة النظام في الأردن على الساحة المحلية والدولية مرتبطة بقوته الأخلاقية ومقدرته على طرح نفسه بأنه وإن كان جزءا من المنظومة العربية الرسمية، الاّ أنه قادرٌ وبكل ثقة على أن يكون جزءً من الحل، من خلال طرح نفسه بكل أمانة وموضوعيّة كبؤرة عربيّة لإرساء منظومة شفافية ونزاهة، وأن يعمل وبتركيز مُطلق على تفعيل إصلاحات حقيقية تضرب بيد من حديد منابع المحسوبية والفساد الكبرى في الأردن، وتحقق وحدة وطنية صلبة تفرض بتسامحها اعتدال الطرح الوطني ومصداقيته، كمنارة يُحتذى بها عربياً وفي المنطقة بأسرها.
وللذين يتساءلون ماذا كان الشهيد الملازم أول معاذ يفعل بمقاتلته العسكرية من طراز F16 نقول، إنه من حق الأردن أن يكون عضواً أساسياً في التحالف الأمريكي الدولي ضد «داعش»، وأن يُفعّل تعاوناً أمنياً تاماً لمحاربة الإرهاب الدولي باسم الإسلام الحنيف، بما ينعكس على سمعة الأردن الطيّبة في الغرب والارتقاء بمؤسساته العسكرية إلى أعلى درجات الاحتراف الدولي، من خلال الطلعات الجوية المشتركة واستيعاب أدق التطورات التكنولوجية واللوجستيّة العسكرية. ولكن هذا الانخراط لا ينبغي أن يكون هروباً من استحقاقات معركة الأردن الوجودية والكبرى، ضد الفساد وحيتانه، من خلال تفعيل الدور المطلق لسيادة القانون وبشكل يُعزز حماية حقوق الشباب الأردنيّ أمثال، الملازم أول الشهيد معاذ من سلب فرصهم والتطاول عليها بمحسوبيّة واسترزاقيّة ممنهجة من منافقي ومحاسيب النظام.
فالإرهابي الحقيقي هو أيضاً من سَمّم براءة الطرح الوطنيّ الأردنيّ بالتلاعب والتحايل وزرع الفتنة وتأجيج الفرُقة ومنهَجة عقليّة الفساد والتسلط على المواطن الأردني البسيط، كذلك هو من عمل جاهداً على استغفال الأردن والأردنيين بتعزيز ثقافة الخفاء والسريّة التآمريّة على حساب الشفافيّة والمساءلة الموضوعيّة المُطلقة والخاضعة لأدق المعايير الإكلينيكية القانونيّة الدوليّة. فلقد تسببت عدة عوامل تاريخيّة بحرمان الأردنيين من حقهم في الحصول على المعلومات الحساسة، والنقاش العلني بها، والتي كانت لها أبعادٌ عميقة على مستقبلِ الأردنّ ودورِه الجيوسياسي. هذا التآمر وهذه الفوقيّة البغيضة بلغت ذروتها في ظل سيطرة عقليّة «النخبّة» التي استغلها محاسيب النظام في تجاوزهم لمفاصل الدولة الدستوريّة، الذين جمعتهم عُقدة النقص من كل ما هو أجنبي، وعقلية سمسرة الأردن اقتصادياً ورهنه سياسياً، لا سيما في ظل دورهم غير المُعلن في ترويض الأردنيين على حساب تناقضات المجتمع الأردني وإرباك المواطن وتجريده من بوصلته الوطنيّة.
إعدام ساجدة الريشاوي وزملائها الإرهابيين، وإن كانت رسالة تحد شجاعة من الملك عبدالله الثاني لكل الإرهابيين، إلا أنها يجب أن تُعزز بفتح جبهة داخلية ممنهجة للقضاء على كل منابع الفرقة والفساد والتشتيت في الأردن، في معركة وجوديّة لإرساء القواعد المتينة لأردنٍ هاشمي عروبي؛ يأخذ دوره باقتدار بتفعيل سيادة القانون وبحمل رسالة نهضويّة جنباً إلى جنبِ كل الأشقاء العرب في كل محاولاتهم النبيلة للارتقاء بهذه الأمة والدفاع عن إسهاماتها التاريخيّة المشرّفة.
لا بد أن يكون هنالك ردٌ أردنيٌّ عسكري آنيّ قويّ لهذه الجريمة النكراء، التي يتحملُ مسؤوليتَها إرهابيّو ومجرمو «داعش». ولكن لتكن هذه المصداقيّة المطلقة مع الذات في خوض معركة الأردن الحقيقيّة للنهوض بالأردن وتحريره من براثن الفساد والمحسوبيّة المُمنهجة، في نقلةٍ نوعيةٍ جاده لا رجعةً ولا هوادةً فيها، هي الردُّ الحقيقيّ لتخليد ذكرى الملازم أول الشهيد معاذ صافي الكساسبة ابن الأردنيين جميعاً وشبلهم الشجاع.

٭ كاتب اردني

د. لؤي منور الريماوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية